حارس المزرعة الذي حاور الجني صالح
بقلم:مجرب ريفي
حارس المزرعة الذي حاور الجني صالح
كان سالم يستيقظ كل صباح كأن شيئًا ثقيلًا نام فوق صدره طوال الليل.
لم تكن قريته قاسية في ظاهرها. كانت قرية صغيرة في أطراف اليمن، معلّقة بين الجبال كأنها وُضعت هناك بيدٍ تعرف معنى الصبر. البيوت الطينية متلاصقة، أبوابها خشبية قديمة، وسقوفها من جذوع الأشجار والطين اليابس. في الصباح، تصعد رائحة الخبز من التنور، وتتحرك الماعز بين الأزقة الضيقة، وتسمع النساء وهنّ ينادين أطفالهن، والرجال يذهبون إلى الحقول وقد لفّوا رؤوسهم بالشالات.
كانت الأرض حول القرية واسعة وجميلة، لكن سالم لم يكن يراها كذلك. كان يرى فيها ضيقًا فقط. المدرجات الزراعية التي تمتد على كتف الجبل، وأشجار اللوز، والسدر، والرمان، ورائحة التراب بعد رشّ الماء على عتبة البيت… كل ذلك كان يمر أمام عينيه كشيء عادي لا قيمة له.
في الثانية والثلاثين، كان سالم يشعر أنه تأخر عن العالم كله.
لم يحصل على شهادة جامعية. ترك الدراسة بعد الثانوية، ليس لأنه كان كسولًا، بل لأن المال لم يكن يكفي. مات أبوه وهو صغير، وبقيت أمه تحمل البيت على كتفيها مثل امرأة تعوّدت ألا تشتكي. كان سالم الابن الأكبر، فدخل الحياة من بابها الصعب مبكرًا. عمل في البناء، ثم في دكان صغير، ثم مع تاجر قات، ثم سائقًا مؤقتًا عند أحد أقاربه، ثم حارسًا في مخزن، ثم بلا عمل.
كل عمل كان يبدأ عنده بوعد صغير، وينتهي بكلمة باردة: “الله يفتح عليك.”
وكانت هذه الجملة تجرحه أكثر من الشتيمة.
في القرية، لا يموت الكلام بسرعة. يبقى يدور من فم إلى فم، يكبر ويغيّر شكله، حتى يصل إلى صاحبه كحجر.
كانت خالته تقول لأمه أمامه وهي تحاول أن تخفض صوتها ولا تنجح:
“سالم ولد طيب، لكن ما عرف يثبت رجله في شيء.”
وكان عمه يقول في مجلس الرجال:
“لو كان أكمل الجامعة كان صار له شأن. الدنيا الآن شهادة. بلا شهادة، الرجل يبقى يدور في الفراغ.”
وكان ابن الجيران، الذي عاد من المدينة بهاتف جديد وقميص لامع، يبتسم لسالم ابتسامة فيها شيء من الشفقة، ويسأله:
“ما زلت هنا؟”
كان السؤال قصيرًا، لكنه كان يظل في رأس سالم حتى الليل.
ما زلت هنا.
كأن القرية عيب. كأن البقاء بجوار الأم عيب. كأن الحقول التي أطعمته صغيرًا صارت دليل فشله. كأن الإنسان لا يُحسب إنسانًا إلا إذا ابتلعته المدينة، وخرج منها بوجه متعب وراتب شهري وحذاء نظيف.
صار سالم عصبيًا.
يغضب من أمه إذا سألته: “أكلت؟”
يغضب من أخيه الأصغر إذا ترك الباب مفتوحًا.
يغضب من أخته إذا تأخرت في جلب الماء.
ثم، بعد أن يهدأ، يكره نفسه.
كان يدخل الغرفة الصغيرة التي ينام فيها، يجلس على حافة الفراش، ويمسح وجهه بيديه. يسمع أمه في المطبخ وهي تتحرك ببطء، فيقول في نفسه: لماذا صرخت عليها؟ ماذا فعلت غير أنها خافت عليّ؟
لكنه في اليوم التالي يعود كما كان.
كان الغضب عنده مثل كلب جائع مربوط في داخله. ما إن يسمع كلمة من أحد حتى ينفلت.
في إحدى الأمسيات، جلس سالم قرب الدكان، والرجال يتحدثون عن المدينة. قال أحدهم إن ابن فلان وجد عملًا في شركة. وقال آخر إن قريبه اشترى شقة صغيرة. وقال ثالث إن الحياة في المدن صعبة لكنها تفتح الأبواب.
ظل سالم صامتًا، يطحن حبة قات بين أسنانه دون رغبة.
قال له صاحب الدكان:
“يا سالم، في رجل من وادي السرحان يبحث عن حارس لمزرعته. المزرعة بعيدة قليلًا، فيها بئر ومخزن، ويريد واحدًا يبيت هناك.”
نظر سالم إليه بلا اهتمام.
“كم الراتب؟”
ذكر الرجل مبلغًا بسيطًا. أقل مما كان سالم يتمنى، وأكثر من لا شيء.
ضحك أحد الجالسين وقال:
“حراسة مزرعة؟ هذا عمل عجائز.”
لم يرد سالم. رفع رأسه إلى الجبل، ورأى آخر الضوء ينسحب من القمم كأنه ماء.
في تلك اللحظة لم يكن يريد العمل بقدر ما كان يريد الابتعاد. الابتعاد عن كلام الناس، عن نظرات الشفقة، عن صوت أمه حين تدعو له في الليل، عن نفسه التي لم يعد يحتملها.
قال لصاحب الدكان:
“أخبره أنني موافق.”
في اليوم التالي، حمل سالم حقيبة صغيرة فيها بطانية، ومصباح يدوي، وقميصان، وقطعة خبز، وقليل من الجبن، وسار مع صاحب المزرعة في طريق ترابي ضيق يخرج من القرية نحو وادٍ بعيد.
كانت المزرعة في مكان منعزل، أسفل جبل طويل، لا تصل إليها البيوت ولا أصوات الناس. حولها سور منخفض من الحجارة، وفي داخلها أشجار رمان وعنب ولوز، وبئر قديم مغطى بألواح خشبية، وغرفة صغيرة من الطين والحجر يستخدمها الحارس. قرب الغرفة فانوس معلق في مسمار صدئ، وخلفها حقل صغير تفوح منه رائحة التراب الرطب.
قال صاحب المزرعة، وهو رجل قصير الكلام:
“الماء هنا قليل، انتبه للبئر. لا تترك الباب مفتوحًا. وإذا سمعت حيوانًا فلا تخف، هنا ثعالب أحيانًا، لكنها لا تقترب.”
هز سالم رأسه.
“وماذا عن الناس؟”
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
“الناس أبعد شيء عنك هنا.”
أعجبت سالم الجملة.
في أول مساء له، جلس أمام غرفة الحراسة يشرب الشاي في كأس زجاجي صغير. كان الليل ينزل ببطء على الوادي. في القرية، الليل يأتي محمولًا بأصوات كثيرة: أطفال، أبواب، حمير، رجال عائدون من المجالس. أما هنا، فقد كان الليل يأتي كاملًا، صافيًا، كأنه ضيف لا يتكلم.
ظهرت النجوم واحدة بعد أخرى. لم يكن سالم قد رفع رأسه إلى السماء منذ زمن. كان دائمًا ينظر إلى الأرض، إلى الطريق، إلى جيوب الناس، إلى ما ينقصه. تلك الليلة رفع رأسه فرأى السماء مزدحمة بنور بعيد، ساكن، لا يسأل أحدًا عن شهادته ولا عن راتبه.
مع ذلك لم يطمئن.
مدّ فراشه داخل الغرفة، لكنه لم ينم. ظل يتقلب، يسمع الريح وهي تمر بين الأشجار، وصوت أوراق العنب حين تحتك ببعضها، وحفيفًا خفيفًا قرب السور. قال في نفسه: ثعلب. ثم عاد الصمت.
بعد منتصف الليل بقليل، سمع خطوات.
لم تكن خطوات حيوان. كانت هادئة، واضحة، بطيئة، كأن صاحبها يعرف المكان ولا يخشى أن يُسمع.
جلس سالم في فراشه. أمسك المصباح، لكنه لم يشغله فورًا. انتظر.
اقتربت الخطوات من باب الغرفة، ثم توقفت.
قال صوت خارج الباب:
“السلام عليكم.”
كان الصوت عميقًا، هادئًا، لا يحمل تهديدًا.
تردد سالم، ثم قال:
“وعليكم السلام. من؟”
“رجل يطلب مجلسًا ولا يطلب أذى.”
نهض سالم وفتح الباب نصف فتحة.
كان أمامه رجل مسن، طويل القامة، نحيفًا، بوجه هادئ ولحية بيضاء قصيرة. يرتدي ثوبًا بسيطًا، وعلى كتفه رداء قديم. لم يكن وجهه مخيفًا، بل كان فيه وقار غريب، كوقار الرجال الذين عاشوا طويلًا ولم يعودوا يستعجلون شيئًا.
قال سالم بحذر:
“من أين دخلت؟ الباب الخارجي مغلق.”
نظر الرجل إلى السور الحجري، ثم عاد بعينيه إلى سالم.
“ليست كل الأبواب مما تراه العين.”
تراجع سالم خطوة.
“أنت من؟”
قال الرجل:
“اسمي صالح.”
“من أهل أي قرية؟”
“من خلق الله، ولست من الإنس.”
صمت سالم. شعر ببرودة خفيفة تمشي على ذراعيه، لكنه لم يشعر بالرعب الذي كان يتوقعه لو سمع مثل هذه الجملة. كان الرجل يتكلم كما يتكلم شيخ وقور في مجلس، لا كما تتكلم الأشياء التي يخاف منها الناس في الحكايات.
قال سالم بصوت منخفض:
“جني؟”
أومأ الرجل.
“مسلم، لا أطلب منك شيئًا، ولا أملك لك نفعًا إلا كلمة طيبة إن قبلتها، وسؤالًا إن أحببت أن تجيب.”
ابتلع سالم ريقه.
“ولماذا جئت إليّ؟”
قال صالح:
“لأنك جئت إلى هنا هاربًا من الناس، وأحضرت الناس كلهم في صدرك.”
لم يعرف سالم ماذا يقول.
خرج من الغرفة ببطء وجلس على حجر قرب الفانوس. ظل المصباح في يده، لكنه لم يشغله. جلس صالح على حجر آخر أمامه، وبينهما ضوء ضعيف يتأرجح مع الريح.
قال سالم:
“إن كنت جئت تخيفني، فأنا متعب بما يكفي.”
ابتسم صالح ابتسامة صغيرة.
“ومن قال إن الخوف يحتاج إلى زائر؟ أراك تحمله معك من بيتك إلى المزرعة.”
نظر سالم إلى الأرض.
“أنا لا أخاف.”
“حقًا؟”
رفع سالم رأسه بضيق.
“لا.”
قال صالح بهدوء:
“إذن لماذا تغضب حين يسألك أحد عن عملك؟”
تجمد سالم قليلًا. لم يكن يتوقع هذا السؤال.
“لأن الناس لا ترحم.”
“وهل سؤالهم هو الذي يؤلمك، أم الجواب الذي لا تحبه في داخلك؟”
لم يجب سالم.
سكت صالح طويلًا، حتى ظن سالم أن الحديث انتهى، ثم قال:
“ما الشيء الذي تظن أنك فقدته؟”
قال سالم بسرعة:
“مستقبلي.”
“وكيف عرفت أن المستقبل يُفقد هكذا؟”
“لأني لم أتعلم. لم أدخل الجامعة. لم أحصل على شهادة. الناس الذين كانوا مثلي صاروا أفضل مني.”
“أفضل منك في ماذا؟”
ارتبك سالم.
“في العمل… في المال… في المكانة.”
“وهل المكانة تُقاس بما يحمله الرجل في جيبه، أم بما يحمله الناس له في قلوبهم؟”
تنهد سالم.
“الكلام جميل، لكنه لا يشتري خبزًا.”
قال صالح:
“صحيح. لكن الخبز لا يشتري قلبًا مطمئنًا أيضًا. قل لي يا سالم، لو جاءك رجل يحمل شهادة كبيرة، لكنه يظلم أمه، ويأكل حق أخيه، ويكذب على الناس، أترى شهادته ترفعه؟”
قال سالم بعد تردد:
“لا.”
“ولو جاءك رجل لا يقرأ إلا قليلًا، لكنه أمين، يعمل بيده، يحفظ لسانه، ويعطي الناس حقهم، أترى جهله بالجامعة يُسقط قيمته؟”
قال سالم:
“لا… لكن الناس لا تنظر هكذا.”
“كل الناس؟”
صمت سالم.
ابتسم صالح.
“أم أنت تنظر إلى نفسك بعين من تخاف كلامهم، ثم تقول إنهم السبب؟”
أحس سالم أن السؤال دخل إلى مكان حساس في صدره. قبض على طرف ثوبه وقال:
“أنا لا أنكر أنني مخطئ أحيانًا. لكن الشهادة تفتح الأبواب. هذا واقع.”
“نعم، قد تفتح أبوابًا. لكن هل كل الأبواب في الدنيا أبواب جامعة؟”
نظر سالم إلى أشجار الرمان الداكنة حوله.
“لا.”
“وهل من لم يدخل من باب، يجب أن يقضي عمره يبكي عند عتبته؟”
لم يجب.
قال صالح:
“أخبرني أنت. ماذا يستطيع رجل مثلك أن يفعل بلا شهادة؟”
ضحك سالم بمرارة.
“رجل مثلي؟ يحرس مزرعة وينتظر الراتب آخر الشهر.”
“وهل الحراسة عيب؟”
“ليست عيبًا، لكنها ليست حياة.”
“وما الحياة في رأيك؟”
قال سالم كأنه يكرر كلامًا سمعه كثيرًا:
“عمل محترم. راتب ثابت. بيت. سيارة. زوجة. ناس تحترمك.”
“إذن إنسان بلا سيارة لا يُحترم؟”
“لم أقل ذلك.”
“وبلا راتب ثابت لا قيمة له؟”
“لا… لكن الحياة صعبة.”
“ومن قال إنها سهلة على صاحب الراتب؟”
سكت سالم.
تابع صالح:
“أتعرف أحدًا في المدينة؟”
“أعرف كثيرين.”
“هل تراهم سعداء كما تتخيل؟”
تردد سالم. تذكر ابن خالته الذي يعمل في شركة، وكيف اتصل به مرة في الليل يشكو من مديره، ومن غرفة الإيجار الضيقة، ومن زحمة الحافلات، ومن خوفه أن يُستبدل بموظف آخر.
قال سالم:
“ليسوا كلهم سعداء.”
“إذن لماذا جعلت المدينة جنة؟”
قال سالم بصوت أخفض:
“لأن من يعود منها يعود بشيء. هاتف. ملابس. مال.”
“ومن يذهب إليها ماذا يترك؟”
نظر سالم إلى صالح.
قال صالح:
“أجب أنت.”
فكر سالم قليلًا.
“يترك أهله. يترك الهدوء. يترك الأرض. يترك أشياء كثيرة.”
“وهذه الأشياء لا قيمة لها؟”
تنهد سالم.
“نحن لا نشعر بقيمتها لأننا نعيش فيها.”
قال صالح:
“ومن قال هذه الجملة الآن؟”
نظر سالم إليه، ثم ابتسم رغمًا عنه.
“أنا.”
“إذن كنت تعرف.”
لم يعجبه أن يكون يعرف. كان الجهل أحيانًا مريحًا، لأن الإنسان يعلّق عليه فشله. أما أن يعرف، ثم يستمر في الشكوى، فذلك يحتاج شجاعة ليعترف به.
قال سالم:
“لكن البساطة لا تكفي.”
“من قال إنها يجب أن تكفي وحدها؟ هل الرضا يعني أن تجلس تحت الشجرة وتنتظر الثمر أن يسقط في يدك؟”
“لا.”
“فما معناه؟”
قال سالم ببطء:
“أن أقبل ما عندي… لكن أعمل لأحسن منه.”
“هذا كلام من؟”
قال سالم:
“كلامي.”
“إذن لماذا كنت تعيش كأن الرضا استسلام، وكأن الطموح كره لما عندك؟”
مسح سالم وجهه بيده. كان الليل باردًا قليلًا، ورائحة التراب الرطب ترتفع من الحقل. في مكان بعيد، سمع نباح كلب ثم عاد الصمت.
قال سالم:
“لأني أشعر أنني أقل من غيري.”
“متى بدأ هذا الشعور؟”
أخذ سالم وقتًا قبل أن يجيب.
“حين تركت الدراسة. كنت أرى زملائي يسافرون. بعضهم دخل الجامعة، وبعضهم صار موظفًا. وأنا بقيت هنا. في البداية قلت لنفسي إنني سأعمل سنة ثم أكمل. ثم جاءت سنة بعد سنة. وبعدها صار الرجوع صعبًا.”
“صعبًا أم مؤلمًا؟”
“كلاهما.”
“وما الذي يؤلمك أكثر: أنك لم تكمل، أم أنك صدقت أن حياتك انتهت لأنك لم تكمل؟”
فتح سالم فمه ليرد، ثم أغلقه.
كان السؤال يشبه مرآة. لا يعطي جوابًا، لكنه يمنعك من الهرب.
قال سالم بعد صمت:
“ربما الثانية.”
“وماذا فعلت حين صدقت ذلك؟”
“غضبت.”
“على من؟”
“على نفسي… على أمي… على إخوتي… على القرية.”
“وهل تغيّر شيء؟”
“لا.”
“بل تغيّر.”
نظر سالم إليه مستغربًا.
قال صالح:
“تغيّرت أنت. لكن إلى ما لا تحب.”
كانت الجملة بسيطة، لكنها ثقيلة.
خفض سالم رأسه. رأى يديه الخشنتين في ضوء الفانوس. يدان عملتا كثيرًا، لكن صاحبهما كان يحتقرهما لأنه كان ينظر إلى أيدي الآخرين وهي تمسك الأقلام أو الهواتف أو مفاتيح السيارات.
قال بصوت مكسور قليلًا:
“صرت أصرخ على أمي.”
لم يعلّق صالح.
كان سكوته أبلغ من الكلام.
تابع سالم:
“هي لا تستحق. تسألني عن الطعام فأثور. تقول لي انتبه لنفسك فأقول لها اتركيني. أسمعها تدعو لي بعد ذلك، فأشعر كأن أحدًا يضع جمرة في صدري.”
قال صالح:
“لو ماتت أمك غدًا، لا قدّر الله، أي شيء ستتمنى؟”
ارتجف وجه سالم.
“لا تقل هذا.”
“لن أقوله ثانية. لكن أجب.”
ابتلع سالم ريقه، وتأخرت كلماته.
“سأتمنى أن أسمع صوتها، ولو وهي تلومني.”
“إذن لماذا تهرب من نعمة يتمناها من فقدها؟”
أغمض سالم عينيه. مرّت أمامه صورة أمه وهي تجلس عند الباب بعد المغرب، تفرز الحبوب في صحن نحاسي، وتنتظر عودته مهما تأخر. كان يظن ذلك عاديًا. امرأة تنتظر ابنها. لكنه الآن رأى في الانتظار حبًا لا يُشترى.
قال:
“لأن الإنسان أعمى أحيانًا.”
قال صالح:
“أعمى أم مشغول بالنظر إلى ما في يد غيره؟”
قال سالم:
“مشغول.”
“وما الذي أخذته المقارنة منك؟”
قال سالم بلا تردد هذه المرة:
“راحتي.”
“وماذا أعطتك؟”
“لا شيء. حقدًا ربما. غضبًا. شعورًا أنني متأخر.”
“وهل أنت في سباق واحد مع كل من تعرفهم؟”
“كنا هكذا نعتقد.”
“ومن وضع خط النهاية؟”
سكت سالم، ثم قال:
“لا أحد.”
“فلماذا تركض خلف خط لا تراه؟”
ابتسم سالم ابتسامة حزينة.
“لأن الناس تركض.”
“والماعز إذا ركضت خلف بعضها نحو حافة الجبل، هل تلحق بها لأن القطيع تحرك؟”
ضحك سالم لأول مرة منذ أيام. ضحكة قصيرة خرجت منه كأنها نسيت الطريق.
قال:
“لا. العاقل يتوقف.”
“فهل توقفت يومًا وسألت: ما طريقي أنا؟”
“لا.”
“لماذا؟”
“لأنني كنت مشغولًا بطرق الآخرين.”
هز صالح رأسه كأنه سمع جوابًا كان ينتظره.
مرت الريح بين الأغصان، فتحركت ظلال الأشجار على الأرض. كان الفانوس يضع دائرة صغيرة من الضوء حول الرجلين، وخارج الدائرة يمتد الليل بلا عداء. لم يعد سالم يشعر بالخوف من صالح. صار وجوده غريبًا، نعم، لكنه ليس أثقل من الأسئلة التي يطرحها.
قال سالم:
“لكن ماذا أفعل؟ أريد أن أبدأ، لكن لا أعرف من أين. كل شيء يحتاج مالًا، ومعرفة، وعلاقات.”
قال صالح:
“ما الذي لديك الآن؟”
“لا شيء تقريبًا.”
“لا تجب كما يجيب الغاضب. انظر حولك، ثم أجب كما يجيب من يريد أن يرى.”
رفع سالم رأسه. نظر إلى المزرعة. الأشجار. البئر. الغرفة. الطريق الترابي. الجبل. القرية البعيدة. ثم نظر إلى يديه.
قال:
“لدي صحة.”
“وهل هي قليلة؟”
“لا.”
“وماذا أيضًا؟”
“أعرف العمل في الأرض قليلًا. أعرف البيع والشراء من الدكان. أعرف الناس في القرية. أستطيع القراءة والكتابة. عندي هاتف. أعرف الطرق بين القرى. وأمي… أمي تعرف صنع أشياء كثيرة من البيت.”
“مثل ماذا؟”
“الخبز. السمن. البهارات. تجفيف بعض الفواكه. أشياء بسيطة.”
“ولماذا قلت قبل قليل إنك لا تملك شيئًا؟”
تنهد سالم.
“لأنني كنت أبحث عما لا أملك.”
“وهذا ما يفعله كثير من الناس. يضعون أيديهم على عيونهم، ثم يشتكون من الظلام.”
قال سالم:
“لكن هذه الأشياء لا تصنع مستقبلًا كبيرًا.”
قال صالح:
“ما معنى كبير؟”
“أن يخرج الإنسان من الفقر.”
“وهل الخروج من الفقر يكون بقفزة واحدة دائمًا؟”
“لا.”
“كيف تنمو شجرة الرمان هذه؟”
نظر سالم إلى الشجرة القريبة.
“ببطء.”
“هل تراها تخجل لأنها لم تصر نخلة؟”
ابتسم سالم.
“لا.”
“هل ترفض ثمرها لأن غيرها أعلى منها؟”
“لا.”
“إذن لماذا يرفض الإنسان ثمره لأنه ليس ثمر غيره؟”
لم يجد سالم جوابًا.
قال صالح:
“لو أردت أن تبدأ مما عندك، لا مما تتمناه، ما أول خطوة تخطر لك؟ لا تقل لي لا أعرف. أنت تعرف، لكنك تخاف أن يكون الجواب صغيرًا.”
سكت سالم طويلًا. كان يسمع صوته الداخلي لأول مرة بلا ضجيج الناس.
قال:
“يمكنني أن أعمل هنا بجد، لا كأنني مدفون. أتعلم من صاحب المزرعة أكثر عن الزراعة. أكتب ما تنتجه المزرعة. ربما أساعده في بيع الرمان أو العنب في السوق بدل أن يأتيه التجار بسعر قليل.”
قال صالح:
“ومن قال هذا؟”
“أنا.”
“وماذا أيضًا؟”
“يمكنني أن أتحدث مع أمي. نرى ما تستطيع صنعه. ربما نبيع للقرى القريبة. ليس مشروعًا كبيرًا، لكنه بداية.”
“وماذا تحتاج؟”
“تنظيم. صبر. أن أتعلم. أن أسأل من يعرفون. أن أستخدم الهاتف لشيء غير النظر إلى صور الناس.”
“وهل تحتاج شهادة جامعية لتبدأ بهذا؟”
“لا.”
“وهل يعني هذا أن العلم غير مهم؟”
“لا. أستطيع أن أتعلم بطرق أخرى. أقرأ. أسأل. أشاهد دروسًا. أتعلم الحساب، التسويق، التصوير، أي شيء يفيدني.”
“هل ترى؟”
قال سالم ببطء:
“كنت أظن أن الباب مغلق لأنني لم أدخل الجامعة. لكن ربما الباب الذي أمامي ليس هو الباب الوحيد.”
قال صالح:
“بل ربما كنت واقفًا أمام حائط، وتسمّيه بابًا لأن الناس تجمعوا هناك.”
ساد الصمت.
شعر سالم أن شيئًا داخله بدأ يلين. لم تختف مشكلاته. لم يظهر المال في جيبه. لم تتغير المزرعة. لم يتحول الليل إلى نهار. لكنه أحس أن الحبل الذي كان يخنقه ارتخى قليلًا.
قال:
“لماذا لا تساعدون البشر؟”
نظر صالح إليه.
“ومن قال إن المساعدة أن أحمل عنك حملك؟”
“أليس هذا أيسر؟”
“أيسر لك في لحظتها، وأسوأ لك بعد ذلك. لو حملتُ عنك حملك كل يوم، هل تقوى ساقاك؟”
“لا.”
“ولو أعطيتك مالًا لا تعرف كيف تحفظه، هل أنقذتك أم أخرت سقوطك؟”
“ربما أخرت السقوط.”
“ولو فتحت لك بابًا لا تعرف كيف تسير بعده، ماذا يحدث؟”
“أضيع.”
“إذن ماذا بقي من المساعدة؟”
فكر سالم، ثم قال:
“أن يدلني أحد على ما لا أراه في نفسي.”
ابتسم صالح.
“وأن تسير أنت.”
أطرق سالم. كان قلبه منشغلًا بأفكار كثيرة. لم تكن أفكارًا براقة، لكنها عملية. صغيرة. ممكنة. وهذا ما جعلها تخيفه. فالأحلام الكبيرة البعيدة تمنح الإنسان عذرًا جميلًا للتأجيل، أما الخطوات الصغيرة فهي تفضح كسله وخوفه.
قال سالم:
“أخاف أن أعود كما كنت.”
قال صالح:
“متى يعود الماء إلى مجراه القديم؟”
“إذا تُرك بلا مجرى جديد.”
“فما مجراك الجديد؟”
“أن أغيّر يومي. لا أنتظر المزاج. أبدأ بشيء ثابت.”
“مثل؟”
“أستيقظ مبكرًا. أعتذر لأمي. أكتب ما أريد فعله. أتعلم ساعة كل يوم. أوفر من راتبي ولو قليلًا. أسأل صاحب المزرعة عن البيع. أذهب للسوق وأراقب الأسعار. أتعامل مع إخوتي بهدوء.”
“وهل تستطيع فعل هذا كله غدًا؟”
“لا.”
“فبم تبدأ؟”
“بأمي.”
قالها سالم وانخفض صوته.
“أبدأ بأمي. إن أصلحت ما بيني وبينها، ربما أستطيع إصلاح شيء في نفسي.”
قال صالح:
“لماذا اخترت أمك أولًا؟”
قال سالم وقد امتلأت عيناه بشيء لم يسمح له بالسقوط:
“لأنها الباب الوحيد الذي ظل مفتوحًا لي وأنا أطرق الجدران.”
لم يقل صالح شيئًا.
في تلك اللحظة، أذن الفجر من قرية بعيدة. جاء الصوت ضعيفًا، ممدودًا فوق الوادي، كأنه خيط نور لا يُرى. ارتفع من بين الجبال، ولامس الأشجار، والبئر، وغرفة الحراسة، ووجه سالم المتعب.
التفت سالم نحو الصوت. حين عاد بعينيه، وجد صالح واقفًا.
قال سالم بسرعة:
“ستذهب؟”
قال صالح:
“لكل ليل آخره.”
“هل سأراك ثانية؟”
“إن احتجت إلى سؤالي، فاسأل نفسك بصدق. كثير من الأجوبة لا تحتاج زائرًا من الغيب، بل تحتاج رجلًا لا يكذب على قلبه.”
وقف سالم.
“لماذا أنا؟”
نظر صالح إليه طويلًا، ثم قال:
“لأنك لم تكن شريرًا، كنت موجوعًا. والموجوع إذا لم ينتبه، آذى من يحبونه.”
ثم خطا خطوة إلى الخلف. لم يحدث شيء خارق. لم يختفِ في دخان، ولم تلمع حوله نار، ولم تنشق الأرض. فقط مرّت نسمة باردة، وانطفأ الفانوس لحظة، وحين أعاد سالم إشعاله، لم يكن هناك أحد.
نظر حوله. لم يجد أثر قدم، ولا قطعة قماش، ولا علامة على الحجر. كأن الرجل لم يجلس هناك. كأن الليل كله كان حلمًا.
لكنه لم يشعر أنه حلم.
في الصباح، غسل وجهه من ماء البئر، وصلى، ثم جلس يراقب أول ضوء يلمس رؤوس الجبال. لأول مرة منذ زمن، لم يبدُ له الصباح خصمًا. كان هادئًا، بطيئًا، كأنه يقول له: لا أحد يطاردك إلا أفكارك.
بقي في المزرعة أسبوعًا. لم يصبح رجلًا آخر فجأة، ولم تتحول حياته إلى قصة نجاح سريعة. كان يغضب أحيانًا، ثم ينتبه. كان يسمع صوت المقارنة في رأسه، ثم يوقفه. كان يمسك هاتفه ليرى أخبار الناس، ثم يضعه جانبًا ويكتب في دفتر صغير ما تعلمه عن المزرعة.
سأل صاحب المزرعة عن مواعيد الري، وعن أسعار الرمان، وعن التجار الذين يشترون بثمن بخس. في البداية استغرب الرجل اهتمامه، ثم بدأ يجيبه. اكتشف سالم أن كثيرًا من المحصول يُباع بأقل من قيمته لأن صاحبه لا يريد تعب السوق. قال في نفسه: ربما أستطيع أن أكون وسيطًا أمينًا. لا أملك أرضًا، لكن أملك قدمين تمشيان، ولسانًا يسأل، ويدًا تكتب.
حين عاد إلى القرية في نهاية الأسبوع، كانت البيوت كما هي. الدكان كما هو. الرجال يجلسون في المكان نفسه. الأطفال يركضون خلف الماعز. لم يتغير العالم.
الذي تغير كان نظره.
دخل البيت فوجد أمه جالسة قرب التنور، تقلب الخبز بيدين نحيفتين. رفعت رأسها حين سمعت خطواته.
قالت:
“رجعت يا ولدي؟”
كان في صوتها فرح حاولت إخفاءه.
وقف سالم عند الباب لحظة. كان قد حضّر كلامًا كثيرًا في الطريق، لكنه حين رآها نسيه كله. اقترب وجلس بجانبها على الأرض.
قال:
“يمّه… سامحيني.”
توقفت يدها.
“على ماذا؟”
خفض رأسه.
“على صوتي العالي. على قلّة صبري. على كل مرة جعلتك تحملين همي بدل أن أكون سندك.”
نظرت إليه طويلًا. لم تعاتبه. لم تقل له إنها تعبت. لم تذكر الليالي التي بكت فيها بصمت. فقط وضعت يدها على رأسه كما كانت تفعل وهو صغير.
قالت:
“الله يصلح قلبك يا سالم. إذا صلح قلب الرجل، صلحت أيام كثيرة حوله.”
في تلك الليلة، جلس مع إخوته دون أن يصرخ. سأل أخاه عن دراسته، وسأل أخته عما تحتاجه. لم يكن حنونًا بطريقة مفاجئة مصطنعة، بل كان يحاول. وكانت المحاولة، لأول مرة، صادقة.
بعد أيام، بدأ يذهب إلى السوق في الصباحات التي لا يعمل فيها. يسأل عن الأسعار. يراقب كيف يبيع الناس. يتعلم الفرق بين الرمان الجيد والمتوسط، بين العنب الذي يصلح للنقل والعنب الذي يجب بيعه سريعًا. بدأ يصور بعض المنتجات بهاتفه، ويرسلها إلى معارفه في القرى القريبة. لم يربح كثيرًا. أحيانًا لم يربح شيئًا. لكن شيئًا في داخله كان يتحرك.
صار يدوّن كل مساء ثلاثة أشياء: ما تعلّمه، ما أخطأ فيه، وما سيجربه غدًا.
وكان كلما شعر بضيق، أو سمع أحدًا يمدح ابن فلان العائد من المدينة، عاد إلى السؤال الذي تركه صالح في صدره:
هل أنت في سباق واحد مع كل من تعرفهم؟
وكان الجواب يهدئه.
مرّت أسابيع، ثم أشهر. لم يصبح سالم غنيًا. لم يشتر سيارة. لم يلبس قميصًا لامعًا. لكنه صار أقل غضبًا، أكثر حضورًا، وأقرب إلى أهله. صار الناس يقولون إن وجهه ارتاح. وكان هو يبتسم حين يسمع ذلك، لأنه يعرف أن وجه الإنسان لا يرتاح إلا حين يكف قلبه عن عضّ نفسه.
لم يخبر أحدًا عن صالح. حاول مرة أن يذكر الأمر لأمه، ثم سكت. لم يكن يخاف أن تكذبه، لكنه شعر أن بعض الليالي لا تُروى كاملة. يكفي أن يظهر أثرها في صاحبها.
وفي إحدى الليالي، بعد عودته إلى المزرعة، جلس سالم قرب الفانوس نفسه. كانت النجوم تملأ السماء، والريح تمر بين الأشجار كما مرت في الليلة الأولى. نظر إلى الحجر الذي جلس عليه صالح، فوجده فارغًا.
قال بصوت خافت، لا يدري أهو يخاطب الليل أم نفسه:
“كنت أعرف الإجابة، أليس كذلك؟”
لم يأته صوت.
لكن الريح حرّكت أوراق الرمان، وسمع من بعيد أذانًا متأخرًا من قرية لا يراها. شعر سالم يومها أن الإنسان قد يمضي سنوات يبحث عن باب جديد، بينما باب نجاته مفتوح أمامه منذ البداية، لا يمنعه عنه إلا أنه كان ينظر في الاتجاه الخطأ.
