اساطير وخرفات

لماذا نخاف من البيوت المهجورة؟

فريق كابوس

هناك بيوت لا تحتاج إلى أن يحدث فيها شيء خارق حتى تبدو مخيفة. يكفي أن تكون نوافذها مغلقة منذ سنوات، وأن يتراكم الغبار على عتباتها، وأن يقف بابها الخشبي نصف مفتوح كأنه ينتظر عودة شخص لا يعود. عندها يبدأ الخيال بعمله بصمت. يرى الإنسان في الظلال وجوهاً، وفي صوت الريح خطوات، وفي صرير الباب رسالة غامضة قادمة من مكان لا يريد أحد الاقتراب منه.

في أطراف البلدة القديمة كان هناك بيت يعرفه الجميع ولا يقترب منه أحد بعد غروب الشمس. لم يكن أكبر البيوت، ولا أقدمها، ولا حتى أكثرها تهدماً، لكنه كان مختلفاً بطريقة لا يعرف الناس كيف يشرحونها. كان قائماً عند نهاية شارع ضيق، خلف أشجار يابسة تميل أغصانها فوق السور كأنها تحاول إخفاءه عن العيون. في النهار يبدو البيت عادياً تقريباً، جدران متشققة، باب خشبي باهت، نافذتان في الطابق العلوي، وساحة صغيرة غطتها الأعشاب البرية. أما في الليل، فكان يتحول إلى شيء آخر.

كان أهل البلدة يسمونه بيت الحاج سالم. مات صاحبه قبل سنوات طويلة، ثم رحلت عائلته فجأة، وبقي البيت مغلقاً. لم يكن أحد يعرف الحقيقة كاملة. بعضهم قال إن العائلة سافرت بعد خلافات على الميراث، وبعضهم قال إنهم لم يحتملوا العيش في البيت بعد وفاة الأب، وآخرون لم يحتاجوا إلى تفسير منطقي، فقد وجدوا في صمت البيت سبباً كافياً ليصدقوا أنه مسكون.

بدأت الحكاية من نافذة واحدة. نافذة في الطابق العلوي كانت تضيء أحياناً بعد منتصف الليل. لم تكن الإضاءة قوية، بل ضوءاً أصفر خافتاً يشبه ضوء مصباح قديم. كان يظهر لدقائق، ثم ينطفئ. في البداية ظن الناس أن أحد أبناء العائلة يعود سراً إلى البيت، لكن أحداً لم ير شخصاً يدخل أو يخرج. ثم قال أحد الجيران إنه سمع صوت كرسي يجر على الأرض من الداخل، مع أن الباب كان مقفلاً منذ سنوات.

لم تكن البلدة بحاجة إلى أكثر من ذلك كي تولد القصة.

كل شخص أضاف إليها شيئاً. امرأة قالت إنها مرت بجانب البيت عند الفجر فسمعت بكاء طفلة من الداخل. رجل قال إن كلبه توقف أمام الباب وبدأ ينبح بعنف ثم هرب. شاب أكد أنه رأى ظلاً يتحرك خلف النافذة المضاءة. ومع مرور الوقت لم يعد أحد يناقش إن كان البيت مسكوناً أم لا، بل صار السؤال الوحيد: من يسكنه؟

كنت أسمع هذه القصة منذ طفولتي. كانت أمي تحذرني دائماً من المرور في ذلك الشارع ليلاً. لم تكن تقول إن في البيت جناً أو أشباحاً، لكنها كانت تكتفي بجملة واحدة: “بعض الأماكن لا يجب أن نوقظها.” كنت صغيراً حينها، وكانت الجملة وحدها تكفي لتزرع في داخلي خوفاً لا يحتاج إلى تفسير.

كبرت، وغادرت البلدة للدراسة والعمل، ثم عدت بعد سنوات بسبب مرض أمي. تغيّرت أشياء كثيرة. بعض المحلات أغلقت، وجوه كثيرة اختفت، والشارع الرئيسي أصبح أكثر ازدحاماً، لكن بيت الحاج سالم بقي كما هو. كأنه لم يتحرك من مكانه، ولم يمسه الزمن إلا من الخارج. نفس الباب، نفس الأشجار، نفس النافذة التي تحدق في الطريق بصمت.

في إحدى الليالي، عدت من الصيدلية متأخراً. كان الطريق الرئيسي مقفلاً بسبب أعمال الحفر، فاضطررت إلى المرور من الشارع القديم. لم أفكر كثيراً في البيت. قلت لنفسي إنني لم أعد طفلاً، وإن القصص التي نخاف منها ونحن صغار تفقد قوتها عندما نكبر. لكنني حين اقتربت من نهاية الشارع، شعرت أن خطواتي أصبحت أبطأ من غير قصد.

كان البيت هناك. ساكناً، بارداً، غارقاً في الظلام. وقفت أمامه للحظة قصيرة، لا أعرف لماذا. ربما لأنني أردت أن أختبر نفسي، وربما لأن شيئاً في داخلي كان يريد أن يرى إن كانت النافذة ستضيء كما كانوا يقولون.

لم يحدث شيء في البداية.

ثم صدر صوت خفيف من الداخل.

لم يكن صوتاً واضحاً، ولا عالياً، لكنه كان كافياً ليجعل جسدي يتجمد. شيء يشبه طرقاً بطيئاً على الخشب. مرة واحدة، ثم صمت. حاولت أن أضحك على نفسي. قلت إن الريح قد تحركت، أو إن فرع شجرة اصطدم بالنافذة، أو إن قطاً دخل من مكان ما. لكن الصوت عاد مرة ثانية، هذه المرة أقرب قليلاً.

نظرت إلى الباب. كان مغلقاً، لكن الفتحة الصغيرة بينه وبين الأرض كانت سوداء تماماً، كأن الظلام داخل البيت أثقل من ظلام الشارع.

ثم أضاءت النافذة.

لم يكن ضوءاً قوياً. مجرد اصفرار خافت تسلل من خلف الزجاج المغبر. رأيت للحظة شكلاً غير واضح يمر أمامها، ثم اختفى. لم أركض، لكنني ابتعدت بسرعة. كنت أشعر أن أحداً يراقبني من الداخل، مع أن عقلي كان يرفض هذه الفكرة تماماً.

في البيت لم أخبر أمي بما حدث. كانت مريضة ومتعبة، ولم أرد أن أزيد قلقها. لكنني لم أنم تلك الليلة بسهولة. كلما أغمضت عيني رأيت النافذة المضيئة، وسمعت الطرق البطيء على الخشب. حاولت أن أجد تفسيراً، لكن التفسيرات المنطقية بدت ضعيفة أمام ذلك الشعور الذي التصق بي بعد مروري من أمام البيت.

في الصباح، سألت جارنا القديم أبو نادر عن البيت. كان رجلاً في السبعين، يعرف حكايات البلدة أكثر مما يعرف أسماء الشوارع. عندما ذكرت بيت الحاج سالم، تغيّر وجهه قليلاً، ثم قال: “اتركه يا بني. البيت الفارغ يمرض من كثرة الكلام عنه.”

قلت له إنني رأيت ضوءاً في النافذة.

لم يندهش. فقط نظر إلي طويلاً وقال: “النور هذا يظهر لمن يقف أكثر مما يجب.”

ضحكت بحذر وسألته إن كان يؤمن بأن البيت مسكون.

قال: “أنا لا أعرف. لكنني أعرف أن الناس عندما يخافون من مكان، يتركون فيه جزءاً من خوفهم. ومع السنين، يصبح الخوف كأنه ساكن حقيقي.”

كانت جملته غريبة، لكنها بقيت في رأسي طوال اليوم.

في الليلة التالية حاولت تجنب الشارع القديم، لكنني شعرت برغبة مزعجة في العودة. لم تكن شجاعة، ولا فضولاً عادياً. كان الأمر أشبه بحكة داخل العقل. أردت أن أرى النافذة مرة أخرى، فقط لأثبت لنفسي أن ما حدث كان صدفة. أخذت مصباح هاتفي وخرجت بعد أن نامت أمي.

كان الشارع أكثر هدوءاً من الليلة السابقة. المحلات مغلقة، والهواء بارد، وصوت خطواتي واضح بشكل يزعجني. عندما وصلت إلى البيت، وجدت الباب كما هو، والنافذة مطفأة. وقفت على الجانب الآخر من الطريق، أحدق فيه. مرت دقيقة، ثم دقيقتان، ولم يحدث شيء.

بدأت أشعر بالسخافة. رجل بالغ يقف ليلاً أمام بيت مهجور لأنه خاف من ضوء. هممت بالعودة، لكنني سمعت شيئاً من الداخل. هذه المرة لم يكن طرقاً. كان صوتاً يشبه حركة قدم بطيئة فوق أرض خشبية.

خطوة.

ثم خطوة أخرى.

رفعت مصباح الهاتف باتجاه الباب، لكن الضوء لم يكشف شيئاً. اقتربت قليلاً. كان قلبي يدق بقوة، لكنني كنت أتمسك بفكرة واحدة: هناك تفسير. ربما دخل أحد المشردين إلى البيت. ربما يلعب بعض الصبية لعبة سخيفة. ربما لا شيء في الأمر سوى حيوان عالق في الداخل.

وضعت يدي على الباب ودفعته برفق.

فتح.

لم يكن مقفلاً كما يظن الجميع.

صدر عنه صرير طويل جعلني أتراجع خطوة. رائحة الرطوبة والغبار خرجت من الداخل كأن البيت تنفس بعد سنوات من الصمت. وقفت عند العتبة، أضيء الممر الصغير بهاتفي. كان كل شيء مغطى بطبقة رمادية من الغبار. طاولة مكسورة، حذاء قديم قرب الجدار، مرآة متشققة، وصور عائلية باهتة معلقة في المدخل.

لم تكن هناك آثار أقدام واضحة، وهذا ما أخافني أكثر.

دخلت خطوة واحدة، ثم توقفت. كان الصمت في الداخل مختلفاً. ليس صمتاً عادياً، بل صمتاً كأنه يمتص الأصوات. حتى أنفاسي بدت بعيدة عني. وجهت الضوء نحو الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي. كان ضيقاً، خشبياً، مغطى بالغبار، وفي أعلاه ممر مظلم ينتهي عند الغرفة التي تطل نافذتها على الشارع.

قلت لنفسي إنني سأصعد، ألقي نظرة، ثم أخرج.

كانت كل درجة تصدر صوتاً تحت قدمي. لم ألمس الجدار، لكنني شعرت ببرودته قريباً من كتفي. في منتصف الدرج، سمعت الصوت مرة أخرى. خطوة من الأعلى. توقفت فوراً. وجهت ضوء الهاتف نحو الممر، ولم أر شيئاً.

ناديت: “من هناك؟”

لم يجب أحد.

كان سؤالي غبياً، لكنني احتجت أن أسمع صوتي. احتجت أن أتأكد أنني ما زلت في عالم طبيعي يمكن فيه للكلام أن يكسر الخوف.

صعدت بقية الدرج. في الطابق العلوي كانت هناك ثلاث غرف. الغرفة اليسرى مفتوحة وبداخلها سرير حديدي صدئ. الغرفة اليمنى بابها مخلوع تقريباً. أما الغرفة الأخيرة، في نهاية الممر، فكان بابها مغلقاً. من تحت الباب تسلل خط رفيع من الضوء الأصفر.

تجمدت في مكاني.

الضوء نفسه.

لم يكن هناك كهرباء في البيت، هذا ما أعرفه. البيت مهجور منذ سنوات، ولا توجد أسلاك صالحة، ولا عداد يعمل. ومع ذلك كان الضوء يخرج من تحت الباب بهدوء، كأنه ينتظرني.

اقتربت ببطء. كل جزء في جسدي كان يطلب مني الرحيل، لكنني واصلت المشي. عندما وصلت إلى الباب، سمعت من الداخل صوت كرسي يتحرك على الأرض. نفس الصوت الذي تحدث عنه الجيران. وضعت يدي على المقبض. كان بارداً جداً.

فتحت الباب.

كانت الغرفة فارغة.

لا مصباح. لا كرسي يتحرك. لا شخص. فقط نافذة تطل على الشارع، وستائر قديمة تتحرك ببطء رغم أن الزجاج مغلق. بحثت عن مصدر الضوء، لكنه اختفى لحظة فتحت الباب. الغرفة عادت مظلمة تحت ضوء هاتفي فقط.

دخلت وأنا أحاول ضبط أنفاسي. على الأرض وجدت كرسياً خشبياً مقلوباً، ودفتر ملاحظات قديماً قرب الجدار. كان الغبار يغطي كل شيء، لكن الدفتر بدا أقل اتساخاً، كأن أحداً لمسه منذ وقت قريب. ترددت قليلاً، ثم التقطته.

كانت صفحاته صفراء وهشة. في الصفحة الأولى اسم مكتوب بخط باهت: مريم سالم.

تذكرت أن للحاج سالم ابنة اسمها مريم. كانت صغيرة حين رحلت العائلة. أو هكذا كانت الحكاية تقول.

قلبت الصفحات بحذر. معظمها فارغ، وبعضها مليء بجمل قصيرة غير مكتملة. لم تكن يوميات عادية. كانت أقرب إلى ملاحظات شخص يحاول أن يفهم شيئاً لا يستطيع قوله بصوت عال.

قرأت جملة جعلت الدم يبرد في عروقي:

“البيت لا يخيفني عندما أكون داخله. يخيفني عندما أشعر أنه يتذكرني.”

قلبت صفحة أخرى.

“أمي تقول إن الأصوات من الخشب. أبي يقول إنني أتخيل. لكن الخشب لا ينادي اسمي.”

في الصفحة الأخيرة تقريباً وجدت سطراً مكتوباً بقوة حتى كادت الحروف تمزق الورق:

“إذا أضاءت الغرفة وحدها، لا تدخل.”

أغلقت الدفتر فوراً.

في تلك اللحظة سمعت صوت الباب يغلق خلفي.

التفت بسرعة. باب الغرفة كان مغلقاً، مع أنني تركته مفتوحاً. اندفعت نحوه وفتحته بقوة. كان الممر مظلماً، لكنني رأيت على الأرض شيئاً لم يكن موجوداً من قبل.

آثار أقدام صغيرة في الغبار.

لم تكن آثار قدمي. كانت أصغر، أضيق، وتتجه من الدرج نحو الغرفة. وقفت أنظر إليها غير قادر على الحركة. آثار جديدة تماماً على غبار قديم. كأن شخصاً دخل قبلي بدقائق، أو مر بجانبي دون أن أراه.

خرجت من الغرفة بسرعة. لم أعد أفكر في التفسير. نزلت الدرج وأنا أكاد أسقط، وخرجت من الباب إلى الشارع. الهواء البارد في الخارج بدا كأنه نجاة. لم أتوقف حتى وصلت إلى البيت.

في الصباح، قررت أن أواجه الأمر بطريقة مختلفة. ذهبت إلى البلدية وسألت عن بيت الحاج سالم. بعد بعض المراجعة، أخبرني الموظف أن البيت ما زال مسجلاً باسم الورثة، وأنه لا توجد عليه أي طلبات ترميم أو بيع. عندما سألته عن العائلة، قال إنهم غادروا البلدة قبل أكثر من عشرين عاماً، ولا توجد معلومات حديثة عنهم.

لم أذكر له ما رأيت. كنت أعرف كيف سيبدو كلامي.

عدت إلى أبو نادر، وأخبرته أنني دخلت البيت. غضب بطريقة لم أتوقعها. قال بصوت منخفض لكنه قاس: “لماذا فعلت ذلك؟”

أخرجت الدفتر من حقيبتي وقلت: “وجدت هذا.”

نظر إليه طويلاً، ثم جلس كأنه تعب فجأة. لم يلمس الدفتر. فقط قال: “مريم لم تغادر مع أهلها في البداية.”

سألته ماذا يقصد.

قال إن مريم، ابنة الحاج سالم، كانت تعاني من خوف شديد بعد وفاة والدها. كانت تقول إن البيت يتغير ليلاً، وإنها تسمع أحداً يمشي في الطابق العلوي. لم يصدقها أحد. ظنوا أنها صدمة الفقد، أو خيال طفلة. ثم بدأت النافذة تضيء ليلاً. بعد ذلك أصرت الأم على الرحيل، لكن مريم رفضت في البداية. قالت إن البيت لا يريدها أن تخرج.

سألته: “وماذا حدث؟”

أجاب بعد صمت: “رحلوا في النهاية. هكذا قالوا.”

لم تعجبني كلمة “قالوا”.

سألته إن كانت مريم حية.

نظر بعيداً وقال: “لا أحد يعرف.”

كان من السهل أن أصدق أن الرجل يضيف غموضاً إلى قصة قديمة. لكن الدفتر كان في حقيبتي، وآثار الأقدام الصغيرة كانت ما تزال عالقة في ذاكرتي. لم يعد الأمر مجرد حكاية سمعتها في الطفولة.

في الأيام التالية حاولت تجاهل الموضوع. اهتممت بأمي، وذهبت إلى عملي، وتجنبت الشارع القديم. لكن البيت بدأ يلاحقني بطريقة أخرى. في الليل كنت أسمع أحياناً طرقاً خفيفاً على نافذتي. عندما أفتحها لا أجد أحداً. وفي أكثر من مرة استيقظت على إحساس بأن هناك ضوءاً أصفر يمر من تحت باب غرفتي، رغم أن البيت كله كان مظلماً.

كنت أقول لنفسي إنني متعب. إن المرض، والسهر، والعودة إلى البلدة، وحكايات الطفولة كلها اختلطت في رأسي. لكنني لم أستطع التخلص من الدفتر. كنت أقرؤه كل ليلة تقريباً، كأنني أبحث عن جملة تشرح ما يحدث.

في إحدى الصفحات وجدت عبارة لم أنتبه لها أول مرة:

“ليس كل بيت مسكوناً بمن ماتوا فيه. بعض البيوت تسكنها الأشياء التي خاف منها أهلها طويلاً.”

توقفت عندها كثيراً.

هل يمكن أن يكون الخوف نفسه كافياً لصناعة شبح؟ هل تتحول الحكايات مع الزمن إلى شيء يشبه الحقيقة؟ عندما يخاف الناس من مكان عشرين سنة، ويتحدثون عنه، ويحذرون منه، ويتخيلون ما داخله، هل يبقى البيت مجرد جدران؟ أم يصبح حاملاً لكل ما قيل عنه؟

ربما لم يكن في البيت شيء في البداية. ربما كان بيتاً حزيناً فقط. عائلة فقدت أباها، طفلة خائفة، أم تريد الرحيل، وجيران يراقبون النوافذ. ثم جاءت الأصوات العادية، والظلال، والصدف الصغيرة. ومع كل حكاية، كبر الخوف. ومع كل تحذير، صار البيت أكثر عزلة. ومع كل ليلة مضت، أصبح الصمت أعمق.

لكن هذا التفسير لم يمنعني من الخوف.

في الليلة السابعة، سمعت اسمي.

كنت جالساً بجانب أمي وهي نائمة، حين جاء الصوت من الخارج. لم يكن عالياً. كان واضحاً بما يكفي ليجعلني أرفع رأسي. صوت امرأة أو طفلة، بعيد وقريب في الوقت نفسه.

ناداني باسمي مرة واحدة.

فتحت النافذة. الشارع كان خالياً. لكن في نهايته، بعيداً عند الشارع القديم، رأيت ضوءاً أصفر صغيراً. لم يكن من مصباح شارع. كنت أعرف مصدره.

نافذة بيت الحاج سالم.

ارتديت معطفي وخرجت قبل أن أمنح نفسي فرصة للتفكير. لا أعرف لماذا. ربما لأنني كنت أريد إنهاء الأمر. ربما لأنني شعرت أن البيت لن يتركني حتى أعود. وربما لأن الإنسان أحياناً يذهب إلى ما يخيفه، لا لأنه شجاع، بل لأنه تعب من الخوف.

وصلت إلى البيت، فوجدت الباب مفتوحاً بالكامل.

لم يكن هناك ريح. لم تكن الأشجار تتحرك. كل شيء كان ساكناً بطريقة غير طبيعية. دخلت وأنا أضيء الطريق بهاتفي. هذه المرة لم تكن رائحة الغبار وحدها في الداخل، بل رائحة أخرى خفيفة، تشبه رائحة قماش قديم رُطب ثم جف. على الأرض كانت آثار الأقدام الصغيرة واضحة، لكنها لم تكن وحدها. كانت هناك آثار أقدام كبيرة أيضاً. آثار كثيرة متداخلة، كأن أشخاصاً مشوا في البيت طوال الليل.

صعدت الدرج. كان الضوء يخرج من الغرفة نفسها. الباب مغلق. وقفت أمامه وسمعت من الداخل همساً غير مفهوم. لم يكن صوتاً واحداً، بل أصواتاً خافتة كثيرة، كأن أناساً يتحدثون من خلف جدار بعيد.

فتحت الباب.

كانت الغرفة هذه المرة مختلفة.

لم تكن فارغة كما رأيتها أول مرة. كان الكرسي قائماً في منتصفها، وعلى الجدار صور عائلية لم أرها من قبل، وفي الزاوية حقيبة سفر قديمة مفتوحة. أما النافذة فكانت مضاءة من الخارج بضوء القمر، لكن داخل الغرفة كان هناك وهج أصفر لا مصدر له.

على الكرسي جلست فتاة صغيرة، ظهرها نحوي، شعرها طويل، وثوبها أبيض باهت.

لم أصرخ. لم أستطع.

قالت دون أن تلتفت: “تأخرت.”

كان صوتها هادئاً، لا يشبه أصوات الأشباح في القصص، بل يشبه صوت شخص تعب من الانتظار.

قلت بصعوبة: “من أنت؟”

أجابت: “أنا الخوف الذي تركوه هنا.”

لم أفهم. أو ربما فهمت أكثر مما أردت.

التفتت ببطء. لم يكن وجهها مرعباً. كان عادياً، حزيناً، شاحباً، كوجه طفلة في صورة قديمة. لكن عينيها لم تكونا تنظران إلي وحدي. كانتا تحملان شيئاً أعمق، كأنهما تنظران من خلالي إلى كل من وقف يوماً أمام البيت وخاف منه.

قالت: “كلهم رحلوا. لكنهم تركوا أصواتهم.”

ثم بدأت الغرفة تمتلئ بالهمس. سمعت امرأة تبكي، ورجلاً يقول إن الأمر مجرد خيال، وطفلة تكرر أن الخشب لا ينادي اسمها، وجيراناً يتحدثون خلف النوافذ، وأطفالاً يضحكون وهم يرمون الحجارة على الباب، ورجالاً يقسمون أنهم رأوا ضوءاً، ونساء يحذرن أبناءهن من الاقتراب.

كانت الأصوات كثيرة حتى شعرت أن الجدران نفسها تتكلم.

تراجعت خطوة، فقالت الفتاة: “لا تخف من البيت. خف مما تحمله إليه.”

انطفأ الضوء فجأة.

وجدت نفسي واقفاً في غرفة فارغة، والكرسي مقلوب على الأرض كما كان في المرة الأولى. لا فتاة، لا صور، لا حقيبة. فقط غبار وصمت ونافذة تطل على شارع خال.

خرجت من البيت قبل الفجر. لم أركض هذه المرة. مشيت ببطء، كأنني خرجت من مكان لا يريد أن يؤذيني، بل يريد أن يفهمه أحد.

في اليوم التالي أخذت بعض الرجال من البلدة وذهبنا إلى البيت في وضح النهار. قلت لهم إن الباب مفتوح وإنه قد يكون خطراً على الأطفال. دخلوا وهم يضحكون على خوفي القديم، لكن ضحكهم خف شيئاً فشيئاً عندما رأوا الداخل. البيت كان عادياً ومهجوراً، لا أكثر. لا آثار أقدام صغيرة، لا ضوء، لا أصوات. فقط بيت قديم يحتاج إلى ترميم أو هدم.

في الغرفة العلوية وجدنا شيئاً واحداً خلف الخزانة المكسورة. صندوقاً خشبياً صغيراً فيه صور قديمة ورسائل وبعض ملابس طفلة. بين الأوراق كانت هناك ورقة رسمت عليها مريم بيتاً بنافذة مضيئة، وكتبت تحت الرسم بخط طفولي: “عندما يخافون مني، أضيء كي يروني.”

لم أقل شيئاً لأحد.

بعد أسابيع، تواصلت البلدية مع الورثة، وبدأت إجراءات تنظيف البيت. لم يهدموه مباشرة. أزالوا الأعشاب، أصلحوا الباب، وفتحوا النوافذ لأول مرة منذ سنوات. الغريب أن البيت فقد معظم رهبته بمجرد أن دخله الضوء. صار يبدو حزيناً فقط، لا مخيفاً. بيت قديم حمل من كلام الناس أكثر مما يحتمل.

مع ذلك، لم تنته القصة تماماً.

بعض الجيران قالوا إن النافذة لم تضيء بعد ذلك أبداً. وبعضهم قال إنهم مروا من هناك ليلاً ولم يشعروا بالخوف كما كانوا من قبل. أما أبو نادر، فحين أخبرته بما وجدناه، قال بهدوء: “أحياناً لا تحتاج البيوت إلى شيخ ولا إلى مطرقة. تحتاج فقط إلى أن يفتح أحد نوافذها.”

لم أعرف إن كنت أصدقه، لكنني فهمت ما يعنيه.

ليست كل البيوت المسكونة مسكونة بأرواح. بعضها مسكون بذاكرة ثقيلة. بعضها تسكنه الحكايات التي كررها الناس حتى صارت أقوى من الحقيقة. وبعضها لا يخيفنا لأنه يحمل شيئاً خارقاً، بل لأنه يلمس شيئاً قديماً في داخلنا، شيئاً نخاف أن نعترف به.

فالبيت المهجور لا يصنع الرعب وحده. نحن نكمله. نعطي الظلال شكلاً، ونعطي الأصوات معنى، ونعطي الصمت حكاية. ثم نصدق أن ما صنعناه ينتظرنا خلف الباب.

ومنذ تلك الليلة، كلما مررت بجانب بيت قديم لا أقول إنني لا أخاف. الخوف لا يختفي بهذه السهولة. لكنه يصبح أوضح. أراه كما هو: ظلاً من الداخل أكثر مما هو خطر من الخارج.

ربما كانت البيوت المسكونة موجودة فعلاً في ذاكرة الناس، لا في الجدران. وربما كان الإنسان، عندما يقف أمام مكان مهجور في ليلة صامتة، لا يسمع صوت الأشباح، بل يسمع صدى خوفه هو.

هذا المحتوى لأغراض ترفيهية وثقافية، ولا يهدف إلى إثبات أو نفي أي ظاهرة غيبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!