أسطورة الندّاهة: الصوت القادم من الظلام


….
كان أهل القرية يقولون إن أخطر الأصوات ليست العالية، بل تلك التي تأتيك هادئة من بعيد، ناعمة كأنها تعرف اسمك منذ زمن.
في تلك القرية الصغيرة الممتدة قرب النهر، لم يكن الليل مجرد ظلام يهبط على البيوت والحقول. كان الليل هناك كائناً ثقيلاً، يزحف ببطء بين الأشجار، ويمر فوق الماء، ثم يجلس على صدور الناس حتى الصباح.
كانت القرية قديمة، بيوتها من الطين والحجر، طرقها ضيقة، وأهلها يعرفون بعضهم كما يعرفون أسماء أبنائهم. إذا مرض أحدهم عرف الجميع. وإذا عاد مسافر في وقت متأخر، خرجت العيون من خلف النوافذ لتسأل قبل الألسنة: لماذا تأخر؟
لكن رغم هذه المعرفة القريبة، كان هناك شيء واحد لا يتحدث عنه الناس إلا همساً.
الندّاهة.
لم تكن مجرد حكاية يرويها الكبار لإخافة الصغار. كانت بالنسبة لهم تحذيراً قديماً، شيئاً تعلموه كما يتعلم الطفل ألا يضع يده في النار. لا تمشِ قرب النهر بعد منتصف الليل. لا ترد على صوت يناديك من بين الحقول. وإذا سمعت امرأة تنطق اسمك في الظلام، فلا تلتفت مهما كان الصوت قريباً من قلبك.
كانوا يقولون إن الندّاهة لا تظهر لمن يبحث عنها. تظهر لمن يحمل في قلبه نقصاً، لمن يفتقد شخصاً، أو ينتظر عودة غائب، أو يخفي حزناً لا يعرف كيف يبوح به.
وكانوا يقولون أيضاً إن صوتها ليس واحداً.
أحياناً يأتي كصوت أم تنادي ابنها.
وأحياناً كصوت زوجة تبكي زوجها.
وأحياناً كصوت امرأة غريبة لا تعرفها، لكنها تنطق اسمك بطريقة تجعلك تشعر أنها تعرف كل شيء عنك.
في تلك السنة، عاد إلى القرية شاب اسمه عاصم.
كان عاصم قد غادرها قبل سبع سنوات إلى المدينة، بعد وفاة أمه. لم يكن يحب العودة، ليس لأنه يكره القرية، بل لأن كل حجر فيها كان يذكره بشيء حاول نسيانه. رائحة الخبز عند الفجر كانت تذكره بأمه. صوت الماء في السواقي كان يذكره بطفولته. حتى الطريق الترابي المؤدي إلى النهر كان يعيد إليه آخر ليلة رآها فيها.
عاد عاصم بعد أن مات خاله وترك له بيتاً قديماً على طرف القرية. كان ينوي بيع البيت والعودة سريعاً إلى المدينة. لم يكن يريد أن يفتح أبواب الذاكرة، ولا أن يجلس مع رجال يعرفون وجهه القديم، ولا أن تسمعه النساء وهن يقلن: كبر ابن أمينة، لكنه لم يعد كما كان.
وصل عند الغروب.
كان الطريق من محطة الحافلات إلى البيت يمر قرب الحقول، ثم يقترب من النهر قبل أن يدخل القرية. حمل حقيبته الصغيرة ومشى ببطء. الهواء كان بارداً، والماء ساكناً، والسماء محمرة كأن الشمس تترك خلفها جرحاً مفتوحاً.
عند أول منعطف قرب النهر، رأى امرأة عجوزاً تجمع الحطب.
كانت منحنية الظهر، تلف رأسها بمنديل أسود. عندما اقترب منها، رفعت رأسها ونظرت إليه طويلاً.
قالت: “أنت ابن أمينة.”
توقف عاصم.
“نعم.”
قالت العجوز: “رجعت في وقت غير مناسب.”
ابتسم محاولاً أن يبدو هادئاً.
“جئت لأبيع بيت خالي فقط.”
قالت: “البيوت لا تباع بسهولة إذا كانت تحفظ أسماء أصحابها.”
لم يفهم جملتها، ولم يرغب في أن يفهم. شكرها وأكمل طريقه.
لكن العجوز نادته قبل أن يبتعد.
“يا عاصم، إذا سمعت صوت أمك الليلة، لا تجب.”
تجمد في مكانه.
التفت إليها بسرعة.
“ماذا قلتِ؟”
لكن العجوز عادت تجمع الحطب كأنها لم تقل شيئاً.
لم يسألها مرة أخرى. كان يريد أن يصدق أنها مجرد امرأة كبيرة في السن تقول ما يقوله أهل القرى عادة. لكنه شعر بشيء بارد يمر في صدره.
وصل إلى البيت بعد العشاء.
كان بيت خاله صغيراً، يقع في آخر صف من البيوت، قريباً من الحقول والنهر. الباب الخشبي قديم، والجدران متشققة، والفناء مليء بأوراق يابسة. فتح الباب بصعوبة، ودخل.
من الداخل، كان البيت بارداً أكثر مما توقع. رائحة الغبار والرطوبة تملأ المكان. أشعل مصباحاً صغيراً، ونفض الغبار عن كرسي، وجلس.
لم يكن ينوي النوم في البيت، لكنه تأخر، ولم يجد مكاناً آخر. قال لنفسه إن ليلة واحدة لن تقتله.
فتح حقيبته، أخرج بطانية، وبعض الطعام، وهاتفه. لم يكن هناك اتصال جيد. حاول أن يرسل رسالة لصديقه في المدينة، لكنها لم تصل.
في الخارج، كان الليل قد اكتمل.
لم تعد القرية تسمع إلا صوت الكلاب البعيدة، وحفيف الأشجار، وجريان الماء البطيء في الساقية القريبة.
حاول عاصم أن ينام.
لكن النوم لم يأتِ.
كل شيء في البيت كان يصدر صوتاً. الخشب يتمدد. النافذة تئن. السقف يقطر رطوبة قديمة. كان يحاول تجاهل الأصوات، لكنه لم يستطع تجاهل صوت واحد بدأ بعد منتصف الليل.
صوت نداء بعيد.
كان خافتاً جداً في البداية.
كأنه قادم من آخر الحقول.
“عاصم…”
فتح عينيه.
بقي ساكناً.
قال لنفسه إن الصوت من خياله. ربما تذكر كلام العجوز، فصنع عقله هذا النداء. أغلق عينيه بقوة.
ثم عاد الصوت.
“عاصم…”
هذه المرة كان أوضح.
لم يكن صوت امرأة غريبة.
كان صوت أمه.
نهض من مكانه فجأة، وقلبه يضرب صدره بعنف. لم يكن هناك شك. هذا هو الصوت الذي كان يوقظه في طفولته قبل الفجر. نفس النبرة. نفس الحنان المكسور في آخر الحرف. نفس الطريقة التي تمد بها اسمه كأنها تربت على كتفه.
وقف في وسط الغرفة لا يعرف ماذا يفعل.
تذكر كلام العجوز: إذا سمعت صوت أمك الليلة، لا تجب.
اقترب من النافذة ببطء. لم يفتحها. فقط نظر من خلف الشق الصغير في الخشب.
كان الطريق خالياً.
والحقول مظلمة.
لكن قرب النهر، رأى شيئاً يتحرك.
ظل امرأة تقف بين الأشجار.
بعيدة جداً، لا تظهر ملامحها. ثوبها طويل، وشعرها أو منديلها يتحرك مع الريح. كانت واقفة بطريقة غريبة، كأنها لا تمس الأرض تماماً.
عاد الصوت.
“يا عاصم… تعال.”
لم يكن النداء مخيفاً. وهذا ما جعله مرعباً.
لو كان الصوت غريباً أو شرساً، لأغلق النافذة وهرب. لكنه كان دافئاً. حزيناً. محتاجاً. كان يحمل كل ما افتقده منذ موت أمه.
اقتربت يده من مزلاج الباب دون أن يشعر.
ثم سمع طرقاً قوياً على الباب الخارجي.
انتفض.
جاء صوت رجل من الخارج.
“افتح يا ولد. لا تطلع.”
فتح عاصم الباب بسرعة، فوجد رجلاً مسناً يقف أمامه يحمل فانوساً. كان وجهه معروفاً قليلاً. تذكره بعد لحظات. اسمه عبد الجليل، كان صديق خاله.
دخل الرجل دون استئذان وأغلق الباب خلفه.
قال وهو يلهث: “سمعتها؟”
لم يجب عاصم.
قال الرجل: “إذا أجبتها مرة، ستناديك كل ليلة. وإذا خرجت لها، لن ترجع كما كنت.”
جلس عاصم على الكرسي، محاولاً أن يستعيد أنفاسه.
“من التي تنادي؟”
نظر عبد الجليل إلى النافذة، ثم خفض صوته.
“لا تقل اسمها في الليل.”
“تقصد الندّاهة؟”
تغير وجه الرجل.
“قلت لك لا تقل اسمها.”
ساد صمت قصير.
في الخارج، عاد الصوت، لكنه كان أبعد هذه المرة.
“عاصم… أنا بردانة.”
ارتجف عاصم.
عبد الجليل أمسك بكتفه بقوة.
“أمك ماتت يا عاصم. لا تجعل حزنك يفتح لها باباً.”
قال عاصم بغضب خافت: “لا تتكلم عن أمي.”
قال الرجل: “أنا لا أتكلم عنها. أنا أتكلم عن الشيء الذي يعرف صوتها.”
جلسا حتى الفجر.
لم يتكلم عبد الجليل كثيراً. كان يقرأ آيات قصيرة بصوت منخفض أحياناً، ثم يصمت، ثم ينظر نحو النافذة. أما عاصم فظل مستيقظاً، يشعر أن قلبه عالق بين الخوف والرغبة. كان جزء منه يريد أن يهرب من القرية كلها، وجزء آخر يريد أن يعرف كيف يمكن لصوت أمه أن يأتي من بين الأشجار بعد سبع سنوات من موتها.
عند أول ضوء، اختفى النداء.
فتح عبد الجليل الباب ونظر إلى الخارج.
قال: “الآن تستطيع الخروج.”
خرج عاصم معه. كان الضباب يغطي الطريق، ورائحة الطين مبللة. مشيا حتى اقتربا من النهر. توقف عبد الجليل عند المكان الذي رأى فيه عاصم الظل.
على الطين قرب الماء، كانت هناك آثار أقدام.
لكنها لم تكن آثار امرأة.
كانت آثار قدمين صغيرتين، كآثار طفل يمشي حافياً.
قال عاصم: “ما هذا؟”
أجاب الرجل: “كل من تراه يظن أنها امرأة. لكن الأرض أحياناً تفضح ما لا تراه العين.”
انحنى عاصم ليتفحص الآثار. كانت تبدأ من الماء وتنتهي عند حافة الطريق، ثم تختفي فجأة.
قال عبد الجليل: “قبل سنوات، اختفى رجل من القرية هنا. سمع صوت زوجته الميتة. خرج إليها، وبعد يومين وجدوا حذاءه عند الماء.”
“هل وجدوا جسده؟”
“لا.”
“وماذا عن الآخرين؟”
نظر الرجل إلى النهر.
“ليس كل من يعود يكون حياً من الداخل.”
عاد عاصم إلى البيت وهو مضطرب. لم يعد يفكر في بيع البيت فقط. صار يفكر في الحكاية نفسها. هل ما حدث مجرد وهم؟ هل صنع عقله صوت أمه من الخوف والحنين؟ لكن عبد الجليل سمع الصوت أيضاً. ورأى الآثار معه.
في النهار، كان كل شيء يبدو عادياً.
النساء يخبزن، الأطفال يركضون، الرجال يذهبون إلى الحقول. كأن الليل لم يكن موجوداً. كأن القرية تملك وجهين: وجه تحت الشمس يعرفه الجميع، ووجه بعد منتصف الليل لا يعترف به أحد.
قرر عاصم أن يسأل عن الندّاهة.
ذهب إلى المقهى الصغير عند مدخل القرية. جلس بين الرجال، وبدأ الحديث بحذر. عندما ذكر النداء قرب النهر، سكت الجميع.
رجل شاب ضحك بتوتر وقال: “هذه حكايات عجائز.”
لكن رجلاً أكبر منه قال: “العجائز لا يخترعن كل شيء.”
سأل عاصم: “هل سمعها أحد منكم؟”
لم يجب أحد.
ثم قال رجل يجلس في الزاوية: “الذي يسمعها ولا يخرج، يعيش. والذي يخرج، لا يعود ليحكي.”
كان اسمه منصور، رجلاً قاسياً بوجه محفور بالتجاعيد. اقترب منه عاصم بعد أن خرج من المقهى.
قال منصور: “لماذا تسأل؟”
“لأنها نادتني.”
نظر إليه طويلاً.
“بأي صوت؟”
تردد عاصم.
“بصوت أمي.”
تنهد منصور.
“إذن عرفت جرحك.”
“ماذا تقصد؟”
قال منصور: “هي لا تنادي الإنسان من الخارج. تناديه من المكان الفارغ داخله.”
ثم حكى له قصة قديمة.
قال إن الندّاهة لم تبدأ كامرأة تظهر قرب النهر، بل كحكاية عن أصوات خرجت من الماء بعد فيضان كبير حدث قبل عشرات السنين. في تلك السنة، غرق أطفال ونساء ورجال، ولم يجد الناس كل الجثث. بعد الفيضانات، بدأ بعض الأهالي يسمعون نداءات في الليل. كل شخص يسمع صوت من فقده.
في البداية، ظنوا أن الموتى يستغيثون.
خرج كثيرون إلى الماء ولم يعودوا.
ثم بدأ الذين عادوا يتغيرون. كانوا صامتين، يحدقون طويلاً في النهر، وينامون نهاراً، ويمشون قرب الماء ليلاً. بعضهم كان يضحك وحده. وبعضهم كان يردد أسماء لا يعرفها أحد.
قال منصور: “من يومها، تعلم الناس ألا يجيبوا.”
سأل عاصم: “هل هي روح؟”
قال منصور: “لا أعرف. الناس يسمون كل مجهول اسماً حتى يرتاحوا. لكن الاسم لا يعني أننا فهمنا.”
عند المساء، كان عاصم قد قرر المغادرة في الصباح. جمع أوراق البيت، وتواصل مع رجل من المدينة ليأتي بعد يومين لرؤية العقار. لم يرد أن يبقى أكثر. لكن قبل أن ينام، وضع كرسياً خلف الباب، وأغلق النوافذ جيداً، وترك المصباح مشتعلاً.
قال لنفسه إن الصوت لن يخدعه مرة أخرى.
لكن النداء في الليلة الثانية لم يأتِ بصوت أمه.
جاء بصوت طفلة صغيرة.
“يا عمو… افتح لي.”
فتح عاصم عينيه.
الصوت لم يكن بعيداً عند النهر.
كان أمام الباب.
“يا عمو… أنا ضائعة.”
جلس في مكانه، والبرد يزحف إلى أطرافه.
طرق خفيف على الباب.
“افتح. الكلاب تخيفني.”
لم يتحرك.
قال بصوت مرتجف: “من أنتِ؟”
في اللحظة التي خرج فيها السؤال من فمه، شعر أنه ارتكب خطأ.
توقف الطرق.
ثم جاء الصوت، أقرب وأهدأ:
“أنت أجبتني.”
نهض بسرعة، ووضع يده على فمه كأنه يستطيع إعادة الكلمة إلى داخله. تراجع حتى اصطدم بالجدار.
خلف الباب، بدأ الصوت يتغير.
صار صوت أمه من جديد.
“لماذا تخاف مني يا عاصم؟ أنا أمك.”
لم يجب.
“كنتَ تبكي عندما تركتك.”
أغمض عينيه.
“كنت تقول إنك لم تودعني.”
بدأ صدره يضيق.
كانت تعرف.
كانت تعرف الجملة التي لم يقلها لأحد. عندما ماتت أمه، كان في المدينة. لم يصل إلا بعد الدفن. عاش سبع سنوات يحمل ذنباً صغيراً في قلبه، يكبر كلما تذكر وجهها.
قال الصوت: “افتح. دعني أراك مرة واحدة.”
اقتربت يده من الباب.
ثم سقط شيء من الرف بجانبه. كان مصحفاً قديماً تركه خاله في البيت. سقط مفتوحاً على الأرض. لم يكن عاصم شديد الالتزام، لكنه عندما رأى المصحف شعر كأن أحداً أيقظه من حلم خطير.
ابتعد عن الباب.
قال الصوت فجأة، بنبرة لم تعد تشبه أمه:
“لن تبقى قوياً كل ليلة.”
ثم اختفى.
في الصباح، وجد عاصم على الباب الخارجي آثار أصابع طينية.
كانت طويلة جداً.
أطول من أصابع أي إنسان.
ذهب إلى عبد الجليل وأخبره بما حدث.
غضب الرجل عندما عرف أنه أجاب الصوت.
قال: “لقد فتحت لها طريقاً.”
“لم أفتح الباب.”
“أحياناً الجواب باب.”
“ماذا سيحدث الآن؟”
قال عبد الجليل: “ستعرف صوتك أكثر. ستقترب. ستجرب وجوهاً جديدة. ستناديك بما تحب، وبما تكره، وبما تخاف أن تسمعه.”
“كيف أوقفها؟”
لم يجب الرجل مباشرة.
ثم قال: “هناك امرأة في آخر القرية. اسمها حليمة. كانت تعرف أمك. اسألها، لكن لا تذهب بعد المغرب.”
ذهب عاصم إلى حليمة قبل الظهر.
كانت امرأة عجوزاً تعيش وحدها في بيت صغير تحيط به نباتات يابسة. عندما رأته، لم تتفاجأ.
قالت قبل أن يتكلم: “نادتك بصوت أمينة.”
جلس أمامها بصمت.
قالت: “أمك كانت تخاف أن يحدث هذا.”
رفع رأسه بسرعة.
“أمي؟”
“نعم. قبل موتها بأيام، جاءتني وقالت إنها تسمع من يناديها بصوت أبيك الميت. كانت تعرف أنها ليست روحاً طيبة. كانت تعرف أن شيئاً قرب النهر يحاول أخذها.”
شعر عاصم أن الأرض تهتز تحته.
“لماذا لم يخبرني أحد؟”
قالت حليمة: “لأن أمك طلبت ذلك. قالت لا تجعلوا ابني يرث خوفي.”
“وماذا حدث لها؟”
سكتت العجوز طويلاً.
“في الليلة الأخيرة، خرجت أمك من البيت. وجدناها عند النهر في الفجر. كانت حية، لكنها لا تتكلم. ماتت بعد يومين.”
“قالوا لي إنها ماتت بسبب المرض.”
“الناس يقولون ما يساعدهم على النوم.”
شعر عاصم بالغضب والحزن معاً.
“هل الندّاهة قتلتها؟”
قالت حليمة: “لا أعرف. لكن أمك عادت من النهر وهي تمسك شيئاً في يدها.”
“ما هو؟”
نهضت العجوز ببطء، ودخلت غرفة صغيرة، ثم عادت بصندوق خشبي قديم. فتحته وأخرجت منه قطعة قماش ملفوفة. داخلها كانت هناك حلقة معدنية صغيرة، سوداء من الصدأ، تشبه جزءاً من سلسلة.
قالت: “قالت أمك قبل أن تصمت: إذا عاد عاصم وسمع الصوت، أعطيه هذه.”
أخذ عاصم الحلقة بيد مرتجفة.
كانت باردة جداً.
“ماذا أفعل بها؟”
قالت حليمة: “لا أعرف. لكنها قالت جملة واحدة: الصوت مربوط بالماء، لكن اسمه مربوط بالحديد.”
لم يفهم عاصم شيئاً.
عاد إلى البيت قبل المغرب. طوال الطريق، كان يشعر أن الحقول تراقبه. وضع الحلقة المعدنية على الطاولة، وجلس أمامها. كانت صغيرة، عادية، لكنها تحمل ثقلاً غريباً.
بعد العشاء، جاء عبد الجليل ومعه منصور. قالا إنهما لن يتركاه وحده في تلك الليلة. جلسوا في البيت، أغلقوا الأبواب، وتركوا المصباح مشتعلاً.
قال منصور: “إذا سمعت أي صوت، لا تجب.”
قال عبد الجليل: “وإذا سمعت صوت أحدنا من الخارج، لا تفتح. نحن هنا.”
مرت الساعات ببطء.
عند منتصف الليل، بدأ النهر يصدر صوتاً غريباً. لم يكن صوت ماء يجري، بل كأنه ماء يغلي بعيداً. ثم هبت رائحة طين قوية، رغم أن النوافذ مغلقة.
انطفأ المصباح مرة واحدة ثم عاد.
قال منصور: “بدأت.”
جاء النداء من بعيد.
هذه المرة، لم يكن صوت أمه فقط.
كان صوت أمه وصوت الطفلة وصوت رجل مجهول، كلها متداخلة.
“عاصم…”
ثم طرق الباب.
لم يتحرك أحد.
قال صوت من الخارج، يشبه صوت عبد الجليل تماماً: “افتحوا. أنا نسيت الفانوس في الخارج.”
نظر عاصم إلى عبد الجليل الجالس أمامه.
كان الرجل شاحباً.
قال منصور بصوت منخفض: “لا أحد يتكلم.”
عاد الصوت، هذه المرة بصوت منصور: “افتح يا عاصم. الرجل الذي معك ليس منصور.”
التفت عاصم إلى منصور الحقيقي. كان يمسك عصاه بقوة.
ثم جاء صوت أمه:
“لا تثق بهم. هم أخفوا عنك موتي.”
كادت أعصاب عاصم تنهار.
قال عبد الجليل همساً: “لا تجعلها تفرقنا.”
لكن الصوت تابع: “اسألهم لماذا تركوني عند النهر.”
نظر عاصم إليهما.
لم يتكلم.
بدأ الباب يهتز.
لم يكن هناك طرق الآن، بل ضغط مستمر من الخارج. الخشب يئن. الكرسي الموضوع خلف الباب بدأ يتحرك قليلاً.
أمسك منصور بالعصا، ووقف أمام الباب.
قال بصوت عال: “ليس لك عندنا أحد.”
سكت كل شيء.
ثم جاء صوت امرأة لم يسمعها عاصم من قبل.
كان عميقاً وناعماً.
“كل من يشتاق، لي عنده طريق.”
فجأة، تحركت الحلقة المعدنية على الطاولة.
دارت حول نفسها مرة واحدة، ثم توقفت باتجاه الباب.
نظر الثلاثة إليها.
قال عبد الجليل: “هذه من أين؟”
قال عاصم: “كانت مع أمي.”
اقترب منصور منها بحذر.
“هذه ليست حلقة عادية. هذه من قيد قديم.”
في الخارج، تغير الصوت.
صار غاضباً.
“أعيدوا ما ليس لكم.”
قالت حليمة إن الاسم مربوط بالحديد. فهم عاصم أن الحلقة ليست مجرد أثر. ربما كانت جزءاً من شيء يحبس الصوت أو يكشفه.
أمسك الحلقة، فشعر ببرودة حادة تصعد في يده. وفي اللحظة نفسها، رأى ومضة قصيرة في عقله.
رأى النهر في ليلة فيضان.
رأى امرأة تقف في الماء حتى ركبتيها.
رأى سلسلة حديدية قديمة مربوطة بجذر شجرة.
ورأى ظلاً طويلاً يحاول الخروج من الماء، لكنه لا يستطيع لأن شيئاً يشده من الأسفل.
ثم رأى أمه، أمينة، تقطع جزءاً من السلسلة وتأخذه معها.
عاد إلى وعيه وهو يلهث.
قال: “أمي أخذت هذه من النهر.”
قال منصور: “إذن هي لم تكن ضحية فقط. كانت تحاول منعه.”
اشتد الطرق على الباب.
قال الصوت: “أعيدوا الحديد، وأعطيكم الصوت الذي تريدونه.”
قال عاصم بصوت مرتجف: “ماذا تريد؟”
صرخ عبد الجليل: “لا تجبها.”
لكن الأوان كان قد فات.
هدأ الباب.
قال الصوت بنعومة شديدة: “أريد اسمي.”
“ما اسمك؟”
ضحك الصوت.
“لو كنت أعرفه، لما ناديتكم بأسماء موتاكم.”
في تلك اللحظة، فهم عاصم شيئاً مرعباً. الندّاهة لم تكن تنادي الناس فقط لتأخذهم. كانت تبحث من خلالهم عن اسم، عن هوية، عن شكل، عن ذاكرة تستطيع أن تدخل منها إلى العالم.
قال منصور: “لا تعطها اسماً.”
لكن عاصم كان يفكر في أمه. لماذا أخذت الحلقة؟ ماذا كانت تحاول أن تفعل؟
قال عبد الجليل: “أمك ربما عرفت أن الشيء مربوط هناك. إذا أعدنا الحلقة إلى السلسلة قبل الفجر، قد يبتعد.”
“أو يتحرر بالكامل”، قال منصور.
لم يكن أمامهم خيار واضح.
البقاء في البيت يعني أن الصوت سيعود كل ليلة، أقرب وأقوى. والخروج إلى النهر يعني السير نحو الشيء نفسه الذي حذروا الناس منه طوال العمر.
قبل الفجر بساعة، قرر عاصم الخروج.
رفض عبد الجليل في البداية، لكن منصور قال: “إذا لم يخرج الآن، سيخرج وحده لاحقاً. الأفضل أن نذهب معه.”
خرج الثلاثة من البيت. كان الطريق إلى النهر مغطى بضباب كثيف. لم يكن هناك قمر. كل شيء ساكن بطريقة غير طبيعية. حتى الكلاب لم تنبح.
كان عاصم يحمل الحلقة في يده، ومنصور يحمل فانوساً، وعبد الجليل يمشي خلفهما وهو يردد أدعية بصوت منخفض.
كلما اقتربوا من الماء، بدأوا يسمعون أصواتاً.
أصوات كثيرة تأتي من بين القصب.
“يا أبي…”
“يا ولدي…”
“لا تتركني…”
“أنا هنا…”
كانت الأصوات تختار قلوبهم بدقة. توقف عبد الجليل مرة عندما سمع صوت ابنته التي ماتت صغيرة. كاد يجيب، لكن منصور ضرب الأرض بعصاه وقال: “امشِ.”
وصلوا إلى الشجرة القديمة قرب النهر. كانت ضخمة، جذورها داخلة في الطين والماء. عند أصلها، وجدوا بقايا سلسلة صدئة نصفها مدفون.
اقترب عاصم، فبدأت الحلقة في يده ترتجف.
قال منصور: “بسرعة.”
انحنى عاصم وربط الحلقة في مكانها المكسور. لم يكن الأمر سهلاً. الحديد كان بارداً، والطين لزجاً، والماء يسحب قدميه كأنه يريد أخذه.
عندما اتصلت الحلقة بالسلسلة، ساد صمت كامل.
ثم خرج من الماء صوت امرأة تبكي.
لم يكن صوت أمه.
كان صوتاً قديماً جداً.
قالت: “من أعاد القيد، يسمع الاسم.”
بدأ الماء يتحرك.
ظهرت فقاعات سوداء قرب الجذور. ثم ارتفع ظل من النهر، لا جسد له، لا وجه، فقط هيئة طويلة من ماء وظلام وقصب. كان كأنه يتكون من أصوات كثيرة، كل صوت يحاول أن يكون هو الأصل.
تراجع عبد الجليل ومنصور.
أما عاصم فبقي مكانه.
قال الظل: “أعطني اسمك، أعطيك أمك.”
رأى عاصم أمه على حافة الماء.
كانت تقف بثوبها القديم، تبتسم له، تمد يدها. لم تكن مخيفة. لم تكن مشوهة. كانت كما تذكرها تماماً.
قالت: “يا عاصم، تعبت من الغياب.”
دمعت عيناه.
خطا خطوة نحوها.
ثم رأى شيئاً صغيراً في يدها.
لم تكن يد أمه تحمل الحلقة كما في الرؤية. كانت أصابعها طويلة جداً، مغطاة بالطين.
توقف.
قال: “أمي كانت تخاف عليّ. لم تكن لتطلب مني الاقتراب.”
تغير وجهها.
لم يعد وجه أمه.
صار وجهاً بلا ملامح، ثم انفتح مثل ماء أسود.
صرخ الظل بصوت كل الذين فقدهم الناس:
“كل من تنادونه يأتينا. كل حزن باب. كل اسم حبل.”
أمسك عاصم بالسلسلة بكل قوته.
قال منصور: “لا تفعل.”
لكن عاصم بدأ يلف السلسلة حول جذر الشجرة. شعر أن الحديد يحرق يديه من شدة البرودة. الظل يتحرك نحوه. الأصوات تصرخ. أمه تناديه. الطفلة تبكي. صوت أبيه الذي بالكاد يتذكره يطلب منه أن يلتفت.
لم يلتفت.
ربط السلسلة، ثم ضغط الحلقة في موضعها حتى جرحت كفه.
عندها سمع صوت أمه الحقيقي.
لم يأتِ من الماء.
جاء من داخله.
“لا ذنب عليك يا ابني.”
توقف كل شيء.
لم يكن الصوت نداءً، ولم يكن طلباً، ولم يكن فخاً. كان وداعاً.
انفجر الفجر من خلف الحقول بخيط ضوء شاحب. ومع أول نور، تراجع الظل إلى الماء. لم يختفِ تماماً. بل غرق ببطء، وهو يهمس:
“ما دام في الناس شوق، سأجد طريقاً.”
عاد النهر ساكناً.
سقط عاصم على الطين، ويداه ترتجفان. ساعده منصور على الوقوف. أما عبد الجليل فكان يبكي بصمت.
عادوا إلى القرية عند شروق الشمس.
لم يسألهم أحد أين كانوا. ربما رأى بعض الناس، وربما لم يرد أحد أن يعرف.
في اليوم التالي، قرر عاصم ألا يبيع البيت.
رممه قليلاً، لكنه لم يقترب من الطريق المؤدي إلى النهر بعد المغرب. وضع عند الباب مصباحاً صغيراً يبقى مشتعلاً حتى الفجر. ليس لأنه يصدق كل الحكايات، بل لأنه تعلم أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى تصديق كامل كي تخاف منها.
مرت أشهر.
لم يسمع عاصم صوت أمه مرة أخرى.
لكن الندّاهة لم تختفِ من القرية تماماً.
كان الناس أحياناً يسمعون نداءات بعيدة في الليالي التي يكثر فيها الضباب. أصواتاً خافتة تأتي من بين القصب، تنطق أسماء لا يعرفون أصحابها. وإذا اقترب أحدهم من الماء في الصباح، وجد آثار أقدام صغيرة تبدأ من النهر وتنتهي عند جذور الشجرة القديمة.
بعد عام، أصبح عاصم يزور قبر أمه كل أسبوع. كان يجلس قليلاً، يقرأ لها ما يستطيع، ثم يعود قبل الغروب. وفي إحدى المرات، وجد على القبر قطعة قماش صغيرة مبللة بالطين.
داخلها كان هناك جزء صغير من حديد صدئ.
حلقة أخرى.
حملها إلى حليمة، فبقيت تنظر إليها طويلاً.
قالت: “إذن السلسلة لم تكتمل.”
شعر عاصم أن الحكاية التي ظنها انتهت بدأت تفتح باباً جديداً.
سألها: “كم حلقة كانت في السلسلة؟”
قالت العجوز: “لا أحد يعرف. لكن أمك لم تكن الوحيدة التي أخذت منها شيئاً.”
في تلك الليلة، لم ينم عاصم.
جلس في فناء البيت، والمصباح الصغير مشتعل قرب الباب. كان الهواء ساكناً، والقرية هادئة، والنهر بعيداً لكنه حاضر في قلب الظلام.
قرب منتصف الليل، سمع صوتاً خافتاً من جهة الحقول.
لم يكن صوت أمه.
ولم يكن صوت طفلة.
كان صوت رجل مجهول ينادي اسماً لا يعرفه:
“سالم…”
ثم صوت آخر:
“ليلى…”
ثم صوت ثالث:
“محمود…”
كانت النداءات كثيرة، متفرقة، كأن الظلام يقرأ قائمة طويلة من أسماء ضائعة.
أمسك عاصم بالحلقة الجديدة، وشعر ببرودتها في يده.
فهم أن الندّاهة لم تكن امرأة واحدة تقف قرب الماء.
كانت ذاكرة مظلمة، تتغذى على الأصوات التي تركها الحزن مفتوحة. كانت تتشكل من خوف الناس، ومن الأسماء التي قيلت في الليل، ومن الذين خرجوا ولم يعودوا، ومن الذين عادوا لكنهم تركوا جزءاً منهم عند النهر.
وفي آخر الليل، قبل الفجر بقليل، جاءه صوت أمه مرة واحدة فقط.
لم ينادِه إلى الماء.
لم يطلب منه شيئاً.
قال بهدوء:
“لا تتبع الصوت يا عاصم. اتبع الأثر.”
عند الصباح، ذهب إلى الشجرة القديمة.
وجد عند الجذور أثراً جديداً.
لم يكن أثر قدم.
كان خطاً طويلاً في الطين، كأن سلسلة كبيرة سُحبت تحت الماء.
ومن بعيد، خلف الضباب، رأى ظل امرأة تقف عند الضفة الأخرى.
لم تكن تنادي.
كانت تنتظر.
عاد عاصم إلى القرية وهو يعرف أن الحكاية لم تنتهِ. لكنها لم تعد مجرد خوف يطارده. أصبحت وصية تركتها أمه، وسراً مربوطاً بالماء والحديد والأسماء.
ومنذ ذلك اليوم، صار أهل القرية يكررون تحذيراً جديداً لأطفالهم.
لا تمشوا قرب النهر بعد منتصف الليل.
لا تجيبوا صوتاً يعرف أسماءكم.
ولا تظنوا أن كل من يناديكم يريد أن يجدكم.
فبعض الأصوات لا تبحث عنكم لأنها تحبكم.
بل لأنها لا تستطيع الخروج من الظلام إلا إذا فتحت لها قلوبكم الباب.
هذا المحتوى لأغراض ترفيهية وثقافية، ولا يهدف إلى إثبات أو نفي أي ظاهرة غيبية.