الحاسد

أنا شخص مختلف عن جميع الأشخاص الذين تصادفهم في طريقك إلى العمل، أو عند أصدقائك، أو حتى بين أقاربك. ربما كنت مثلهم، قبل أن تصدمني سيارة وأنا في السنة الثالثة بكلية الحقوق في جامعة دمشق.
نُقلت إلى مستشفى حكومي، وبقيت في غيبوبة لأسبوع. بعدها تم نقلي إلى مستشفى خاص على نفقة عم أمي الذي تكفّل بجميع المصاريف.
ولولا أمي لما خرجت من المستشفى ماشياً على قدميّ.
عندما غادرت المستشفى، اكتشفت أنني لا شيء بالنسبة لهذا المجتمع الاستهلاكي. فقدت شيئاً مني في الداخل، لكنني عدت إنساناً آخر، بقدرات تختلف عن قدرات من حولي.
شعرت بطاقة غريبة تنبعث مني لا إرادياً، كلما رأيت شيئاً يعجبني وأعرف أنني لا أملكه ولن أتمكن من امتلاكه.
بعد تخرجي واختلاطي بالعالم، أدركت تأثير هذه القوة على الآخرين.
الأولى
كانت جارتنا شابة في العشرينات، جميلة، متزوجة برجل وسيم ميسور الحال. كنت أشعر نحوها بشعور أخجل من وصفه، وكنت أبادلها نظرات الإعجاب، ما دفعني للاعتقاد بأنها غير سعيدة بحياتها. قررت أن أحسد زوجها على هذه النعمة.
كل ليلة، كنت أدخل غرفتي وأغلق الباب. أشعل شمعة بيضاء، وأضع بجانبها صورة زوجها.
أفرغ عقلي من مشاكل النهار، وأركز على لهب الشمعة، مستحضراً إياه وهو يقود سيارته البيجو الصغيرة. يتحول المشهد في مخيلتي إلى فيلم سينمائي. تتجه طاقتي نحوه وتدفعه لزيادة السرعة، لينتهي المشهد بحادث مرعب يموت فيه.
الثاني
ذهبت لتعزيتها وفاتحتها بإعجابي. صُدمت عندما أخبرتني أن لديها صديقاً من أيام المدرسة كانا يحبان بعضهما وربما تفكر بالزواج منه. استفسرت من الجيران عن اسمه وعرفت أنه متزوج.
عدت مساءً إلى غرفتي وأغلقت الباب. تخيلت صديق طفولتها يقود سيارته المرسيدس وزوجته سهام بجانبه في شارع المالكي.
ستون كيلومتراً في الساعة.
سبعون.
ثمانون.
تسعون.
مئة.
استمرت السيارة بزيادة سرعتها حتى بلغت مئة وستين. فقد السيطرة عليها وانحرفت إلى اليسار، فاصطدمت بتمثال تذكاري لقائد عسكري. وانتقل السائق وزوجته إلى العالم الآخر.
الثالث والأخير
في الليلة الثالثة لم أعد أحتمل. كرهت قوتي وكرهت نفسي. أشعلت الشمعة من جديد، لكنني وضعت هذه المرة صورتي أنا على الطاولة. قررت أن أحسد نفسي القديمة، ذلك الشاب الطموح قبل أن تصدمه السيارة. أردت قتله كي أتوقف عن القتل.
أغلقت الباب. أشعلت الشمعة. ركزت على اللهب. استحضرت المشهد: أنا حاملاً حقيبتي، أعبر الشارع والسيارة تقترب.
في مخيلتي، ضغطت على دواسة الوقود.
ثمانون.
مئة.
مئة وستون.
قبل أن تدهسني السيارة، انطفأت الشمعة لوحدها. غرقت الغرفة في سواد كامل.
سمعت صوتاً من خلفي، صوتاً أعرفه جيداً.
– لم تشبع حسداً؟
استدرت مذعوراً. كانت أمي جالسة على كرسيها في العتمة. لم تكن هنا قبل لحظة.
قالت بمرارة:
– أنت في غيبوبة يا ابني. ما زلت نائماً في السرير رقم سبعة، في الطابق الثالث، في المستشفى الحكومي بدمشق.
تجمد الدم في عروقي.
– كذب… أنا تخرجت… أنا…
قاطعتني وهي تحدق في وجهي:
– كل هذا الذي يحدث؟ حلم طويل. كابوس تحسد فيه الأحياء لأنك لم تستطع أن تكون واحداً منهم. تقتلهم بخيالك لأنك مت وأنت تحسد الدنيا كلها.
مدت يدها إلى جيبها وأخرجت هاتفاً قديماً وضغطت زر الاتصال.
– ألو، دكتور يعقوب؟ نعم، أنا أم سمير…
سكتت قليلاً، ثم قالت بهدوء قاتل:
– افصل الأجهزة عن ابني فوراً. تعب كثيراً وهو يحلم.
في غرفة العناية المشددة، كان جسد سمير مستلقياً على السرير رقم سبعة. فتح عينيه للحظة. رأى أمه واقفة إلى جانب السرير تبكي. حاول أن يرفع يده فلم يستطع.
اقترب الطبيب من الأجهزة.
⁃ أم سمير، متأكدة؟
هزت رأسها. انطفأت الشاشة. انطلق صوت الصفير الطويل.
وفي اللحظة نفسها، في غرفته المظلمة، لم تبق الغرفة مظلمة.
الشمعة التي انطفأت لوحدها، اشتعلت لوحدها من جديد.
نظر سمير أمامه. لم تعد صورته على الطاولة. كانت صورة أمه.
وفهم أخيراً قانون اللعبة. هو لا يقتل الناس بالحسد. هو يستعير حياتهم. كل مرة يحسد فيها أحداً ويموت، يسرق منه يوماً إضافياً في غيبوبته.
والآن، لم يبق أحد يحسده غيرها. غير المرأة القادرة على أن تقرر متى يموت ومتى يعيش.
ابتسم لأول مرة منذ الحادث. ووجه موجته الأخيرة، بكل ما يملك من إعجاب وحقد وحب، نحو أمه.
وبدأ يحسدها.



