من قصص الزوار

حين صار التعب طريقاً | قصة أحمد الجزء الثاني

بقلم:احمد بدوي عابر

بعد تلك الليلة التي عدت فيها إلى الغرفة وفي يدي أول كتاب صغير، لم تتغير حياتي من الخارج كما يحدث في القصص التي يحب الناس سماعها. لم أستيقظ في الصباح لأجد باباً جديداً مفتوحاً، ولا مالاً تحت الوسادة، ولا رجلاً ينتظرني عند زاوية الشارع ليقول لي إن قدري تبدل.

استيقظت كما كنت أستيقظ دائماً.

على صوت المنبه القديم، وعلى ألم في كتفي، وعلى رائحة الغرفة الثقيلة، وعلى وجوه العمال النائمين حولي كأنهم سقطوا من شدة التعب لا من النعاس. غسلت وجهي في الحمام الضيق، ارتديت ملابسي المتسخة بغبار البارحة، وخرجت إلى الشارع قبل أن تكتمل صحوة المدينة.

لكن شيئاً صغيراً كان قد تغير في داخلي.

شيء لا يراه أحد.

كنت أمشي إلى الورشة وأنا أفكر في كلام الأستاذ نادر. كنت أردد جملته التي قالها لي في المقهى: الألم يخدع الإنسان إذا صدقه دون أن يسأله.

لم أفهمها تماماً في البداية. كنت أقول في نفسي: وما الذي يمكن أن أسأله للألم؟ أليس الألم واضحاً؟ أليس الجوع جوعاً، والتعب تعباً، والوحدة وحدة؟ لكنني مع مرور الأيام بدأت أفهم أن الأستاذ لم يكن يقصد إنكار الوجع، بل يقصد ألا أترك الوجع يفسرني كما يشاء.

كنت يتيماً، نعم.

وفقيراً، نعم.

وغريباً، نعم.

لكن هل يعني ذلك أنني انتهيت؟ هل يعني أن حياتي كلها ستبقى غرفة ضيقة وورشة بناء ومقعداً وحيداً في مقهى شعبي؟ لم أكن أعرف الجواب، لكن السؤال نفسه كان جديداً علي. كان السؤال مثل ثقب صغير في جدار سميك، يدخل منه ضوء لا يكفي لتبديد الظلام، لكنه يكفي ليقول إن الظلام ليس كل شيء.

صارت جلساتي مع الأستاذ نادر موعداً أتمسك به. كنت أعمل طوال النهار، أحمل الإسمنت والطوب، أصعد السلالم، أسمع صراخ المعلم في الورشة، وأعد الساعات الباقية حتى المساء. لم أكن أذهب إلى المقهى كل يوم، فالجسد له حد، والفقر له حساباته، لكنني كنت أذهب كلما استطعت.

كان الأستاذ يجلس في مكانه المعتاد، قرب الحائط، أمامه كوب شاي لا يضع فيه سكراً، وكتاب أو دفتر صغير. لم يكن ينتظرني بطريقة ظاهرة، لكنه كان يرفع عينيه كلما دخلت، فيبتسم كأنه يقول: تأخرت قليلاً يا أحمد.

في البداية كنت أخجل من جهلي. كانت الكلمات التي يستخدمها غريبة علي. الوعي، الإرادة، المعنى، المصير، الحرية، الاختيار. كلمات كبيرة، نظيفة، كأنها لا تنتمي إلى يدي المتشققتين. لكن الأستاذ كان يردها إلى الأرض دائماً.

كان يقول: لا تخف من الكلمات. الكلمة التي لا تنزل إلى حياة الناس تصبح زينة فارغة.

ثم يشرح لي الحرية من خلال عامل يختار أن يتعلم بعد العمل، ويشرح لي الإرادة من خلال امرأة فقيرة تربي أبناءها دون أن تنكسر، ويشرح لي المعنى من خلال رجل مسن يزرع شجرة وهو يعرف أنه ربما لن يأكل من ثمرها.

هكذا كنت أفهم.

لم أكن أفهم الفلسفة من أفلاطون وابن رشد كما ينبغي، بل أفهمها من وجه خالي المتعب، ومن يد خالتي وهي تخبز، ومن الغرفة الفارغة، ومن العمال الذين يضحكون في النهار ثم يخفون خوفهم في الليل.

وذات مساء سألني الأستاذ نادر سؤالاً لم أكن مستعداً له.

كنا جالسين في المقهى، والضجيج حولنا كعادته. كان رجلان يتجادلان بصوت عال حول مباراة كرة، وصاحب المقهى يصرخ في صبي صغير ليحمل الطلبات بسرعة. أما الأستاذ فكان يقلب فنجان الشاي بين أصابعه وينظر إلي كأنه كان يفكر في أمري منذ مدة.

قال: يا أحمد، ماذا تريد أن تفعل بحياتك؟

ضحكت، لا لأن السؤال مضحك، بل لأنني شعرت أنه أكبر مني.

قلت: أريد أن أعيش.

قال: هذا جواب كل خائف.

سكت.

قال: لا ألومك. حين يكون الإنسان مضغوطاً، يصبح أقصى حلمه أن ينجو من اليوم. لكن النجاة وحدها لا تصنع حياة.

قلت: وماذا أفعل؟ أنت تعرف حالي. لا جامعة، لا مال، لا سند. أعمل في البناء، وهذا ما أقدر عليه.

قال بهدوء: البناء عمل شريف، لكنه يستهلك جسدك بسرعة. وإذا لم تتعلم شيئاً آخر، سيأتي يوم لا تقوى فيه على حمل الحجر، وعندها لن يرحمك الحجر ولا صاحبه.

كانت الجملة قاسية، لكنها صادقة.

نظرت إلى يدي. كانت التشققات فيها واضحة رغم أنني غسلتها أكثر من مرة. أظافري خشنة، وراحة يدي كأنها جلد رجل أكبر مني بعشرين سنة.

قلت: وما الشيء الذي يمكن أن أتعلمه؟

لم يجب بسرعة. ظل صامتاً قليلاً ثم قال: أنت تحتاج مهارة تجعلك تفهم السوق. لا أريد لك مهارة تحفظك في زاوية صغيرة فقط. أريد شيئاً يفتح لك أكثر من باب.

قلت: مثل ماذا؟

قال: المحاسبة التجارية والتسويق.

توقعت كلمة أخرى. صيانة هواتف، نجارة، كهرباء، أي شيء يشبه ما يفعله الشباب حولي. أما المحاسبة والتسويق فبدتا لي بعيدتين جداً، كأنهما تخصان رجال المكاتب الذين يرتدون قمصاناً نظيفة ويحملون حقائب جلدية.

قلت: أنا؟ محاسبة وتسويق؟

ابتسم الأستاذ وقال: ولم لا؟

قلت: لا أعرف شيئاً في هذه الأمور.

قال: لهذا تتعلم.

قلت: المحاسبة تحتاج جامعة.

قال: المحاسبة الكبيرة نعم. أما محاسبة السوق فتحتاج عقلاً منتبهاً، ويداً تكتب، وصبراً على الأرقام. الفاتورة، التكلفة، الربح، الخسارة، المخزون، سعر الشراء، سعر البيع. هذه الأشياء لا تحتاج أن تكون عبقرياً، لكنها تحتاج أن تكون دقيقاً. وأنت يا أحمد دقيق دون أن تنتبه.

استغربت.

قال: أراقبك منذ مدة. حين تحكي عن الورشة تذكر الأجر، عدد الأيام، تكاليف الغرفة، كم ترسل، كم يبقى معك. أنت تحسب حياتك طوال الوقت لأن الفقر علمك الحساب.

لم أعرف هل أفرح أم أحزن. كان كلامه صحيحاً. الفقير يحسب كل شيء. يحسب ثمن الخبز، وثمن الطريق، وعدد الأيام قبل الراتب، وحجم الدين، وكم وجبة يمكن أن يؤجل دون أن يسقط. الفقر يجعل الإنسان محاسباً رغماً عنه، لكن محاسباً لخساراته فقط.

قال الأستاذ: أما التسويق، فهو أن تفهم الناس والمنتجات. لماذا يشتري الإنسان شيئاً؟ لماذا يثق بتاجر ولا يثق بآخر؟ كيف تعرض ما عندك دون أن تكذب؟ كيف تقول قيمة الشيء للناس بلغة يفهمونها؟

قلت: وهل هذا يكفي لأخرج من حالي؟

قال: لا شيء يكفي وحده. لكنه حبل. والإنسان الغارق لا يسأل الحبل: هل ستجعلني ملكاً؟ يمسك به أولاً.

ظللت تلك الليلة أفكر في الحبل.

عدت إلى الغرفة، وكان الشباب يتحدثون ويضحكون. جلس أحدهم يصلح حذاءه، وآخر يأكل من علبة فول باردة، وثالث يغني بصوت مبحوح. سألتهم عن المحاسبة والتسويق. ضحك بعضهم، وسألني واحد منهم: هل ستصبح مدير شركة يا أحمد؟

ضحكوا جميعاً.

ضحكت معهم كي لا أبدو حساساً، لكن ضحكهم جرحني قليلاً. ليس لأنهم سيئون، بل لأن الإنسان حين يحاول أن يرفع رأسه أول مرة يخاف من كل ضحكة حوله. كنت أنا أيضاً لو سمعت عاملاً آخر يقول ما قلته ربما ضحكت. نحن الفقراء أحياناً نسخر من أحلام بعضنا قبل أن يسخر منها الغرباء، لا لأننا نكره بعضنا، بل لأن الحلم يخيفنا.

في اليوم التالي ذهبت إلى الأستاذ نادر وقلت له: أين أتعلم؟

أخرج ورقة صغيرة من جيبه كأنه كان ينتظر السؤال. كتب عليها اسم مركز تدريب في شارع بعيد نسبياً، ثم قال: عندهم دورة ثلاثة أشهر. محاسبة عملية، استخدام الكمبيوتر، جداول، مبادئ تسويق، وتعامل مع العملاء. ليست جامعة، لكنها بداية محترمة.

سألته عن السعر.

قاله بهدوء.

شعرت أن الرقم وقع على صدري.

كان المبلغ كبيراً بالنسبة لي. ليس ثروة، لكنه كل ما كنت أملك تقريباً، وأكثر. حسبت في رأسي بسرعة. الإيجار، الطعام، المواصلات، بعض المال الذي أرسله لخالتي أحياناً، دين صغير لصاحب البقالة، وأجر الأسبوع الذي لم أستلمه بعد.

قلت: هذا مستحيل.

قال الأستاذ: لا تقل مستحيل بسرعة. قل صعب.

قلت: صعب جداً.

قال: الآن صار الكلام أدق.

لم يعرض علي المال. وربما لو عرضه لرفضت. كان يعرف أنني لا أحتاج شفقة جديدة، بل أحتاج أن أشعر أنني دخلت الباب بقدمي. قال فقط: اذهب واسأل. أحياناً عندما يرى الناس صدقك يعطونك فرصة.

ذهبت إلى المركز بعد يومين.

كان في الطابق الثاني من مبنى قديم فوق محل ملابس. لوحة صغيرة على الباب، ومكتب استقبال ضيق، وصور طلاب مبتسمين على الجدار. شعرت أنني غريب عن المكان. ملابسي كانت نظيفة بقدر ما استطعت، لكن آثار العمل لا تختفي بسهولة. الحذاء يفضح صاحبه أحياناً أكثر مما يفعل وجهه.

شرحت للموظف أنني أريد التسجيل، لكنني لا أستطيع دفع المبلغ كاملاً. نظر إلي بتعب رجل سمع هذه الجملة كثيراً، ثم قال إن بإمكاني دفع نصف المبلغ الآن والباقي على دفعات.

خرجت من المركز وأنا أحمل ورقة التسجيل كأنها حكم محكمة.

نصف المبلغ الآن.

حتى النصف لم يكن سهلاً.

في تلك الأيام فعلت أشياء لم أكن أحبها. طلبت من أحد العمال أن يقرضني مبلغاً صغيراً. استدنت من صاحب البقالة أكثر. بعت هاتفاً قديماً كنت أحتفظ به للضرورة. أوقفت كل مصروف لا علاقة له بالبقاء. صرت آكل أقل، وأمشي مسافات أطول لتوفير أجرة المواصلات. وفي النهاية جمعت المبلغ.

عندما دفعت أول قسط، شعرت بخوف شديد.

الغريب أنني لم أشعر بالفخر، بل بالخوف. المال كان في يدي، ثم خرج منها. وإذا فشلت، فلن أعود فقط إلى الصفر، بل سأعود مديناً. وهذا ما يجعل قرارات الفقراء مرعبة. الغني يجرب فيخسر تجربة. الفقير يجرب فيخسر طعامه ونومه وكرامته أحياناً.

بدأت الدورة في مساء يوم ثلاثاء.

دخلت القاعة فوجدت عشرة أشخاص تقريباً. بعضهم أصغر مني، وبعضهم في عمري، ورجلان أكبر سناً. في الأمام سبورة بيضاء، وعلى الطاولات أجهزة كمبيوتر قديمة. جلست في المقعد الأخير. كنت أخشى أن يسألني المدرب شيئاً فأعجز عن الإجابة.

دخل المدرب، رجل متوسط العمر اسمه سامر. لم يكن شديداً ولا ليناً. بدأ كلامه بجملة بسيطة: المحاسبة ليست أرقاماً فقط، المحاسبة ذاكرة المال. من لا يكتب ماله ينساه، ومن ينساه يضيعه.

أحببت الجملة.

في الحصة الأولى شرح لنا معنى الإيراد والمصروف والربح والخسارة. أشياء تبدو سهلة عندما تسمعها، لكنها تصبح مختلفة عندما تراها على الورق. قال إن كثيراً من الناس يبيعون ويشترون وهم لا يعرفون هل يربحون فعلاً أم يدورون في حلقة. يفرح أحدهم لأن المال يدخل إلى جيبه، ولا ينتبه أن المال يخرج من باب آخر أسرع.

كنت أسمع كأن الكلام موجه لي، رغم أنني لم أملك تجارة في حياتي.

في الأسبوع الأول تعلمنا تسجيل العمليات اليومية. في الأسبوع الثاني بدأنا الفواتير. في الثالث دخلنا إلى الجداول. كان الكمبيوتر عدوي في البداية. أعرف استخدام الهاتف، نعم، لكن الجداول والخانات والمعادلات شيء آخر. كنت أخاف أن أضغط زراً فيختفي كل شيء. كان بعض الطلاب ينجزون التمارين بسرعة، وأنا أتأخر.

أعود إلى الغرفة بعد الدرس، وقدماي تؤلمانني من العمل والمشي، فأفتح دفتري وأعيد كتابة ما تعلمت. لم يكن عندي حاسوب في البداية. كنت أتدرب على الورق، أرسم الجداول بيدي، وأكتب الأعمدة: التاريخ، البيان، الوارد، الصادر، الرصيد. كنت أحفظ شكل الشاشة في ذاكرتي وأحاول تقليده على الدفتر.

بعد أسبوعين، قال لي الأستاذ نادر إن التدريب دون حاسوب سيؤخرني. قلت له إنني لا أملك ثمنه. قال: لا تحتاج جديداً. ابحث عن مستعمل يمشي الحال.

مستعمل يمشي الحال.

هذه الجملة أيضاً كلفتني ديناً جديداً.

اشتريت حاسوباً قديماً من شاب كان يريد بيعه. كان بطيئاً، بطاريته لا تصمد، وبعض أزراره تحتاج ضغطاً قوياً. لكنه بالنسبة لي كان كنزاً. حملته إلى الغرفة بحذر كأنني أحمل طفلاً. عندما فتحته أول مرة ورأيت الضوء يخرج من الشاشة، شعرت أنني اشتريت نافذة، لا جهازاً.

صار يومي مقسوماً بطريقة لا ترحم.

أستيقظ قبل الفجر، أذهب إلى الورشة، أعمل حتى العصر أو المغرب، أعود أغسل وجهي وأبدل ملابسي بسرعة، أذهب إلى المركز، أعود ليلاً، آكل أي شيء، ثم أجلس أمام الحاسوب حتى يغلبني النوم. أحياناً أنام ورأسي قرب لوحة المفاتيح. أحياناً أستيقظ لأجد يدي على الدفتر والقلم وقع على الأرض.

كان جسدي يطلب الرحمة.

لكن شيئاً في داخلي كان يرفض التوقف.

ربما لأنني لأول مرة منذ زمن شعرت أن تعبي يذهب إلى مكان ما. تعب البناء كان يعطيني أجراً، لكنه لا يغيرني كثيراً. أما هذا التعب فكان يحفر في داخلي طريقاً جديداً. كنت أشعر أن كل رقم أفهمه، وكل معادلة أتعلمها، وكل كلمة تسويقية أدرك معناها، ترفعني خطوة صغيرة من البئر.

ومع ذلك لم يكن الأمر جميلاً كما قد يبدو لمن يسمعه بعد سنوات.

كانت هناك أيام كرهت فيها كل شيء.

يوم تأخر راتبي في الورشة، وصاحب القسط اتصل بي مرتين، وصاحب البقالة قال لي بلهجة محرجة إنه لا يستطيع أن يزيد الدين. يومها خرجت من الغرفة ومشيت طويلاً بلا وجهة. كنت أفكر أن أترك الدورة، أعود إلى العمل فقط، أسدد ديوني، وأنسى هذه الأحلام الثقيلة.

ذهبت إلى المقهى ولم أجد الأستاذ نادر في البداية. جلست وحدي، أراقب الشاي يبرد أمامي. بعد نصف ساعة دخل. نظر إلى وجهي، وفهم دون أن أسرد كثيراً.

قال: تريد أن تترك؟

قلت: لا أعرف.

قال: هذه مرحلة طبيعية.

غضبت قليلاً. قلت: كل شيء عندك طبيعي يا أستاذ. الدين طبيعي، الجوع طبيعي، التعب طبيعي. لكنني أنا من سيدفع، لا الفلسفة.

لم يغضب. وضع كتابه على الطاولة وقال: صحيح. أنت من سيدفع. لذلك أنت وحدك من يقرر. أنا لا أملك حق دفعك إلى طريق لا أتحمل نتائجه.

سكت قليلاً ثم قال: لكن لا تتخذ قرار الانسحاب وأنت منهك. التعب محام سيئ، يدافع دائماً عن الهروب.

قلت: وماذا أفعل؟

قال: نم الليلة. غداً احسب ما عليك وما لك. إذا وجدت أن الانسحاب قرار عقل، انسحب. أما إذا وجدته قرار خوف، فابق.

كانت طريقته تزعجني أحياناً. لا يعطيني الجواب الذي أريده. لا يقول لي: أكمل وستنجح. لا يكذب علي بجملة دافئة. كان يعيدني دائماً إلى نفسي، وكأنني أنا المسؤول عن حملي حتى وأنا أتمنى لو يحمله أحد عني.

في اليوم التالي جلست وكتبت كل شيء. الدين، القسط، الأجر، المصروف. وجدت أن الأمر صعب، لكنه ليس مستحيلاً. سأحتاج أن أعيش ثلاثة أشهر كأنني أتنفس بالحد الأدنى، لكنني أستطيع. عندها عرفت أنني لم أكن أريد ترك الدورة لأنها مستحيلة، بل لأنها أخافتني.

فبقيت.

بعد الشهر الأول بدأ شيء يتضح. لم أعد أخاف الجداول كما كنت. صرت أفهم كيف تتحرك الأرقام. إذا اشترى التاجر مئة قطعة بسعر معين، وأضاف تكلفة النقل، ثم باع بسعر آخر، فأين الربح الحقيقي؟ وإذا بقيت عشر قطع في المخزون، هل نحسبها مالاً نائماً أم خسارة مؤجلة؟ وإذا دفع الزبون نصف المبلغ وبقي النصف، كيف نسجل ذلك دون أن نضحك على أنفسنا؟

كانت الأسئلة تشبه لعبة، لكنها لعبة جادة.

وفي الشهر الثاني دخلنا إلى التسويق.

كنت أظن التسويق يعني أن تمدح المنتج بصوت عال. لكن المدرب قال لنا: التسويق ليس صراخاً. التسويق فهم. يجب أن تعرف من تبيع له قبل أن تتكلم. من العميل؟ ماذا يخاف؟ ماذا يريد؟ ما الذي يجعله يثق؟ ما الذي يجعله يرفض؟ المنتج لا يمشي وحده، أنت تمشي معه بالكلمة والصورة والسعر والصدق.

هذه الدروس فتحت عيني على أشياء كثيرة.

بدأت أنظر إلى المحلات في الشارع بطريقة مختلفة. لماذا هذا المحل مزدحم وذاك فارغ؟ لماذا نثق في بائع معين رغم أن سعره أعلى؟ لماذا يضع صاحب محل العسل عبواته بطريقة تجعلها تلمع تحت الضوء؟ لماذا يكتب أحدهم “طبيعي” بخط كبير؟ ولماذا لا أصدق كل من يكتبها؟

كنت أسأل الأستاذ نادر عن كل شيء.

قال لي مرة: أنت بدأت ترى السوق ككتاب. هذا جيد.

قلت: لكنه كتاب مليء بالخداع.

قال: نعم، لذلك يحتاج إلى من يقرأه جيداً. التسويق بلا أخلاق يصبح تلاعباً، والمحاسبة بلا أمانة تصبح سرقة أنيقة. لا تتعلم لتصبح أذكى من الناس في خداعهم، تعلم لتعرف كيف تكسب دون أن تفقد وجهك أمام نفسك.

حفظت هذه الجملة.

لأن الفقر قد يدفع الإنسان أحياناً إلى تبرير أشياء كثيرة. يقول لنفسه إن الحياة قاسية، وإن الناس كلهم يفعلون ذلك، وإن الصدق لا يطعم خبزاً. لكنني كنت أخاف أن أخرج من فقري بجسد أنظف وجيب أثقل وقلب أوسخ. لم أكن ملاكاً، ولا أدعي ذلك، لكن في داخلي بقي شيء من بيت خالتي. شيء من عدل خالي حين كان يوزع الحلوى بيننا. لم أكن أريد أن أخونه.

في نهاية الشهر الثاني طلب منا المدرب مشروعاً صغيراً. قال: اختاروا منتجاً، احسبوا تكلفته، ضعوا له سعراً، ثم اكتبوا طريقة تسويقه.

اختار بعض الطلاب منتجات سهلة. ملابس، عطور، إكسسوارات. أما أنا فاختارت ذاكرتي قبلي. تذكرت القرية، والأشياء التي كان الناس يصنعونها ببساطة ولا يعرفون قيمتها خارج حدودهم. تذكرت العسل، والزيت، والتين المجفف، وبعض المنتجات الغذائية التي كان الرجال يبيعونها بثمن قليل للتجار.

اخترت منتجاً غذائياً محلياً، وبدأت أبني عليه المشروع. حسبت تكلفة الشراء، العبوة، النقل، هامش الربح، سعر الجملة، وسعر التجزئة. ثم كتبت وصفاً بسيطاً له، ليس فيه مبالغة، لكنه يبرز أنه منتج طبيعي من قرى جبلية، يصلح للتجار الذين يبحثون عن منتج أصيل.

عندما عرضت المشروع في القاعة، كنت مرتبكاً.

تحدثت ببطء. شرحت الأرقام. ثم شرحت الفكرة التسويقية. قلت إن الناس لا تشتري الطعام فقط، بل تشتري الثقة والقصة والمصدر. إذا عرف العميل أن المنتج جاء من مكان حقيقي، ومن أيد حقيقية، وأن وراءه وجهاً لا مصنعاً مجهولاً، فإنه يشعر بقيمته أكثر.

انتهيت، وتوقعت ملاحظات كثيرة.

لكن المدرب سامر ظل ينظر إلى الورقة، ثم قال: من أين تعلمت هذه الطريقة في التفكير؟

قلت: لا أعرف. ربما من الحياة.

ابتسم وقال: الحياة علمتك جيداً إذن.

في تلك اللحظة شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن.

لم يكن فخراً كاملاً، بل رجفة صغيرة. كأن أحداً أشار إلى مكان داخلي كنت أظنه فارغاً وقال: هنا يوجد شيء.

بعد الدرس، قال لي المدرب: يا أحمد، لديك عين جيدة. لا تكتف بالحفظ. طور نفسك في الحساب والتسويق معاً. السوق يحتاج إلى من يفهم الرقم والكلمة.

خرجت من المركز تلك الليلة وأنا أكاد أطير، رغم أن حذائي كان مثقوباً من الأسفل.

ذهبت إلى المقهى وأخبرت الأستاذ نادر بما حدث. استمع وهو يبتسم، ثم قال: أرأيت؟ لم تكن حجراً.

قلت: لا تكبر الموضوع يا أستاذ. مجرد مشروع في دورة.

قال: البذرة أيضاً مجرد شيء صغير، حتى تجد أرضاً تصدقها.

لم أعرف ماذا أقول. أحياناً كنت أكره تشبيهاته لأنها تجعل الأشياء البسيطة تبدو كبيرة. لكنني في داخلي كنت أحتاج ذلك. الإنسان المتعب يحتاج أحياناً إلى من يقنعه أن خطوته الصغيرة ليست تافهة.

اقتربت نهاية الأشهر الثلاثة.

كانت ديوني قد زادت، وجسدي نقص، ووجهي صار أكثر نحولاً. لكنني لم أكن الشخص نفسه. صرت أفتح الحاسوب دون خوف. أكتب الجداول، أحسب الربح، أصمم عرضاً بسيطاً، أقرأ عن المنتجات والأسواق. صرت أحتفظ بدفتر صغير أكتب فيه أفكاراً تمر في رأسي. مرة أرى عبوة جميلة فأكتب ملاحظة. مرة أسمع تاجراً يتحدث عن زبائنه فأكتب طريقة كلامه. مرة أقف أمام محل وأراقب كيف يرتب صاحبه البضاعة.

كان العالم نفسه يتحول إلى درس.

في آخر يوم من الدورة، استلمت شهادة صغيرة. ورقة عادية، مطبوعة على ورق مقوى، عليها اسمي وختم المركز. لو رآها رجل غني ربما لم يلتفت إليها. أما أنا فحملتها كأنها وثيقة خروج من سجن لا يرى.

عدت إلى الغرفة، ووضعتها في الحقيبة بين ملابسي. لم أعلقها على الجدار، لأنني كنت أخاف أن يسخر الشباب، لكنني أخرجتها في الليل ونظرت إليها طويلاً.

أحمد.

الاسم نفسه الذي كان يكتب على دفاتر المدرسة.

الاسم نفسه الذي ناداه خالي في الحقول.

الاسم نفسه الذي حمل الطوب، وجلس وحيداً في الغرفة، وخاف من الديون.

لكن الاسم صار بجانبه شيء جديد.

مهارة صغيرة.

حبل.

في اليوم التالي ذهبت إلى الأستاذ نادر. كنت أظن أنه سيبارك لي فقط، لكنه كان قد رتب شيئاً دون أن يخبرني.

قال: هناك تاجر أعرفه معرفة قديمة. لديه شركة صغيرة تعمل في تجارة المنتجات الغذائية وتوريدها. ليس رجلاً سهلاً، لكنه ليس سيئاً. يحتاج إلى متدرب يساعد في الفواتير، ترتيب المخزون، ومراسلة بعض العملاء. الراتب قليل. أقل من راتبك في البناء تقريباً إلى النصف.

نظرت إليه بدهشة.

نصف الراتب؟

كان قلبي يريد أن يفرح، لكن عقلي بدأ يحسب فوراً. كيف أدفع الإيجار؟ كيف أسدد الدين؟ كيف آكل؟ نصف راتب يعني حياة أضيق من الضيق. يعني أنني سأترك عملاً متعباً لكنه يدفع أكثر، لأدخل عملاً نظيفاً لكنه لا يرحم جيبي.

قلت: لا أستطيع.

قال الأستاذ: تستطيع، لكنك ستتألم.

قلت: هذا ليس جواباً مشجعاً.

قال: لا أريد تشجيعك. أريد أن أكون صادقاً. هذه الوظيفة ليست راحة. هي باب. والباب أحياناً يكون ضيقاً في البداية.

قلت: وماذا لو فشلت؟

قال: ستتعلم. وربما تعود إلى البناء. لكن إن بقيت في البناء خوفاً من الفشل، فأنت فشلت قبل أن تجرب.

قضيت يومين في صراع.

العمال في الغرفة قالوا إنني مجنون. أحدهم قال: تترك راتباً كاملاً لتأخذ نصفه وتجلس بين الورق؟ آخر قال: هؤلاء سيستغلونك، وبعد شهر يرمونك. ثالث قال بحسن نية: اصبر في البناء، اجمع مالاً، ثم فكر.

كان كلامهم منطقياً.

لكن المنطق أحياناً يحميك من الخسارة ويحرمك من الحياة.

اتصلت بخالتي تلك الليلة. لم أرد أن أخبرها بكل شيء كي لا تقلق، لكن صوتها جعلني أضعف. سألتني: كيف حالك يا أحمد؟ قلت: بخير. قالت: صوتك متعب. قلت: فقط العمل. ثم سكت قليلاً وقلت: لو أن أمام الإنسان فرصة لكنها صعبة، ماذا يفعل؟

قالت ببساطة النساء اللواتي فهمن الحياة دون كتب: إذا كانت حلالاً وتفتح لك باباً، جرب يا ولدي. التعب موجود في كل الطرق. اختر التعب الذي يوصلك.

بعد المكالمة بقيت صامتاً طويلاً.

اختر التعب الذي يوصلك.

كانت جملة خالتي تشبه خلاصة كل فلسفة الأستاذ نادر، لكنها خرجت من قلب امرأة لم تدخل جامعة، ولم تقرأ سقراط، ولم تعرف معنى النظريات. في تلك اللحظة فهمت أن الحكمة لا تحتاج دائماً إلى كتب. أحياناً تخبز الخبز، وتغسل الثياب، وتقول جملة واحدة تنقذ رجلاً من خوفه.

ذهبت إلى الشركة بعد يومين.

كانت في شارع تجاري مزدحم، فوق مستودع صغير. على الباب لوحة متواضعة. دخلت فوجدت مكتباً ضيقاً، رائحة ورق وقهوة وبضائع مختلطة. خلف المكتب رجل في الأربعينات اسمه أبو حازم. كان عريض الوجه، سريع النظرات، يتحدث كأنه يحسب الوقت بالكلمات.

سألني عن اسمي، دراستي، الدورة التي أخذتها، وعملي السابق. حين قلت إنني كنت عامل بناء، رفع حاجبيه قليلاً ثم قال: والعمل هنا ليس أقل تعباً، لكنه نوع آخر من التعب.

قلت: أعرف.

قال: لا أظن أنك تعرف، لكنك ستعرف.

فتح درج المكتب وأخرج مجموعة فواتير. وضعها أمامي وقال: رتب هذه حسب التاريخ، ثم أدخلها في الجدول. لا أريد فلسفة، أريد دقة.

كاد قلبي يضحك عندما قال لا أريد فلسفة. لو علم كم قادتني الفلسفة إلى هذا الكرسي لما قالها بهذه السهولة.

جلست أمام الحاسوب. كان أفضل من حاسوبي القديم، لكنه أخافني أكثر لأنه حاسوب العمل. بدأت أمسك الفواتير واحدة واحدة. التاريخ، اسم العميل، المبلغ، المدفوع، الباقي. في البداية ارتبكت، ثم تذكرت صوت المدرب سامر: المحاسبة ذاكرة المال. لا تدع الذاكرة تختلط.

اشتغلت بصمت.

بعد ساعة، وقف أبو حازم خلفي ونظر إلى الجدول. لم يمدحني. فقط قال: ليس سيئاً. أكمل.

بالنسبة لي كانت جملة عظيمة.

في نهاية اليوم قال لي: الراتب كما أخبرك الأستاذ نادر. نصف راتب تقريباً. الشهر الأول تجربة. إذا كنت تريد المال السريع، ارجع إلى البناء. إذا كنت تريد أن تتعلم، ابق هنا وافتح عينيك.

خرجت من الشركة قبل الغروب.

كان الشارع مزدحماً، والناس يمشون في كل اتجاه. وقفت على الرصيف، وفي داخلي خليط غريب من الفرح والخوف. لم أكن قد نجحت. لم أكن قد صرت شيئاً مهماً. راتبي أقل، وديني ما زال فوق كتفي، وغرفتي ما زالت ضيقة، وحاسوبي القديم ينتظرني، وجسدي لم ينس تعب السنوات.

لكنني شعرت أنني أمسكت بطرف الحبل.

ليس الحبل كله.

طرفه فقط.

مشيت إلى المقهى لأخبر الأستاذ نادر. وجدته في مكانه، يقرأ كعادته. رفع عينيه حين رآني، وقبل أن أتكلم قال: قبلت؟

جلست أمامه، وقلت: قبلت.

ابتسم ابتسامة هادئة، ثم أغلق كتابه.

قال: الآن يبدأ الدرس الأصعب.

قلت: ظننت أن الصعب انتهى.

قال: لا يا أحمد. التعلم كان تجهيزاً. أما الآن فستختبرك الحياة: هل تصبر على نصف راتب من أجل مستقبل كامل؟ هل تتحمل أن تبدو أقل أمام الناس وأنت تبني شيئاً لا يرونه؟ هل تقبل أن تبدأ صغيراً جداً دون أن تحتقر بدايتك؟

لم أجب.

كنت أعرف أن الأيام القادمة لن تكون سهلة. وربما كنت أعرف أيضاً أنني سأضعف، وأغضب، وأندم أحياناً. لكنني لم أشعر هذه المرة أنني ضائع كما كنت سابقاً. كان أمامي طريق، حتى لو كان ضيقاً وطويلاً.

في تلك الليلة عدت إلى الغرفة، وكان العمال يتناولون العشاء. سألوني ماذا حدث. قلت: بدأت عملاً جديداً. قال أحدهم ساخراً: المدير أحمد وصل. ضحكوا، وضحكت معهم. لم يغضبني الأمر هذه المرة. ربما لأنني لم أعد بحاجة إلى أن يصدقوا طريقي كي أمشي فيه.

جلست على فراشي بعد أن ناموا. أخرجت شهادة الدورة من الحقيبة، ونظرت إليها مرة أخرى. ثم أخرجت دفتري الصغير وكتبت في الصفحة الأولى:

لا تنس أنك لم تخرج من البناء كرهاً للحجر، بل بحثاً عن باب.

أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء، واستلقيت على ظهري.

في الخارج كانت المدينة تضج كعادتها. سيارات، أصوات بعيدة، حياة لا تهدأ. وفي الداخل كان قلبي خائفاً، نعم، لكنه لم يكن ميتاً. كان يخاف كما يخاف من يقف عند بداية طريق، لا كما يخاف من حائط مغلق.

وفي تلك الليلة، قبل أن أنام، تذكرت خالي وهو يقول لي قديماً في أول يوم مدرسة: ادخل يا أحمد، الرجل لا يخاف من المدرسة.

ابتسمت في الظلام.

وغداً، سأدخل مدرسة أخرى.

مدرسة لا سبورة فيها ولا مقاعد خشبية، بل فواتير، وعملاء، ومستودعات، وراتب ناقص، وعيون تراقب، وأخطاء ستكلفني، وفرص صغيرة تحتاج إلى رجل لا يهرب من صغره.

كنت ما زلت يتيماً وفقيراً وغريباً.

لكنني لم أعد مقطوعاً تماماً.

كان لي حبل.

وكان علي أن أتعلم كيف أصعد.

بدأت أيام الشركة ببطء ثقيل، كأن كل يوم منها يريد أن يختبر صبري قبل أن يسمح لي بالمرور إلى اليوم الذي بعده.

كنت أصل قبل الجميع تقريباً. ليس لأنني أحب الاستيقاظ مبكراً أكثر من غيري، بل لأنني كنت أخاف أن أعطيهم سبباً واحداً ليقولوا إن عامل البناء لا يصلح للمكاتب. كنت أرتدي القميص نفسه يومين أحياناً، وأغسله في الليل بيدي، ثم أعلقه قرب النافذة الضيقة لعل الهواء يجففه قبل الصباح. لم تكن ملابسي كثيرة، ولم يكن راتبي الجديد يسمح لي بأن أبدو كما ينبغي لشخص يعمل بين فواتير وعملاء، لكنني كنت أحاول أن أكون نظيفاً ومرتباً بقدر ما تسمح به الحياة.

أبو حازم لم يكن رجلاً سهلاً.

كان سريع الغضب، سريع الملاحظة، لا يمدح إلا نادراً، وإذا مدح فعل ذلك بكلمة قصيرة لا تكفي لتدفئة صدر إنسان متعب. لكنه كان تاجراً حقيقياً. يعرف من حركة يد الزبون إن كان سيشتري أو يناور، ويعرف من نبرة المورد إن كانت البضاعة ستتأخر، ويعرف من ورقة الحساب إن كان هناك خطأ مخفي خلف رقم صغير.

في الأيام الأولى وضعني عند الفواتير القديمة.

قال لي: لا أريد منك أن تبدع. أريدك أن لا تخرب.

كانت الجملة جافة، لكنها كانت عادلة. بدأت أرتب الفواتير حسب التاريخ، ثم حسب العملاء، ثم حسب نوع البضاعة. كنت أكتب الأرقام ببطء، وأراجعها مرتين وثلاثاً. أخطأت في أول أسبوع خطأً جعل الرصيد يظهر ناقصاً بمبلغ كبير. عندما رآه أبو حازم، ضرب الطاولة بيده وقال: الرقم ليس حجراً يا أحمد، إذا وضعته في غير مكانه وقع على رأسنا جميعاً.

احمر وجهي. شعرت كأن كل ماضيّ وقف خلفي يضحك. العامل الذي حاول أن يدخل عالم الحساب سقط من أول درجة.

بقيت بعد انتهاء الدوام ساعة كاملة أفتش عن الخطأ حتى وجدته. خانة واحدة كتبت فيها رقماً ناقصاً. خانة صغيرة جعلت الحساب كله مضطرباً. في تلك الليلة فهمت درساً لم يكن في الدورة: بعض الأخطاء لا تكون كبيرة في شكلها، لكنها كبيرة في أثرها.

عدت إلى الغرفة متأخراً. كان الشباب قد أكلوا ونام بعضهم. جلست قرب الحاسوب القديم وفتحت الجداول مرة أخرى. لم يكن لدي عمل مطلوب في تلك اللحظة، لكنني بدأت أصنع أمثلة لنفسي. فاتورة وهمية، مخزون وهمي، عميل يدفع نصف المبلغ، بضاعة تعود تالفة، مصروف نقل، خصم، رصيد. كنت أكرر حتى يثبت الأمر في رأسي. أحياناً كنت أسمع ضحكة أحد العمال وهو يقول: نام يا مدير، الشركة لن تطير.

كنت أضحك معه، ثم أعود إلى الشاشة.

لم أكن مديراً. كنت متدرباً بنصف راتب، مديناً، وأخاف أن أطرد في أي يوم. لكنني كنت أشعر أن هذه الخانات الصغيرة ليست مجرد عمل. كانت سلماً. وكلما فهمت خانة شعرت أن قدمي صعدت شيئاً لا يراه أحد.

بعد أسبوعين، سلمني أبو حازم دفتر المخزون.

كان المستودع في الطابق الأرضي، مليئاً بالكرتون والعلب والروائح المختلطة. منتجات غذائية مختلفة، بعضها محلي وبعضها مستورد. علب مربى، زيت، طحينة، مخللات، بهارات، بسكويت، وأشياء كثيرة لم أكن أنتبه إليها سابقاً إلا كطعام على رفوف المحلات.

قال لي أبو حازم: هنا تعرف إن كانت الشركة تكسب أو تغرق. المكتب جميل، لكن الحقيقة في المستودع.

نزلت معه إلى الأسفل. كان العامل المسؤول عن المستودع رجلاً اسمه فؤاد، عريض الكتفين، دائم التعرق، يضع قلماً خلف أذنه وينسى أين وضعه كل عشر دقائق. لم يحبني في البداية. ظن أنني جئت لأراقبه أو أتصيد أخطاءه. كان ينظر إلي وأنا أعد الصناديق كأنني أعد أنفاسه.

قال لي في اليوم الثالث: أنت تكتب كثيراً. البضاعة لا تزيد بالكتابة.

قلت له بهدوء: ولا تنقص إذا كتبناها صح.

نظر إلي لحظة ثم ضحك. من تلك اللحظة بدأ الجليد يذوب بيننا.

تعلمت منه أشياء لم تكن في أي دورة. علمني كيف تعرف الكرتون الذي تعرض للرطوبة من رائحته، وكيف تميز البضاعة التي ستتحرك سريعاً من البضاعة التي ستنام في المخزن، وكيف أن ترتيب الصناديق ليس مسألة نظافة فقط، بل مسألة مال. إذا وضعت القديم خلف الجديد خسرت. وإذا لم تعرف تواريخ الصلاحية أكلت الخسارة بصمت.

كنت أصعد إلى المكتب آخر اليوم بثياب ليست نظيفة كما يجب، لكن بعقل ممتلئ. أفتح الجدول وأدخل الكميات. أرى الأرقام تتحول إلى صورة واضحة. هذا المنتج يبيع جيداً. ذاك يتوقف. هذا العميل يأخذ كمية قليلة لكنه يدفع بسرعة. ذاك يشتري كثيراً لكنه يتأخر في الدفع حتى يمرض الحساب.

بدأت أفهم أن التجارة ليست بيعاً فقط. التجارة ذاكرة، وصبر، وشك، وثقة محسوبة. ليست كل ابتسامة من عميل رزقاً، وليست كل صفقة كبيرة خيراً. بعض الصفقات مثل الطعام الفاسد، شكلها يشبع ورائحتها تفضحها لاحقاً.

كنت أذهب إلى الأستاذ نادر في بعض الليالي وأحكي له ما أتعلمه. كان يستمع باهتمام حقيقي، لا كمن يجامل شاباً متعباً. أحياناً يربط لي ما يحدث في الشركة بفكرة فلسفية. يقول مثلاً: الحساب يعلمك أن النتائج لا تهبط من السماء. كل رقم له سبب. وكذلك الحياة. ما تراه اليوم في إنسان هو حصيلة أشياء تراكمت في داخله، لا لحظة واحدة.

قلت له مرة: لكن بعض الناس تبدأ من مكان أفضل.

قال: صحيح. والاعتراف بذلك ليس حسداً. الظلم موجود، والفوارق موجودة، والحياة ليست سباقاً عادلاً. لكن السؤال الذي يخصك ليس لماذا بدأ غيرك قبلك فقط، بل ماذا تفعل بالمسافة التي تحت قدمك الآن.

كنت أحتاج إلى هذا الكلام. لأنني في الشركة رأيت شباباً أصغر مني يتحدثون بثقة لأن آباءهم يملكون محلات أو أموالاً أو علاقات. كانوا يعرفون كلمات لم أعرفها، ويتعاملون مع الأجهزة والبرامج كأنها ألعاب. أحياناً كنت أشعر أنني دخلت السباق متأخراً، وبقدمين متعبتين، وبحذاء مثقوب. لكنني كنت أقول لنفسي: لست مطالباً أن أصل اليوم، فقط لا تعد إلى الوراء.

مر الشهر الأول ولم يطردني أبو حازم.

هذه وحدها كانت فرحة.

في نهاية الشهر سلمني ظرف الراتب. كان خفيفاً، خفيفاً إلى درجة أوجعتني. نصف راتب البناء تقريباً، كما قالوا. خرجت من المكتب وجلست على الرصيف دقائق، أفتح الظرف وأغلقه. حسبت بسرعة: إيجار الغرفة، دين البقالة، قسط الحاسوب المستعمل، مواصلات، طعام. لم يبق شيء تقريباً.

شعرت بغصة.

في تلك اللحظة فهمت أن القرار الصحيح لا يكون مريحاً دائماً. أحياناً تعرف أنك في الطريق الصحيح، ومع ذلك تجوع فيه أكثر مما كنت تجوع في الطريق الخطأ.

لم أرسل مالاً لخالتي ذلك الشهر. اتصلت بها وقلت إن الراتب تأخر وبعض المصاريف زادت. كذبت نصف كذبة. لم تعاتبني. قالت فقط: المهم صحتك يا ولدي.

كلمة يا ولدي كانت كافية لتكسرني.

أغلقت الهاتف وجلست صامتاً. تمنيت لو أستطيع أن أكون ولداً حقيقياً بطريقة أسهل. أن أملك مالاً، أن أرسل لها ما تحتاجه، أن أشتري لخالي دواءه دون أن أحسب ثمن الخبز. لكنني لم أكن أملك إلا وعداً بعيداً، والوعد لا يطبخ طعاماً ولا يسدد ديناً.

في الشهر الثاني بدأت أتعامل مع العملاء عبر الهاتف. كانت هذه مرحلة أخافتني أكثر من الأرقام. الأرقام لا تسخر منك إذا أخطأت، أما الناس فيفعلون. كنت أكتب قبل كل اتصال ما سأقول. أرتب الجملة في الدفتر: السلام عليكم، معك أحمد من شركة أبي حازم، بخصوص طلبية الأسبوع الماضي. أقرأها مرتين ثم أتصل.

في أول اتصال ارتبكت ونطقت اسم العميل خطأ. أغلق الرجل الخط في وجهي بعد أن قال ببرود: تعلموا قبل أن تتصلوا بالناس. بقيت أنظر إلى الهاتف كأنه صفعني.

رآني أبو حازم فقال: من يخاف من الزبون لا يبيع. ومن لا يحترمه لا يبيع أيضاً. قف بينهما.

ثم أخذ الهاتف واتصل بالعميل نفسه. تحدث معه بثقة وهدوء، اعتذر بجملة قصيرة، ثم أعاد الحديث إلى الطلبية. لم يتوسل، ولم يتكبر. بعد أن أغلق قال لي: البيع ليس أن ترضي الناس بأي شكل. البيع أن تفهم حاجتهم وتحفظ كرامتك.

بدأت أتعلم اللغة التي يتحدث بها التجار. ليست لغة عربية مختلفة، لكنها طريقة أخرى في الكلام. كلمة حاضر لا تعني دائماً حاضر. وكلمة إن شاء الله قد تعني نعم، وقد تعني لا، وقد تعني لا تتصل بي مرة أخرى. والعميل الذي يقول السعر غالٍ قد يكون يريد خصماً، وقد يكون يختبر ثقتك، وقد يكون فعلاً لا يملك المال. عليك أن تسمع ما وراء الجملة، لا الجملة فقط.

كان التسويق العملي يبدأ من هنا.

من صوت العميل.

من تردده.

من اعتراضه.

من سؤاله عن الجودة والسعر والتسليم.

بدأ أبو حازم يأخذني معه أحياناً إلى زيارات العملاء. كنت أجلس في السيارة صامتاً، أراقب. يدخل المحل مبتسماً، يسأل عن أحوال الرجل قبل البضاعة، يلاحظ الرفوف، يرى منتجاً منافساً، يسأل عن حركته كأنه يسأل عن قريب، ثم يبدأ الكلام عن بضاعته. لم يكن يبيع المنتج مباشرة. كان يبيع الثقة أولاً.

ذات مرة خرجنا من محل دون طلبية. قلت له: لم يشتر شيئاً.

قال: اليوم لم يشتر، لكنه لم يغلق الباب. في التجارة أحياناً الحفاظ على الباب نصف الربح.

كانت هذه الجملة تشبه كلام الأستاذ نادر، لكنها بلهجة السوق.

بالتدريج صارت عيناي ترى ما لم تكن تراه. العبوة ليست عبوة فقط. اللون ليس لوناً فقط. ترتيب الرف ليس صدفة. صورة المنتج على الهاتف قد تفتح باباً أو تغلقه. كلمة واحدة في عرض السعر قد تجعل العميل يشعر أنك محترف أو هاوٍ. الأرقام تقنع العقل، لكن القصة تلمس القلب. والتاجر الذكي يحتاج الاثنين معاً.

في إحدى الليالي، كنت أرتب صور بعض المنتجات على الحاسوب. كانت الصور سيئة، ملتقطة بسرعة، خلفياتها مزدحمة. قلت لأبي حازم في اليوم التالي: الصور لا تساعد المنتج.

نظر إلي كأنني تجاوزت حدودي.

قال: وهل ستعلمنا التصوير أيضاً؟

ترددت. كدت أعتذر، لكنني تماسكت. قلت: لا. لكن المنتج الجيد يظهر ضعيفاً إذا صورناه هكذا. العميل البعيد لا يشم ولا يتذوق. يرى الصورة أولاً.

لم يرد. ظننته غضب.

بعد يومين رمى أمامي علبة مربى وقال: صورها كما تريد.

لم أكن أملك كاميرا. استخدمت هاتفي المتواضع. أخذت العلبة إلى زاوية قرب النافذة، وضعت خلفها ورقة بيضاء، مسحت الغبار عنها، وانتظرت ضوءاً مناسباً. صورتها مرات كثيرة. لم تكن صورة محترفة، لكنها كانت أفضل بكثير من الصور القديمة.

عرضتها عليه.

نظر إليها طويلاً، ثم قال: ليست سيئة.

كانت ليست سيئة عند أبي حازم تعني أحياناً ممتازة.

بعدها بدأ يكلفني بتصوير بعض المنتجات وترتيب صورها في ملفات. كنت أقرأ ليلاً عن تصوير المنتجات، عن الضوء، الخلفية، الزاوية. لم أدفع لدورة جديدة، لم أكن أملك رفاهية ذلك. كنت أتعلم من أي مصدر مجاني، أجرب، أفشل، أعيد. كانت الغرفة تتحول أحياناً إلى استوديو مضحك. علبة على كرسي، قماش أبيض على الحائط، مصباح ضعيف، وأنا أحاول أن أصنع من الفقر صورة نظيفة.

ضحك العمال كثيراً.

قال أحدهم: أحمد سيصور المربى ويبيعها للأجانب.

ضحكت معهم.

لم أكن أعرف أن تلك الجملة الساخرة ستصبح بعد سنوات جزءاً من الحقيقة.

بدأت الشركة تستقبل استفسارات من تجار خارج المدينة. بعضهم من مناطق بعيدة، وبعضهم من دول مجاورة عبر معارف قديمة لأبي حازم. لم تكن الشركة تصدر فعلياً، لكنها كانت تبيع أحياناً لتجار ينقلون البضاعة خارج البلد. كنت أراقب هذه الطلبات باهتمام خاص. كان فيها شيء يشدني. فكرة أن علبة صغيرة يمكن أن تخرج من مستودعنا إلى مدينة بعيدة، وربما إلى بلد آخر، كانت تفتح في رأسي نافذة واسعة.

سألت أبا حازم عن التصدير.

قال: بحر كبير. لا تدخله بقدمين من طين.

سألته: لكنه ممكن؟

قال: كل شيء ممكن لمن يعرف حسابه. لكن التصدير ليس حلماً جميلاً فقط. أوراق، شحن، جودة، أسعار، ثقة، تأخير، خسارة، عملاء يكذبون، وموردون يكذبون أكثر.

لم تخفني الجملة كما توقع. بالعكس، أشعلت فضولي.

بدأت أقرأ عن التصدير ليلاً. مصطلحات كثيرة لم أفهمها. فاتورة تجارية، قائمة تعبئة، شهادة منشأ، شحن، حاوية، ميناء، موزع، مستورد، جملة، تجزئة. في البداية بدت الكلمات مثل جبل. لكنني تعلمت من الفلسفة والمحاسبة شيئاً واحداً: الجبل لا يصعده الإنسان دفعة واحدة. يضع قدماً، ثم أخرى.

كنت أكتب المصطلحات في دفتري. أسأل أبا حازم أحياناً، فيجيب إن كان مزاجه جيداً. أسأل الأستاذ نادر، فيقول إنه لا يعرف التجارة كثيراً، لكنه يعرف أن كل علم يبدأ باحترام الجهل. لا تخجل أن تقول لا أعرف. اخجل فقط أن تبقى لا تعرف لأنك خفت من السؤال.

مرت السنة الأولى.

لم أصبح غنياً. لم أسدد كل ديوني. لم أنتقل إلى غرفة أفضل. لكنني لم أعد الشخص الذي دخل الشركة أول مرة. صار أبو حازم يعتمد علي في الفواتير، والمخزون، وبعض التواصل مع العملاء. صار فؤاد في المستودع يناديني أحياناً: يا أستاذ أحمد، مازحاً في البداية، ثم بجدية خفيفة. صار العملاء يعرفون صوتي.

وفي داخلي، بدأ شيء اسمه الثقة ينمو ببطء.

الثقة ليست أن تقول أنا قوي. أحياناً تكون الثقة أن تعرف أنك ستخطئ، لكن الخطأ لن يقتلك.

في نهاية تلك السنة، مرض خالي.

اتصلت خالتي بصوت حاولت أن تجعله ثابتاً، لكنها لم تنجح. قالت إنه تعب فجأة، وإن الطبيب طلب فحوصات وأدوية. شعرت أن الأرض مالت تحت قدمي. خالي، الجبل القديم، صار يحتاج إلى من يسنده.

طلبت إجازة يومين وعدت إلى القرية.

لم أزرها منذ مدة طويلة. الطريق إليها كان يعرفني أكثر مما توقعت. كل منعطف أعاد إلي وجهاً، كل شجرة أعادت صوتاً. عندما ظهرت البيوت البعيدة، شعرت أن صدري ضاق. كنت أعود وأنا لست الطفل الذي غادر، ولا الرجل الذي تمنى أن يعود منتصراً. كنت شيئاً بينهما. شخص يحمل كيس دواء وبعض المال القليل وكثيراً من الحنين.

دخلت بيت خالتي.

كان أصغر مما في ذاكرتي.

هذه أول قسوة في العودة. الأماكن التي كبرت في قلبك، تصغر حين تراها بعين الرجل. الساحة ضيقة، شجرة التين أقل امتلاء، الجدار متشقق، التنور قديم، والباب الذي كنت أظنه عالياً صار منخفضاً.

خالتي احتضنتني كأنني عدت من غياب طويل جداً. شعرت بعظام كتفيها تحت يدي. كبرت هي أيضاً. لماذا نظن أن الذين أحبونا في طفولتنا سيبقون كما تركناهم؟ الزمن لا يستثني أحداً من ضربته الهادئة.

دخلت على خالي. كان مستلقياً، وجهه شاحب، لكن عينيه كما هما. حاول أن ينهض، فمنعته. قال مبتسماً: كبرت يا أحمد.

قلت: قلتها لي كثيراً يا خالي.

قال: وهذه المرة أقولها وأنا مطمئن.

لم أتحمل. جلست قربه وقبلت يده. اليد التي أمسكتني في أول يوم مدرسة، اليد التي أعطتني من الحلوى مثل أبنائه، اليد التي تعبت حتى صارت قصيرة أمام الحياة. كانت أضعف الآن، لكنني شعرت أنها ما زالت تسند شيئاً في داخلي.

أعطيت خالتي المال الذي معي. لم يكن كثيراً، لكنه كان كل ما استطعت. رفضت في البداية، فقلت لها: دعيني أفرح أنني أستطيع شيئاً.

بكت.

وفي تلك الليلة، نمت في البيت القديم. لم أنم كثيراً. كنت أسمع أصواتاً أعرفها: الريح قرب الباب، حفيف الشجرة، صوت ديك بعيد قبل الفجر. تذكرت الطفل الذي كان ينام هنا بلا أسئلة. أردت أن أمد يدي عبر السنوات وأقول له: استمتع أكثر، ستفهم لاحقاً أن هذه الأيام لا تعود.

عدت إلى المدينة بعد يومين، لكن شيئاً جديداً صار يلح علي.

لم أعد أريد النجاح لنفسي فقط. كنت أريد أن أملك ما يكفي لأجعل خالي لا يخاف من ثمن الدواء، وخالتي لا تخفي حاجتها خلف الصبر. كنت أريد أن أرد شيئاً، ولو قليلاً، من دين لا يظهر في الدفاتر.

الدين الحقيقي لا يكتب بالأرقام.

في الشركة، بدأت أعمل بجدية أكبر. لم أعد أكتفي بما يطلب مني. صرت أقترح ترتيباً أفضل للمخزون، وأكتب عروض أسعار بشكل أنظف، وأجهز قائمة منتجات بصور مرتبة. في البداية كان أبو حازم يتذمر من حماسي، ثم بدأ يستخدم ما أعده.

ذات يوم جاء تاجر من خارج البلد، أو بالأصح رجل يعمل وسيطاً لتجار هناك. كان يبحث عن منتجات غذائية بأسعار مناسبة. جلس مع أبي حازم في المكتب، وكنت أنا أقدم الأوراق والشاي. كان الحديث بطيئاً، مليئاً بالحذر. الرجل يريد سعراً أقل، وأبو حازم لا يريد المخاطرة. لاحظت أن الوسيط يسأل عن قائمة المنتجات أكثر من مرة، وأن الأوراق القديمة لا تساعد.

بعد أن خرج، قلت لأبي حازم: لو أرسلنا له قائمة مرتبة بالصور والأسعار والكميات، سيأخذنا بجدية أكثر.

قال: جهزها.

لم يقلها بحماس، لكنه قالها.

اشتغلت عليها يومين. صورت المنتجات الأفضل، رتبتها في ملف بسيط، كتبت الوزن، عدد القطع في الكرتون، السعر، ملاحظات عن الجودة والتعبئة. لم يكن الملف مثالياً، لكنه كان أول شيء يشبه عرضاً حقيقياً.

أرسله أبو حازم للرجل.

مرت أيام دون رد.

نسيت الأمر تقريباً.

ثم جاء الرد.

طلب الرجل كمية صغيرة للتجربة. ليست صفقة كبيرة، لكنها أول طلب من هذا النوع يأتي بسبب ملف جهزته بيدي. عندما أخبرني أبو حازم، حاولت أن أبدو هادئاً. لكن قلبي كان يضرب بقوة.

قال لي: لا تفرح كثيراً. الطلب الصغير مثل الطفل، قد يعيش وقد يموت.

ومع ذلك فرحت.

لأنني رأيت بعيني أن صورة جيدة، وسعراً واضحاً، وورقة مرتبة، يمكن أن تفتح باباً كان مغلقاً. لم تكن الفلسفة وحدها، ولا المحاسبة وحدها، ولا التسويق وحده. كانت كلها خيوطاً بدأت تتشابك.

بعد تلك الطلبية الصغيرة، زاد اهتمامي بالمنتجات التي يمكن أن تسافر. بدأت أسأل عن المصانع، عن القرى التي تنتج، عن التعبئة، عن الأسعار. كنت أزور السوق في أيام العطل لا لأشتري، بل لأراقب. أرى منتجات جيدة مدفونة في عبوات سيئة. أرى تجاراً يملكون بضاعة ممتازة ولا يعرفون كيف يعرضونها. أرى فلاحين يبيعون بثمن قليل لأنهم لا يعرفون الوصول إلى من يقدر المنتج.

كنت أكتب كل شيء.

الأستاذ نادر لاحظ تغيري. قال لي مرة: عيناك لم تعودا عيني عامل يبحث عن راتب فقط.

قلت: وماذا صارتا؟

قال: عيني رجل يبحث عن احتمال.

أعجبتني الكلمة. احتمال. ليست حلماً كاملاً، وليست واقعاً بعد. شيء بينهما. مثل بذرة في جيبك، لا تعرف هل ستصير شجرة أم ستجف، لكنك لا تستطيع أن تنكر وجودها.

بعد عامين من دخولي الشركة، صار راتبي أفضل. ليس كثيراً، لكنه لم يعد نصف راتب. سددت معظم ديوني، واشتريت حاسوباً أفضل بالتقسيط، وانتقلت إلى غرفة أقل سوءاً مع عاملين فقط. بدأت أرسل لخالتي مبلغاً صغيراً كل شهر. كانت تدعو لي في كل مكالمة، وخالي يقول جملة واحدة تتكرر: الله يرضى عليك يا ولدي.

هذه الجملة كانت تكفيني شهراً كاملاً.

لكن الإنسان إذا ذاق معنى التقدم لا يعود يرضى بالوقوف الطويل. لم أكن ناكراً لفضل أبي حازم. تعلمت منه كثيراً، وربما لولاه بقيت أحفظ الدروس دون أن أرى السوق الحقيقي. لكن داخلي بدأ يقول إن علي أن أجرب شيئاً لنفسي.

لم أكن أملك رأس مال كبيراً. لذلك لم أفكر في شركة ولا مكتب ولا لافتة. فكرت في شيء صغير جداً. منتج واحد أو اثنان. كمية قليلة. أبحث عن مشتر صغير خارج البلد، أو حتى داخل مدينة بعيدة، وأتعلم.

اخترت منتجاً غذائياً محلياً كنت أعرف مصدره جيداً. ليس لأنه الأفضل في العالم، بل لأنني فهمت قصته وتكلفته وطريقة تعبئته. ذهبت إلى صاحبه، رجل بسيط من أطراف المدينة، واتفقت معه على كمية صغيرة جداً. دفعت جزءاً من المال، والباقي بعد البيع. كان يعرف أبا حازم، ويعرف أنني أعمل معه، فقبل على مضض.

صورت المنتج كما تعلمت، كتبت عرضاً صغيراً، أرسلته إلى بعض المعارف والتجار الذين جمعت أرقامهم عبر السنوات. كثيرون لم يردوا. بعضهم رد بكلمة باردة. أحدهم سأل عن سعر مستحيل. آخر قال إن المنتج موجود عنده أرخص. شعرت بالإحباط، لكنني لم أنكسر كما كنت سأنكسر سابقاً. كنت أعرف أن الباب لا يفتح من أول طرقة.

بعد أسبوعين، جاءني أول طلب.

كمية صغيرة جداً.

أصغر مما يمكن أن يسميه الناس تجارة، لكنها بالنسبة لي كانت سفينة.

جهزت البضاعة بنفسي. راجعت العدد، الفاتورة، التغليف. لم أنم في تلك الليلة من القلق. كنت أخاف أن تتلف، أو أن يهرب العميل، أو أن أكون حسبت شيئاً خطأ. وصلت البضاعة بعد أيام، ودفع العميل الباقي.

ربحت مبلغاً صغيراً.

صغيراً إلى درجة أن عاملاً في البناء قد يكسب مثله في أيام قليلة.

لكنني جلست أنظر إلى الربح كما ينظر رجل إلى أول ضوء بعد نفق طويل. لم يكن المال هو المهم وحده. المهم أن شيئاً خرج من رأسي إلى الواقع. فكرة تحركت، بضاعة مشت، عميل دفع، وحساب انتهى دون خسارة.

ذهبت إلى الأستاذ نادر وأخبرته.

قال: ماذا تعلمت؟

كنت أتوقع أن يقول مبروك، لكنه سأل عن الدرس.

قلت: تعلمت أن الربح أصغر مما يتخيل الإنسان قبل التجربة.

ضحك وقال: جيد.

قلت: وتعلمت أن الخوف أكبر من الصفقة.

قال: ممتاز.

قلت: وتعلمت أنني أستطيع.

هنا سكت الأستاذ، ثم قال: هذه أهم واحدة.

لم أترك وظيفتي. لم أكن متهوراً. ظللت أعمل مع أبي حازم، وأجرب في أوقات محدودة وبكميات صغيرة. صفقة تنجح، وأخرى تتعطل، وثالثة تخسر قليلاً. مرة أخطأت في تقدير تكلفة النقل فأكلت نصف الربح. مرة وثقت بعميل أكثر مما ينبغي فتأخر في الدفع شهوراً. مرة اشتريت كمية أكبر من قدرة السوق، فبقيت البضاعة عندي حتى كرهت رؤيتها.

لكن كل خسارة كانت تعلمني شيئاً.

كنت أكتب الأخطاء في دفتر خاص. لا أكتبها لأجل الحزن، بل حتى لا أدفع ثمنها مرتين. تعلمت أن الحماس لا يكفي. أن السعر الجيد لا يعني صفقة جيدة. أن العميل البعيد يحتاج وضوحاً أكثر من القريب. أن المنتج قبل أن يسافر يجب أن يكون قادراً على احتمال الطريق. أن التغليف ليس مظهراً، بل حماية. أن الثقة لا تلغي الورق.

مرت سنوات، لا أعرف كيف أختصرها.

القصص تحب القفز فوق السنوات الصعبة لتصل إلى المشهد الجميل. لكن الحقيقة أن أجمل المشاهد لا تأتي إلا بعد أيام كثيرة لا يراها أحد. أيام تقوم فيها وأنت لا تريد القيام، وتفتح الحاسوب وأنت تكره الشاشة، وتتصل بعميل يرد ببرود، وتبتسم في وجه تاجر يحاول كسرك، وتعود إلى غرفتك لتراجع الحسابات بعينين محمرتين.

لم يكن الطريق مستقيماً. تركت شركة أبي حازم بعد سنوات، لا بخصام، بل كولد يغادر بيتاً ثانياً. قال لي يومها: ستتعب.

قلت: تعبت عندك وتعلمت.

قال: السوق لا يرحم.

قلت: أعرف.

مد يده وصافحني. لم يكن رجلاً عاطفياً، لكنه قال قبل أن أخرج: لا تكذب في البضاعة، ولو كذب الجميع. الكذبة تربح مرة، وتخسرك اسمك كل مرة.

حملت الجملة معي.

بدأت عملي الخاص من غرفة صغيرة، ثم مكتب صغير، ثم مستودع متواضع. لم أكن أقول شركة في البداية، كنت أخجل من الكلمة. أقول عمل بسيط. تجارة صغيرة. محاولة. لكن المحاولة كبرت. منتج صار ثلاثة، وثلاثة صاروا عشرة. عميل صغير جاء بعده عميل أكبر. بلد قريب فتح باب بلد أبعد. تعلمت الأوراق، والشحن، والتفاوض، والانتظار الثقيل عند كل دفعة.

كنت أحياناً أضحك وحدي عندما أتذكر العامل الذي نام على الأرض في غرفة مزدحمة. لم أكن أضحك عليه، بل أحن إليه. هو الذي حملني إلى هنا. لولاه، ولولا خوفه وجوعه وعرقه، لما كنت الرجل الذي أوقع العقود بيد ثابتة.

وحين تحسن حالي، كان أول ما فعلته أنني عدت إلى القرية لا زائراً عابراً، بل رجلاً يحمل في قلبه وعداً قديماً.

وجدت خالي أضعف، وخالتي أكثر بياضاً، والبيت أكثر تعباً. لم أقل لهم شيئاً كبيراً في البداية. بدأت بالأشياء الصغيرة. طبيب أفضل لخالي. أدوية منتظمة. إصلاح السقف قبل الشتاء. باب جديد. أثاث بسيط يريح خالتي. ثم شيئاً فشيئاً، بدأت أبني بيتاً صغيراً بجانب بيتهم.

قال بعض الناس: أحمد يبني لنفسه قرب بيت خالته.

لم يفهموا.

لم أكن أبني قرب البيت فقط. كنت أبني قرب طفولتي، قرب اليد التي أمسكتني، قرب المرأة التي غطت قدمي ليلاً، قرب الساحة التي عرفت فيها معنى الأمان قبل أن أعرف معنى اليتم.

كان خالي يجلس على كرسيه أمام العمال، يراقب البناء بصمت. ذات يوم جلست قربه. ظل ينظر إلى الجدار الجديد ثم قال: لماذا هنا يا أحمد؟ كان يمكنك أن تبني في المدينة، أو في مكان أفضل.

قلت: هذا المكان يعرفني قبل أن أعرف نفسي.

سكت. ثم قال: نحن لم نفعل لك إلا الواجب.

نظرت إلى يده المتعبة وقلت: بعض الناس يؤدون الواجب بطريقة تجعل الطفل يعيش عمراً كاملاً وهو يريد رد الجميل.

أدار وجهه بعيداً. أظنه بكى، لكنه لم يشأ أن أرى. تركته كما يليق بالرجال الذين يبكون بصمت.

أما خالتي، فكانت تدخل البيت الجديد قبل أن يكتمل، تمسح الغبار عن النوافذ، وتقول إن المطبخ يحتاج رفاً هنا، وإن الشمس تدخل كثيراً من هذه الجهة، وإن شجرة تين صغيرة لو زرعناها قرب الباب ستجعل المكان أجمل. كنت أضحك وأقول: افعلي ما تريدين. هذا البيت لك قبل أن يكون لي.

كبر عملي بعد ذلك أكثر، لكن شيئاً في داخلي بقي متعلقاً بتلك الصورة: خالتي تزرع شتلة تين قرب بيت جديد، وخالي يجلس في الظل، وأنا أقف بين بيتين. بيت رباني حين لم أكن أملك شيئاً، وبيت بنيته حين صرت أملك ما يكفي لأقول شكراً بطريقة لا تكفي أبداً.

لم يكن أولاد خالتي سيئين. لكل واحد حياته وهمه. بعضهم ابتعد، بعضهم انشغل، بعضهم ظن أن الأبوين سيبقيان قويين إلى الأبد كما نظن جميعاً في غفلتنا. لم أرد أن أكون أفضل من أحد، ولا أن أرفع نفسي على أحد. كنت أعرف فقط أنني مدين. والديون التي تصنعها المحبة لا يطالبك بها أحد، لكنها تبقى في قلبك حتى تسدد ما استطعت.

في إحدى الليالي، جلست أمام البيت الجديد. كانت القرية هادئة، والنجوم واضحة كما كانت في طفولتي. سمعت صوت أطفال يلعبون في مكان قريب، فضحكت. تذكرت نفسي وابن خالي ونحن نبني بيوتاً من الطين ثم نهدمها بأقدامنا. يومها لم أكن أعرف أنني سأقضي عمري كله أحاول بناء بيت لا يهدمه الخوف.

اتصل بي الأستاذ نادر تلك الليلة. كان صوته أضعف مما عهدته، لكنه محتفظ بذلك الهدوء القديم. أخبرته أن البيت اكتمل تقريباً، وأن خالي صار أفضل، وأن العمل يكبر.

قال: وهل وجدت جواب سؤالك؟

قلت: أي سؤال؟

قال: كنت تسأل قديماً أين ينتمي الإنسان إذا لم يعد له بيت.

نظرت إلى بيت خالتي، ثم إلى البيت الجديد، ثم إلى شجرة التين الصغيرة.

قلت: ربما لا يجد الإنسان البيت جاهزاً دائماً. أحياناً يحمله في صدره حتى يستطيع بناءه في الخارج.

قال: هذا جواب جيد يا أحمد.

سألته: هل هذا من الفلسفة؟

قال: لا. هذا من الحياة عندما تصير مفهومة قليلاً.

أغلقت الهاتف وبقيت جالساً طويلاً.

لم أشعر أنني انتصرت على الحياة. لا أحد ينتصر عليها تماماً. نحن فقط نأخذ منها بعض المعنى قبل أن تمضي. لكنني شعرت أن الطفل الذي كان يركض في الساحة لم يضع. وأن العامل الذي بكى بصمت في الغرفة الفارغة لم يضع. وأن الشاب الذي استدان ليتعلم، وقبل نصف راتب، وسخر منه أصحابه، وخاف من الفشل، لم يضع.

كل أولئك كانوا أنا.

وكلهم أوصلوني إلى هذه اللحظة.

لذلك، إن كنت تقرأ حكايتي وأنت متعب، فاسمعني جيداً.

لا أملك لك وصفة سهلة. ولا أريد أن أكذب عليك كما يكذب بعض الناس حين يقولون إن الطريق يفتح لمن يريد فقط. أحياناً تريد بكل قلبك، ولا يفتح الباب. أحياناً تعمل وتتعب، ثم تخسر. أحياناً تكون طيباً، ولا تكافئك الحياة بسرعة. أحياناً يكون حولك من بدأوا قبلك بأميال، ثم يقولون لك ببساطة: اجتهد.

أعرف ذلك.

أعرف وجع الشاب العربي الذي يحمل في صدره أحلاماً أكبر من جيبه. أعرف معنى أن تحسب ثمن المواصلات قبل أن تزور من تحب. أعرف معنى أن تؤجل علاجك، وملابسك، وفرحتك، لأن هناك ديناً أو إيجاراً أو بيتاً ينتظر. أعرف معنى أن تكون وحيداً بين الناس، وأن تضحك حتى لا يسألك أحد عن الكسر الذي فيك.

لكنني أعرف أيضاً أن الاستسلام لا يرد شيئاً مما ضاع.

تعلم مهارة، ولو صغيرة. أمسك حبلاً واحداً، لا تنتظر سلماً كاملاً. اقرأ، اسأل، جرب، اخطئ، اكتب أخطاءك، ثم عد وحاول من جديد. لا تحتقر البداية المتواضعة. الوظيفة الصغيرة قد تكون باباً، ونصف الراتب قد يكون جسراً، والدورة التي تتعبك قد تكون أول حجر في بيتك القادم.

لا تجعل الفقر يقنعك أنك غبي.

الفقر يسرق الوقت والراحة، لكنه لا يملك حق سرقة قيمتك إلا إذا سلمته إياها. ولا تجعل اليتم يقنعك أنك بلا أصل. أحياناً يكون أصلك في يد امتدت إليك، لا في اسم مكتوب على ورقة. ولا تجعل التعب يخدعك بأنك انتهيت. التعب أحياناً يكون آخر حارس قبل الباب.

وإن كان في حياتك من رباك، من وقف معك، من أطعمك صغيراً، من عاملك كابن وهو لا يملك واجباً كاملاً تجاهك، فلا تنسه إذا كبرت. لا تنتظر أن يطلب. أهل الفضل غالباً لا يطلبون. يشيخون بصمت، ويتعبون بصمت، ويحتاجون بصمت. عد إليهم بما تستطيع. ليس شرطاً أن تبني بيتاً. ربما تكفي زيارة، دواء، كلمة، يد على كتف، أو أن تشعرهم أن تعبهم لم يذهب في الأرض.

فالنجاح الحقيقي ليس أن تصعد وحدك ثم تغلق الباب خلفك.

النجاح أن تصعد، ثم تتذكر الذين حملوك حين لم تكن تعرف المشي.

وأنا، أحمد، لم أفعل في حياتي شيئاً عظيماً كما يتخيل البعض.

كل ما فعلته أنني لم أترك الوجع يشرحني وحده.

سألته، كما علمني الأستاذ نادر.

ثم مشيت، كما علمتني خالتي.

ثم حسبت، كما علمتني المحاسبة.

ثم عرضت ما عندي بصدق، كما علمني السوق.

ثم عدت، كما علمني قلبي.

وفي النهاية فهمت أن الإنسان لا يحتاج أن يولد في بيت كامل ليصنع بيتاً.

يكفي أن يحمل في داخله شيئاً من الوفاء، وشيئاً من الصبر، وشيئاً من الشجاعة التي لا تصرخ.

الشجاعة التي تقوم في الصباح رغم كل شيء.

وتقول للحياة بهدوء:

مازلت واقفا لم أنته بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!