الغرفة التي بقي ضوؤها مشتعلاً 13 عاماً،


فريق كابوس
لم يكن أحد في القرية يحب المرور قرب ذلك البيت بعد غروب الشمس.
لم يكن البيت كبيراً ولا فخماً، ولم يكن معزولاً تماماً عن الناس، لكنه كان يملك شيئاً لا يوجد في أي بيت آخر. في الطابق العلوي، خلف نافذة ضيقة تطل على الطريق الترابي القديم، بقي ضوء أصفر خافت مشتعلاً طوال ثلاثة عشر عاماً.
ثلاثة عشر عاماً كاملة.
لم ينطفئ الضوء في الشتاء، ولا في الصيف، ولا في الليالي التي تقطع فيها الكهرباء عن القرية كلها. كان الناس يرون العتمة تبتلع البيوت واحداً تلو الآخر، ثم يرفعون أعينهم نحو ذلك البيت فيجدون الضوء كما هو، ثابتاً، بارداً، كأنه لا يعمل بالكهرباء، بل بشيء آخر لا يريد أحد أن يسميه.
كان البيت يعود لعائلة صغيرة اسمها عائلة الرشيد.
الأب كان يدعى محمود الرشيد، رجل هادئ قليل الكلام، يعمل في تصليح الساعات القديمة. لم يكن يخرج كثيراً، ولم يكن يختلط بالناس إلا عند الضرورة. أما زوجته سلمى، فكانت معروفة بطيبتها وحرصها الشديد على بيتها وطفلها الوحيد يونس.
يونس كان في العاشرة من عمره عندما بدأت القصة.
كان طفلاً نحيفاً، ذا عينين واسعتين، لا يلعب كثيراً مع أطفال الحي. كان يجلس معظم الوقت قرب النافذة، يراقب الشارع كأنه ينتظر شخصاً لا يأتي. وكان كل من رآه يقول إن الطفل يحمل حزناً أكبر من عمره.
في إحدى ليالي الخريف، سمع الجيران صراخاً من بيت الرشيد.
لم يكن صراخاً عادياً.
كان صوت امرأة مذعورة تنادي باسم ابنها مراراً:
“يونس… يونس… افتح الباب.”
ثم تلا ذلك صوت طرق قوي على باب في الطابق العلوي، ثم صوت رجل يصرخ بكلمات غير مفهومة، ثم صمت ثقيل هبط على المكان فجأة.
في الصباح، خرج محمود الرشيد إلى الناس بوجه شاحب، وقال إن يونس مات أثناء الليل.
لم يشرح أكثر.
لم يسمح لأحد برؤية الطفل.
لم يفتح باب الغرفة التي كان فيها.
دفنوه في اليوم نفسه، في جنازة صغيرة غريبة، لم تحضرها الأم. قال محمود إن سلمى مريضة ولا تستطيع الخروج. وبعد الدفن، أغلق البيت على نفسه.
منذ تلك الليلة، اشتعل الضوء في غرفة يونس ولم ينطفئ.
في البداية، ظن الناس أن الأمر مجرد حزن أب وأم على ابنهما الوحيد. قالوا إن سلمى لا تريد إطفاء ضوء غرفة طفلها، وربما تريد أن تشعر أنه ما زال هناك.
مرت أيام.
ثم أسابيع.
ثم شهور.
وظل الضوء مشتعلاً.
بعد عام كامل، بدأت الأسئلة تكبر.
لماذا لا ينطفئ الضوء؟ من يغير المصباح؟ لماذا لا يحترق؟ ولماذا لم يدخل أحد إلى تلك الغرفة منذ الليلة التي مات فيها يونس؟
كان محمود يظهر أحياناً في السوق، يشتري الخبز والحليب والشموع وعلب الدواء. صار شعره أبيض بسرعة، وازدادت حدة نظرته. أما سلمى فلم يرها أحد بعد موت ابنها. كان البعض يقول إنها فقدت عقلها. والبعض الآخر يقول إنها ماتت وأن محمود أخفى موتها. لكن لا أحد كان يملك دليلاً.
بعد ثلاث سنوات، حدث أول أمر غريب.
كان رجل يدعى أبو ناصر عائداً إلى بيته بعد صلاة العشاء. كان الطريق خالياً والبرد شديداً. وعندما مر قرب بيت الرشيد، سمع صوت طفل ينادي من الطابق العلوي:
“عمي… هل تعرف أين أمي؟”
تجمد الرجل في مكانه.
رفع رأسه نحو النافذة المضيئة، فرأى ظل طفل صغير واقفاً خلف الزجاج.
لم يكن الوجه واضحاً، لكن القامة كانت قامة طفل.
عاد أبو ناصر إلى بيته وهو يرتجف. في الصباح، حكى ما سمعه، فضحك البعض وخاف البعض. قالوا إن الرجل كبير في السن وربما تخيل الصوت بسبب الظلام والتعب.
لكن بعد أسبوع، سمعته امرأة أخرى.
كانت تحمل سلة خبز وتعود إلى بيتها قبيل المغرب، وعندما اقتربت من البيت، سمعت صوت طفل يضحك خلف النافذة. لم يكن الضحك مرتفعاً، بل خافتاً ومخنوقاً، كأنه صادر من غرفة مغلقة منذ زمن طويل.
نظرت إلى الأعلى، فرأت الستارة تتحرك ببطء، رغم أن النافذة كانت مغلقة.
منذ ذلك اليوم، صار أهل القرية يغيرون طريقهم بعد الغروب. لا أحد يريد المرور بجانب البيت. حتى الأطفال كانوا إذا اقتربوا منه أثناء اللعب، يصرخ أحدهم:
“ابتعدوا، هذه غرفة يونس.”
كبرت الحكاية مع الوقت.
قال بعضهم إن محمود قتل ابنه وأخفى الحقيقة.
وقال آخرون إن يونس لم يمت أصلاً، وإنه ما زال محبوساً في الغرفة.
أما أكثر الروايات رعباً، فكانت تقول إن من مات في تلك الليلة لم يكن يونس، بل شيء آخر كان يشبهه، وإن الطفل الحقيقي لم يغادر الغرفة أبداً.
لم يكن هناك من يملك الشجاعة للسؤال.
حتى المختار نفسه كان يتجنب الكلام عن البيت. كان يقول دائماً:
“هذه أحزان عائلة، وليس لنا أن نفتش في أحزان الناس.”
لكن الحزن لا يبقي الضوء مشتعلاً ثلاثة عشر عاماً.
في العام الثالث عشر، عاد إلى القرية شاب اسمه سامر.
كان سامر ابن أخت سلمى، وقد عاش طفولته في القرية قبل أن ينتقل مع والده إلى المدينة. كان يتذكر بيت خالته جيداً. كان يتذكر رائحة الخبز في مطبخها، وصوت يونس وهو يركض في الفناء، ومحمود وهو يصلح الساعات تحت ضوء مصباح صغير.
عاد سامر بعد وفاة والده، ليبيع أرضاً قديمة تركتها العائلة. لم يكن ينوي البقاء أكثر من أيام قليلة.
في الليلة الأولى، بينما كان يجلس في بيت جده المهجور يرتب الأوراق، نظر من النافذة فرأى الضوء في الطابق العلوي من بيت الرشيد.
سأل جاره العجوز:
“من يسكن هناك الآن؟”
نظر الرجل إلى البيت ثم أخفض صوته.
“محمود ما زال هناك.”
“وخاليتي سلمى؟”
صمت العجوز قليلاً.
“لا أحد يعرف.”
ضحك سامر ظناً منه أن الرجل يمزح، لكن العجوز لم يضحك.
قال له:
“لا تسأل عن ذلك البيت يا ولدي. كل من سأل، ندم.”
لم يقتنع سامر.
في الصباح التالي، ذهب إلى بيت الرشيد.
كان الباب الخارجي قديماً، والطلاء متقشراً، والأعشاب اليابسة تغطي جانب الجدار. طرق الباب ثلاث مرات. لم يجب أحد. كاد أن يغادر، لكنه سمع حركة بطيئة من الداخل، ثم فتح الباب قليلاً.
ظهر محمود الرشيد.
لم يعرفه سامر في البداية. كان الرجل قد تغير كثيراً. وجهه غائر، عيناه محاطتان بسواد عميق، ويداه ترتجفان كأنهما تحملان برداً لا ينتهي.
قال سامر:
“عمي محمود… أنا سامر. ابن أخت خالتي سلمى.”
نظر إليه محمود طويلاً، ثم قال بصوت جاف:
“أعرفك.”
“أردت أن أطمئن عليكم.”
ضاقت عينا محمود.
“نحن بخير.”
“أين خالتي سلمى؟”
تغير وجه الرجل فجأة. لم يغضب، لكنه بدا كمن سمع اسماً ممنوعاً.
قال:
“سلمى لا تقابل أحداً.”
“هل هي مريضة؟”
“قلت لك لا تقابل أحداً.”
ثم بدأ يغلق الباب.
لكن قبل أن ينغلق تماماً، سمع سامر صوتاً من داخل البيت.
كان صوت امرأة خافتة تقول:
“سامر؟”
توقف محمود.
توقف سامر أيضاً.
حاول أن ينظر من فتحة الباب، لكن محمود أغلقه بسرعة.
بقي سامر واقفاً في الخارج، وقلبه يخفق بقوة.
كان الصوت صوت خالته.
ضعيفاً، مكسوراً، لكنه صوتها.
عاد في اليوم التالي ومعه كيس فيه بعض الطعام والدواء. طرق الباب من جديد. انتظر طويلاً حتى فتح محمود.
قال سامر بهدوء:
“لن أتدخل في شيء. فقط دعني أراها.”
رد محمود:
“لا تستطيع.”
“لماذا؟”
“لأنها اختارت ذلك.”
“اختارت ماذا؟”
نظر محمود خلفه كأنه يخاف أن يسمعه أحد، ثم قال:
“اختارت أن تبقى حيث تسمع صوته.”
شعر سامر ببرودة في ظهره.
“صوت من؟”
لم يجب محمود.
لكن سامر رفع رأسه نحو الطابق العلوي. كانت النافذة المضيئة هناك، ساكنة كعين مفتوحة.
قال سامر:
“ضوء غرفة يونس ما زال مشتعلاً؟”
ارتجفت شفتا محمود.
“لا تذكر اسمه أمام الباب.”
“عمي، ماذا حدث في تلك الليلة؟”
اقترب محمود منه فجأة وقال بصوت منخفض:
“الناس تقول إن الطفل مات. دعهم يقولون ذلك. الموت أرحم من بعض الأبواب.”
ثم أغلق الباب.
لم ينم سامر تلك الليلة.
ظل يفكر في الكلمات.
الموت أرحم من بعض الأبواب.
في منتصف الليل، سمع طرقاً خفيفاً على نافذة غرفته.
كان بيت جده قريباً من بيت الرشيد، والنافذة تطل على الطريق نفسه. نهض ببطء وفتح الستارة.
لم يكن هناك أحد.
لكن في الجهة المقابلة، رأى الضوء في غرفة يونس يومض للمرة الأولى.
لم يكن يومض كضوء كهربائي عادي. كان يخفت قليلاً ثم يعود، كأن شخصاً داخل الغرفة يمر أمامه ذهاباً وإياباً.
ثم رأى شيئاً جعله يتراجع خطوة إلى الخلف.
على زجاج النافذة المضيئة، ظهرت كف صغيرة.
كف طفل.
بقيت ملتصقة بالزجاج لثوانٍ، ثم اختفت.
في الصباح، ذهب سامر إلى المختار.
كان رجلاً في السبعين، يجلس أمام بيته ومعه مسبحة طويلة. عندما ذكر سامر بيت الرشيد، توقف المختار عن تحريك المسبحة.
قال سامر:
“أريد أن أعرف ماذا حدث فعلاً قبل ثلاثة عشر عاماً.”
تنهد المختار.
“بعض القصص لا تنتهي عندما نعرفها. بل تبدأ.”
“أنا قريبهم. ولي حق أن أعرف.”
نظر المختار إلى الطريق طويلاً ثم قال:
“في تلك الليلة، جاء محمود إلى بيتي قبل الفجر. كان وجهه أبيض كالجدار. قال إن يونس مات. طلب أن تتم إجراءات الدفن بسرعة. سألته عن الطبيب، فقال إن الطبيب رآه. لكن الطبيب غادر القرية بعد يومين ولم يعد.”
“هل رأيت الجثة؟”
صمت المختار.
“لا.”
“دفنتم طفلاً لم يره أحد؟”
قال المختار بصوت متعب:
“كنا نثق بمحمود.”
“وماذا عن سلمى؟”
“منذ تلك الليلة وهي لا تخرج.”
“لكنها ما زالت حية.”
“ربما.”
“ماذا تعني ربما؟”
خفض المختار صوته.
“قبل سنوات، حاولت زيارتها. فتح محمود الباب قليلاً، وسمعت صوتها من الداخل. كانت تبكي وتقول: أطفئوا الضوء. ثم قال محمود: إذا انطفأ، سيخرج.”
سكت سامر.
كان كل جواب يفتح سؤالاً أسوأ.
في المساء، عاد إلى بيت الرشيد، لكنه لم يطرق الباب هذه المرة. وقف بعيداً يراقب النافذة المضيئة. كان الجو ساكناً. لا ريح، لا حركة، لا صوت.
ثم رأى الستارة تتحرك.
بعدها، ظهر ظل امرأة خلف الزجاج.
لم يكن ظل طفل هذه المرة.
كان ظل امرأة تقف منحنية، كأنها متعبة جداً.
رفع سامر يده بتردد، وكأنه يحييها.
بقي الظل مكانه.
ثم ارتفعت يد المرأة ببطء، وأشارت إلى الأسفل.
إلى الباب.
ركض سامر نحو البيت وطرق الباب بقوة.
فتح محمود بعد لحظات، وكانت عيناه مليئتين بالخوف.
“ماذا تريد؟”
“خالتي في الأعلى. رأيتها.”
صرخ محمود:
“لا يوجد أحد في الأعلى.”
“رأيتها بعيني.”
“اذهب.”
حاول سامر أن يدخل، لكن محمود دفعه. وفي تلك اللحظة، سمعا صوت ارتطام قوي في الطابق العلوي.
كأن شيئاً ثقيلاً سقط خلف باب مغلق.
تراجع محمود، ووضع يده على صدره.
ثم سمعا صوت امرأة تصرخ:
“سامر… لا تتركه يفتح الباب وحده.”
نظر سامر إلى محمود.
كان الرجل يبكي بصمت.
قال سامر:
“افتح لي.”
هز محمود رأسه بقوة.
“لا.”
“خالتي تحتاج للمساعدة.”
قال محمود بصوت مكسور:
“سلمى ماتت منذ سبع سنوات.”
تجمد سامر.
“ماذا؟”
“ماتت في غرفتها. دفنتها بعيداً عن القرية. لم أرد أن يعرف أحد.”
“إذن من الذي يتكلم؟”
لم يجب محمود.
كان الجواب واضحاً في عينيه: هو لا يعرف. أو يعرف ولا يستطيع أن يقوله.
في تلك الليلة، دخل سامر البيت لأول مرة منذ طفولته.
لم يدعُه محمود، لكنه لم يمنعه أيضاً. كأنه تعب من حراسة السر.
كان البيت من الداخل بارداً بشكل غير طبيعي. الأثاث مغطى بالغبار، والروائح القديمة تملأ الممرات. على الجدران، كانت صور العائلة معلقة كما هي. محمود، سلمى، ويونس.
لكن صورة يونس كانت مختلفة.
كانت مقلوبة.
سأل سامر:
“لماذا الصورة مقلوبة؟”
قال محمود:
“حتى لا ينظر إلينا.”
صعدا الدرج ببطء.
مع كل خطوة، كان الضوء الأصفر في الأعلى يزداد وضوحاً. لم يكن ضوءاً قوياً، لكنه كان ثابتاً بطريقة مزعجة. كأنه ينتظر.
في نهاية الدرج، كان هناك ممر ضيق. على يساره بابان، وعلى يمينه باب واحد. الباب الموجود في آخر الممر كان مغلقاً بقفل حديدي كبير، وتحت الباب كان الضوء يخرج بخيط رفيع على الأرض.
قال محمود:
“هذه كانت غرفة يونس.”
“وماذا أصبحت؟”
أجاب محمود:
“مكاناً لا يغفر.”
اقترب سامر من الباب.
كان الخشب بارداً، رغم أن الضوء خلفه يوحي بالدفء. وضع أذنه على الباب. في البداية لم يسمع شيئاً. ثم جاء الصوت.
صوت طفل يهمس:
“أمي قالت إنك ستأتي.”
ابتعد سامر بسرعة.
قال محمود:
“لا ترد عليه.”
لكن الصوت تابع:
“سامر… لماذا كبرت وحدك؟”
كان الصوت يعرفه. ليس اسمه فقط، بل شيئاً من طفولته. تذكر سامر فجأة أياماً قديمة كان يزور فيها خالته ويلعب مع يونس في الفناء. تذكر أن يونس كان يقول له دائماً:
“عندما أكبر سأصير صانع ساعات مثل أبي، لكنني سأصنع ساعة توقف الوقت.”
شعر سامر أن الأرض تميل تحته.
سأل بصوت مرتجف:
“من بالداخل؟”
صرخ محمود:
“قلت لا ترد.”
فجأة، خفت الضوء خلف الباب.
ثم سمعا صوت خطوات صغيرة تقترب.
خطوة.
ثم خطوة.
ثم توقف.
وجاء الصوت ملاصقاً للباب:
“أبي يقول إنني مت. هل تصدقه؟”
تراجع محمود حتى التصق بالجدار. كان يضع يده على فمه كي لا يصرخ.
قال سامر:
“ماذا فعلت به؟”
همس محمود:
“لم أفعل شيئاً. أنا فقط فتحت الباب الخطأ.”
جلس الرجل على الأرض بجانب الجدار، كأنه لم يعد قادراً على الوقوف. وبعد صمت طويل، بدأ يحكي.
قال إن يونس لم يكن طبيعياً في أيامه الأخيرة قبل الحادثة. كان يستيقظ كل ليلة ويقول إن هناك ضوءاً في غرفته لا يراه أحد غيره. كانت سلمى تظن أنه يخاف من الظلام، فتركت له مصباحاً صغيراً بجانب السرير. لكن يونس قال إن الضوء ليس من المصباح.
قال إن الضوء يأتي من زاوية الغرفة.
زاوية فارغة.
ثم بدأ الطفل يتحدث أثناء نومه. كان يقول كلمات غريبة، وكأنه يرد على شخص لا يسمعه أحد. في البداية، لم يهتم محمود. كان رجلاً عملياً لا يؤمن بالخرافات. لكنه في إحدى الليالي دخل غرفة ابنه فوجده واقفاً أمام الزاوية، يمد يده في الهواء ويقول:
“لا أستطيع الذهاب معك الآن. أمي ستبكي.”
سأله محمود:
“مع من تتكلم؟”
التفت إليه يونس وقال:
“مع الولد الذي يعيش داخل الضوء.”
منذ تلك الليلة، تغير كل شيء.
صار يونس يرسم دائرة صفراء في دفاتره. دائرة بداخلها باب صغير. كان يكتب تحتها جملة واحدة:
“إذا بقي الضوء مشتعلاً، لن يعرفوا أنني خرجت.”
سلمى خافت، وطلبت من محمود أن يأخذ الطفل إلى طبيب. وافق محمود، لكن الطبيب لم يجد شيئاً. قال إن الطفل يعاني من كوابيس وربما يحتاج إلى راحة.
لكن الكوابيس لم تكن كوابيس.
في الليلة الأخيرة، استيقظ محمود على صراخ سلمى. ركض إلى غرفة يونس، فوجد الباب مغلقاً من الداخل. كان الضوء يخرج من أسفل الباب، قوياً أصفر كأنه نار بلا حرارة.
كان يونس يصرخ من الداخل:
“أبي، لا تفتح. هو يريدك أن تفتح.”
لكن سلمى كانت تصرخ:
“افتح الباب. ابني بالداخل.”
حاول محمود كسر الباب. وعندما انفتح أخيراً، رأى شيئاً لم يستطع نسيانه.
كانت الغرفة مضاءة بالكامل، لكن المصباح لم يكن يعمل.
كان يونس واقفاً في منتصف الغرفة، ينظر إلى زاوية فارغة، ويمد يده إلى الأمام. أمامه، لم يكن هناك أحد، لكن ظل شخص طويل كان مرسوماً على الجدار.
ظل بلا جسد.
صرخت سلمى وركضت نحو ابنها. في تلك اللحظة، انطفأ الضوء لثانية واحدة فقط.
وعندما عاد، لم يكن يونس في الغرفة.
بدلاً منه، كان هناك جسد صغير على السرير، مغطى ببطانية.
اقترب محمود منه، وكشف وجهه.
كان وجه يونس.
لكن محمود أقسم لسلمى أنه لم يكن ابنها.
كان الوجه يشبهه، والجسد يشبهه، لكنه كان بارداً وقديماً، كأنه مات منذ زمن طويل.
أما من داخل الزاوية، فقد سمعا صوت يونس الحقيقي يقول:
“لا تطفئوا الضوء.”
بعد تلك الليلة، دفن محمود الجسد.
لم يخبر أحداً بالحقيقة، لأن من سيصدقه؟
أما سلمى، فرفضت مغادرة البيت. كانت تجلس كل ليلة أمام باب الغرفة، تستمع إلى صوت ابنها من الداخل. أحياناً كان يبكي. أحياناً كان يضحك. وأحياناً كان يطلب منها أن تفتح الباب.
لكن محمود منعها.
قال لها إن الصوت ليس يونس دائماً.
في بعض الليالي، كان الصوت يقلد يونس. وفي ليال أخرى، كان يقلد سلمى. وبعد سنوات، بدأ يقلد أصوات الجيران والأقارب، كأنه يتعلم.
قال محمود إن الضوء كان الشرط الوحيد.
إذا بقي مشتعلاً، يبقى الباب مغلقاً.
وإذا انطفأ، يخرج ما في الداخل.
سأله سامر:
“ومن أخبرك بذلك؟”
نظر محمود نحو الباب وقال:
“يونس… في الليالي التي كان صوته صوته فعلاً.”
سكت الممر.
ثم طرق أحدهم الباب من الداخل.
طرقة خفيفة.
ثم طرقة ثانية.
ثم قال صوت سلمى:
“محمود… تعبت. افتح لنا.”
أغمض محمود عينيه.
قال سامر:
“هذه خالتي.”
هز محمود رأسه.
“لا. سلمى ماتت وهي تسمع هذا الصوت.”
لكن الصوت أكمل:
“سامر… لا تصدقه. هو الذي أغلق علينا.”
كان في الصوت ألم حقيقي. ألم امرأة تعرف كيف تكسر قلب من يسمعها.
اقترب سامر من القفل.
صرخ محمود:
“لا.”
قال سامر:
“لو كان هناك أي احتمال أن خالتي أو يونس بالداخل، فلن أتركهما.”
“ليسا وحدهما.”
“ما الذي تقصده؟”
قبل أن يجيب محمود، انطفأ الضوء.
لم ينطفئ تدريجياً.
انقطع فجأة.
غرق الممر في ظلام كامل.
وفي الظلام، سمع سامر نفساً قريباً جداً من أذنه.
ثم صوت طفل يهمس:
“تأخرتم كثيراً.”
لم يعرف سامر كيف وصل إلى أسفل الدرج. كل ما تذكره أنه ركض، وأن محمود كان خلفه يصرخ:
“لا تنظر إلى الأعلى.”
لكن الإنسان يفعل أحياناً أكثر شيء يخاف منه.
التفت سامر.
في أعلى الدرج، عند باب الغرفة، لم يكن هناك ضوء.
لكن الباب كان مفتوحاً قليلاً.
ومن الفتحة خرجت يد صغيرة.
ثم يد أخرى.
ثم وجه طفل شاحب، بعينين واسعتين لا ترمشان.
كان يشبه يونس.
يشبهه كثيراً.
لكنه لم يكن طفلاً.
كان شيئاً تعلم شكل الطفل من الذاكرة.
ابتسم الكائن وقال بصوت يونس:
“أين أمي؟”
سقط محمود على الأرض وهو يردد:
“أعد الضوء… أعد الضوء…”
ركض سامر إلى الباب الخارجي، لكنه لم يفتح. كان مغلقاً كأنه تحول إلى جدار. سمع خطوات صغيرة تنزل الدرج ببطء. لم تكن خطوات طفل فقط. كانت معها خطوات أخرى، كثيرة، مختلطة، كأن الغرفة لم تكن تحبس شخصاً واحداً.
تذكر سامر فجأة شيئاً قاله يونس له في الطفولة:
“إذا خفت من الظلام، لا تركض. ابحث عن الساعة.”
نظر حوله بجنون. على الجدار قرب غرفة محمود، كانت هناك ساعة قديمة متوقفة. عقاربها تشير إلى الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة.
12:13.
تحت الساعة، كان هناك مفتاح صغير معلق بخيط أسود.
خطف سامر المفتاح، بينما كانت الخطوات تقترب. محمود، وهو يزحف على الأرض، أشار بيده نحو خزانة خشبية وقال:
“الصندوق… المصباح الاحتياطي… بسرعة.”
فتح سامر الخزانة، فوجد صندوقاً معدنياً صغيراً. فتحه بالمفتاح. داخله كان هناك مصباح قديم ملفوف بقماش أبيض، ومعه ورقة مكتوبة بخط سلمى.
قرأ سامر بسرعة:
“إذا انطفأ الضوء، لا تثق بأي صوت. لا تفتح الباب كاملاً. لا تسمح له أن يرى وجهك في المرآة. الضوء لا يمنعه من الخروج، بل يذكّره بالمكان الذي ينتمي إليه.”
لم يفهم كل شيء، لكنه فهم ما يكفي.
ركض نحو الدرج وهو يحمل المصباح. صرخ محمود خلفه:
“لا تصعد.”
لكن سامر صعد.
كان الممر العلوي بارداً، والظلام فيه أثقل من أي ظلام عرفه. الباب في آخر الممر مفتوح بمقدار كف. ومن خلفه، كان شيء يتحرك.
أدخل سامر المصباح في المقبس القديم بجانب الباب. لم يعمل.
حاول مرة ثانية.
لا شيء.
من داخل الغرفة، قال صوت يونس:
“هذا لن يعمل. أبي حاول كثيراً.”
شعر سامر بيأس يخنقه. ثم تذكر أن الضوء لم يكن كهرباء عادية. نظر إلى الورقة مرة أخرى. في أسفلها كانت هناك جملة صغيرة:
“لا تشعل المصباح كي ترى. أشعله كي يتذكرك.”
لم يفهم في البداية.
ثم تذكر يونس الحقيقي.
الطفل الذي كان يريد صنع ساعة توقف الوقت.
قال سامر بصوت مرتجف:
“يونس… إذا كنت تسمعني، أنا سامر. كنا نلعب قرب شجرة التين. أنت كسرت ساعتي الصغيرة وقلت لي إنك ستصلحها عندما تكبر.”
سكت كل شيء.
حتى الخطوات توقفت.
أكمل سامر:
“قلت لي إن الساعة لا تموت، فقط تنتظر من يعيد عقاربها.”
في تلك اللحظة، أضاء المصباح.
لم يكن ضوءاً قوياً، لكنه كان كافياً ليرتجف الظلام ويتراجع.
ومن خلف الباب، انطلق صراخ قصير، ليس صوت طفل ولا امرأة، بل صوت شيء كثير الحناجر.
أغلق سامر الباب بكل قوته.
ساعده محمود من الأسفل بالصراخ:
“القفل… القفل.”
أعاد سامر القفل إلى مكانه، ولف السلسلة حول المقبض، بينما كانت يد من الداخل تضرب الخشب. مرة كانت يد طفل. ومرة يد امرأة. ومرة أصابع طويلة سوداء لا تشبه البشر.
عاد الضوء الأصفر يخرج من أسفل الباب.
ثابتاً كما كان.
لكن هذه المرة، سمع سامر صوتاً مختلفاً.
صوت طفل يبكي بهدوء.
“سامر… لا تتركني هنا.”
تجمدت يده على القفل.
كان الصوت هذه المرة حقيقياً.
كان يعرف ذلك كما يعرف الإنسان صوت اسمه.
اقترب من الباب وهمس:
“يونس؟”
قال الصوت:
“أنا لا أستطيع الخروج. لكنه يستطيع أن يخرج بي.”
“كيف أساعدك؟”
جاء الجواب ضعيفاً:
“افتحوا النافذة عند الفجر. ليس الباب. النافذة.”
ثم اختفى الصوت.
في الأسفل، كان محمود جالساً على الأرض كأنه كبر عشرين عاماً في ليلة واحدة. نظر إلى سامر وقال:
“لقد كلمك.”
“نعم.”
“إذن بقي منه شيء.”
“لماذا لم تفتح النافذة من قبل؟”
أخفض محمود رأسه.
“لأن سلمى حاولت.”
“وماذا حدث؟”
“منذ سبع سنوات، قالت إنها سمعت يونس يطلب منها فتح النافذة عند الفجر. صعدت وحدها. لم تفتح الباب. فقط فتحت النافذة من الخارج بسلم طويل. في الصباح وجدتها في الفناء، ميتة، وعيناها مفتوحتان نحو الغرفة.”
“وماذا عن النافذة؟”
“كانت مغلقة من الداخل.”
صمت سامر طويلاً.
ثم قال:
“لكن ربما كانت الطريقة ناقصة.”
نظر محمود إليه بذعر.
“لا تفكر في ذلك.”
“ثلاثة عشر عاماً وأنت تحرس الضوء. إلى متى؟”
“إلى أن أموت.”
“وماذا بعد موتك؟”
لم يجب محمود.
كان هذا السؤال هو الشيء الوحيد الذي لم يجرؤ على التفكير فيه طوال السنوات الماضية.
مع اقتراب الفجر، جلس الرجلان في المطبخ القديم. لم يشربا شيئاً. لم يتكلما كثيراً. كان البيت صامتاً، لكن الصمت لم يكن فارغاً. كان كأنه يحتوي على آذان كثيرة تسمع كل نفس.
قبل شروق الشمس بقليل، قال سامر:
“سأصعد.”
قال محمود:
“لن أسمح لك.”
“لم تعد قادراً على منعي.”
“سيموت أحدنا.”
قال سامر:
“ربما. لكن ترك الباب مغلقاً ليس نجاة. إنه تأجيل.”
أخذ محمود مفتاحاً قديماً من جيبه. كان صدئاً ومعلّقاً بخيط أزرق.
“هذا مفتاح النافذة الداخلي. وجدته سلمى تحت وسادة يونس قبل أن تموت. لم أستخدمه أبداً.”
أخذه سامر.
“ماذا أفعل إذا سمعت صوت خالتي؟”
قال محمود:
“لا تجب.”
“وإذا سمعت يونس؟”
بكى محمود.
“اسأله عن شيء لا يعرفه إلا يونس.”
صعد سامر الدرج للمرة الأخيرة.
كان الفجر خفيفاً، والبيت بين ظلام الليل وضوء الصباح. وقف أمام باب الغرفة. الضوء ما زال يخرج من أسفل الباب.
قال بهدوء:
“يونس.”
لم يأت جواب.
قال:
“أنا سأفتح النافذة، لا الباب.”
سمع حركة خفيفة في الداخل.
ثم صوت سلمى:
“افتح الباب أولاً يا سامر. الغرفة باردة.”
لم يرد.
أدخل المفتاح في فتحة صغيرة قرب إطار الباب، لم ينتبه إليها من قبل. دار المفتاح بصعوبة. سمع صوت قفل داخلي يتحرك، ثم انفتحت نافذة الغرفة ببطء من الداخل.
اندفع هواء بارد إلى الممر، كأن الغرفة كانت تتنفس لأول مرة منذ سنوات.
لم يرَ سامر داخل الغرفة، لكنه رأى الضوء يتغير. لم يعد أصفر تماماً. صار شاحباً، أقرب إلى ضوء الصباح.
ثم جاء صوت يونس الحقيقي، بعيداً جداً:
“اسألني.”
قال سامر بسرعة:
“ماذا فعلت بساعتي عندما كنا صغاراً؟”
رد الصوت:
“كسرتها. ثم قلت لك إنني لم أكسرها، بل حررتها من الوقت.”
ابتسم سامر رغم خوفه.
“يونس.”
قال الصوت:
“لا تفتح الباب. فقط قل لأبي أنني لم أكن غاضباً.”
من أسفل الدرج، سمع محمود الكلام، فانهار باكياً.
لكن داخل الغرفة، تحرك شيء آخر.
صوت خشن قال من بين الظلال:
“الكلمات لا تكفي للخروج.”
ثم اندفعت يد طويلة من فتحة النافذة الداخلية نحو الممر. لم تكن تبحث عن سامر، بل عن الضوء.
فهم سامر فجأة.
الضوء لم يكن سجناً كاملاً. كان علامة. طالما بقيت الغرفة مضاءة، بقيت الحدود موجودة. أما النافذة، فقد فتحت ممراً لشيء يريد أن يعبر مع آخر خيط من الليل.
رفع سامر المصباح من مكانه.
صرخ محمود:
“لا تطفئه.”
لكن سامر لم يطفئه.
حمله بيده، ووقف أمام فتحة النافذة، وقال بصوت عال:
“يونس، اتبع الضوء.”
ارتجت الغرفة.
سمع بكاء طفل، وصراخ امرأة، وضحكاً قديماً، وأصواتاً كثيرة تتكلم معاً. رأى على الجدار ظلالاً تتحرك كأنها تحاول الخروج من حائط واحد. وفي وسط ذلك كله، ظهر ظل صغير ثابت.
ظل طفل يقف وحده.
مد سامر المصباح نحوه.
قال الصوت الخشن:
“هو لنا منذ ثلاثة عشر عاماً.”
رد سامر، دون أن يعرف من أين جاءت شجاعته:
“لا أحد يبقى لكم إذا تذكره أحد.”
في تلك اللحظة، انكسر زجاج النافذة من الداخل، واندفع ضوء الفجر إلى الغرفة.
لم يكن ضوءاً قوياً، لكنه كان حقيقياً.
اختلط ضوء الصباح بضوء المصباح، وخرجت من الغرفة رائحة غبار قديم ورطوبة وشيء محترق. ثم سمع سامر صوت يونس يقول:
“أبي.”
صعد محمود رغم ضعفه، ووقف عند بداية الممر.
قال وهو يبكي:
“أنا هنا يا ابني.”
قال يونس:
“أطفئ الضوء الآن.”
لم يتحرك محمود.
ثلاثة عشر عاماً وهو يخاف هذه الجملة.
لكن سامر نظر إلى الضوء تحت الباب، فوجد أنه لم يعد أصفر. صار باهتاً جداً، كأنه انتهى من عمله.
قال يونس:
“ليس كل ظلام باباً. أحياناً يكون نهاية.”
مد محمود يده المرتجفة إلى المفتاح الجانبي.
تردد.
ثم ضغطه.
انطفأ الضوء.
ساد صمت كامل.
لم يحدث شيء في البداية.
ثم سمعوا صوت شيء ثقيل يسقط داخل الغرفة. وبعده، انفتحت فجوة صغيرة تحت الباب، وخرج منها غبار كثيف كأنه كان محبوساً منذ زمن بعيد.
ظل الباب مغلقاً.
لم تخرج يد.
لم يخرج صوت.
لم تخرج الظلال.
عندها فقط، سقط محمود على ركبتيه ووضع وجهه على الأرض.
بقي سامر واقفاً لا يجرؤ على الحركة.
بعد دقائق، سمعا صوتاً صغيراً جداً من الداخل.
لم يكن صوت خوف.
كان أشبه بنفس طفل نائم.
ثم قال يونس:
“شكراً.”
وبعدها لم يسمعا شيئاً أبداً.
في الصباح، جاء أهل القرية على صوت بكاء محمود. رأوا الباب العلوي مغلقاً، والنافذة مفتوحة لأول مرة منذ ثلاثة عشر عاماً، والضوء مطفأ.
لم يصدق أحد ما حدث.
ولم يحاول سامر شرح كل شيء. بعض القصص إذا شرحتها للناس صارت أضعف، وبعضها إذا بقيت غامضة صارت أصدق.
بعد يومين، فتحوا الغرفة بحضور المختار.
كانت الغرفة عادية بشكل مؤلم.
سرير صغير.
مكتب خشبي.
دفاتر قديمة.
لعبة مكسورة.
ومصباح محترق منذ زمن بعيد.
على الجدار، كانت هناك رسومات كثيرة لدائرة صفراء وباب صغير. وفي آخر دفتر، وجد سامر جملة مكتوبة بخط طفل:
“لا تخافوا من الغرفة. خافوا من الشيء الذي يقلد أصوات من تحبون.”
لم يجدوا جسداً.
لا جسد يونس.
ولا جسد سلمى.
ولا أي دليل يثبت ما حدث.
لكنهم وجدوا ساعة صغيرة تحت الوسادة. ساعة سامر القديمة، التي كسرها يونس في الطفولة.
كانت تعمل.
وعقاربها تشير إلى السادسة وثلاث عشرة دقيقة.
وقت شروق الشمس في ذلك اليوم.
بعد أسابيع، غادر سامر القرية.
أما محمود، فلم يغادر البيت. لكنه تغير. بدأ يفتح النوافذ صباحاً، وينظف الفناء، ويجلس أمام الباب بعد العصر. لم يعد يخاف من نظرات الناس، ولم يعد يخفي وجهه.
ومع ذلك، لم يصعد إلى غرفة يونس أبداً.
كان يقول:
“بعض الأبواب نغلقها لأن خلفها شراً. وبعضها نتركها مغلقة لأن خلفها ذكرى لا نريد أن نؤذيها.”
مرت أشهر، ثم توفي محمود بهدوء في فراشه.
في وصيته، طلب ألا تباع الغرفة ولا ينام فيها أحد، وأن تبقى النافذة مفتوحة كل صباح وتغلق قبل المغرب.
نفذ سامر الوصية.
تحول البيت بعد سنوات إلى مكان مهجور من جديد، لكن الفرق الوحيد أن الضوء لم يعد مشتعلاً.
كان الناس يمرون من أمامه في الليل، ينظرون إلى النافذة المظلمة، ثم يكملون طريقهم بسرعة.
بعضهم كان يشعر بالراحة لأن الضوء انطفأ أخيراً.
وبعضهم كان يشعر بخوف أكبر.
فالضوء، مهما كان غامضاً، كان يعني أن شيئاً ما ما زال محبوساً.
أما الظلام، فلم يكن يضمن لأحد أن كل شيء قد انتهى.
بعد عام كامل من موت محمود، عاد سامر إلى القرية لإغلاق البيت نهائياً. كان ينوي بيع الأرض المحيطة به وترك البيت كما هو. دخل في الصباح، فتح النوافذ، ومسح الغبار عن الطاولة القديمة.
ثم صعد إلى الطابق العلوي.
وقف أمام غرفة يونس طويلاً.
لم يكن هناك ضوء تحت الباب.
فتح الغرفة بهدوء.
كل شيء كان كما تركه. السرير، المكتب، الدفاتر، اللعبة المكسورة. اقترب من النافذة وفتحها. دخل الهواء البارد، وتحركت الستارة البيضاء ببطء.
على المكتب، رأى ورقة لم تكن هناك من قبل.
كانت نظيفة، بيضاء، وفي وسطها سطر واحد مكتوب بخط طفل:
“لا تترك البيت ينام بعد منتصف الليل.”
قرأ سامر الجملة أكثر من مرة.
شعر أن الهواء تغير حوله.
نظر إلى الساعة الصغيرة التي أخذها معه من الغرفة في المرة الأولى. كانت في جيبه دائماً، لا يعرف لماذا احتفظ بها. أخرجها ونظر إلى عقاربها.
كانت متوقفة عند الثانية عشرة تماماً.
في تلك اللحظة، سمع من أسفل البيت صوت باب يغلق.
نادَى:
“من هناك؟”
لم يجب أحد.
نزل الدرج بسرعة. كان الباب الخارجي مغلقاً من الداخل، رغم أنه تركه مفتوحاً. وفي الممر، على الجدار حيث كانت صورة يونس مقلوبة، رأى شيئاً جعله يتوقف.
الصورة عادت إلى وضعها الطبيعي.
كان وجه يونس واضحاً، مبتسماً ابتسامة صغيرة.
لكن خلفه في الصورة، في الزاوية المعتمة من الغرفة، كان هناك ظل طويل لم يكن موجوداً من قبل.
ظل بلا ملامح.
حاول سامر أن يقنع نفسه أن الصورة قديمة وأنه لم ينتبه. لكنه كان يعرف الحقيقة. لقد نظر إلى هذه الصورة عشرات المرات، ولم يكن خلف الطفل أي ظل.
عاد إلى الطابق العلوي مسرعاً. عندما دخل غرفة يونس، وجد النافذة مغلقة.
اقترب منها وفتحها مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لم يدخل الهواء.
بل خرج من الغرفة نفس بارد، كأن شيئاً ما كان يقف خلفه طوال الوقت.
استدار ببطء.
لم يكن هناك أحد.
على السرير، كانت اللعبة المكسورة تتحرك قليلاً. لم تكن تتحرك بقوة، بل ببطء شديد، كأن يداً غير مرئية تدفعها من الداخل.
ثم سمع صوت يونس.
ليس من داخل الغرفة.
بل من داخل جيبه.
نظر إلى الساعة الصغيرة.
كانت تعمل من جديد.
ومن داخلها، جاء الهمس:
“سامر… لا تخلط بين من خرج، ومن بقي.”
كادت الساعة تسقط من يده.
قال بصوت منخفض:
“يونس؟”
لم يجبه الصوت.
لكن في الطابق السفلي، بدأ جرس الباب يرن.
مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم مرات متتالية.
نزل سامر وهو يمسك الساعة بقوة. فتح الباب، فوجد امرأة عجوزاً تقف أمامه. كانت من أهل القرية، لكنها لم تكن ممن يتكلمون كثيراً. اسمها أمينة، وكانت في الماضي تساعد سلمى في بعض أعمال البيت.
نظرت إليه وقالت:
“جئت لأنني رأيت النافذة مفتوحة.”
قال سامر:
“وهل هذا أمر سيئ؟”
أجابته:
“ليست كل نافذة تفتح للهواء.”
أدخلها سامر إلى البيت. جلست في المطبخ ونظرت حولها كأنها تتذكر زمناً بعيداً.
قالت:
“سلمى لم تمت كما قال محمود.”
تصلب جسد سامر.
“ماذا تعنين؟”
“أنا رأيتها قبل موتها بيوم. جاءتني في الليل، ترتجف، وقالت إن محمود لا يفهم. قالت إن الضوء لا يحبس الشيء فقط، بل يحبس معه من يحاول إنقاذ يونس بطريقة خاطئة.”
“هل حاولت إنقاذه؟”
“نعم. فتحت النافذة عند الفجر، لكنها نادته باسمه ثلاث مرات.”
“وما المشكلة؟”
نظرت أمينة إلى السقف.
“في الحكايات القديمة، لا تنادي من لا تعرف مكانه باسمه كاملاً. الاسم طريق. إذا سمعه من يقلد الأصوات، عرف كيف يلبس الصوت.”
شعر سامر بقشعريرة.
تذكر كم مرة نادى يونس باسمه أمام الباب.
قال:
“لكننا أطفأنا الضوء، وانتهى الأمر.”
هزت أمينة رأسها.
“ربما خرج يونس. وربما خرج معه شيء يعرف صوته الآن.”
ساد صمت ثقيل.
ثم سألت:
“هل وجدت شيئاً جديداً في الغرفة؟”
أخرج سامر الورقة وأعطاها لها.
قرأت الجملة، فتغير وجهها.
“لا تترك البيت ينام بعد منتصف الليل.”
قالت بصوت خافت:
“هذه ليست نصيحة. هذا تحذير.”
“من ماذا؟”
“من السكون. بعض الأشياء لا تتحرك إلا عندما ينام البيت كله. عندما لا يبقى فيه صوت، ولا خطوة، ولا ضوء، ولا نفس يقاوم.”
“وماذا أفعل؟”
“غادر قبل الليل.”
“والبيت؟”
“اتركه.”
“لا أستطيع. إذا تركته، سيبقى هكذا.”
قالت أمينة:
“بعض البيوت لا تُصلح. بعضها ننجو منه فقط.”
لكن سامر لم يكن يريد النجاة وحده.
في تلك الليلة، قرر البقاء.
أحضر مصباحاً حديثاً، وهاتفه، وبعض الشموع. ترك الراديو القديم يعمل بصوت منخفض في المطبخ. فتح النوافذ كلها، وأبقى الأبواب مفتوحة، إلا غرفة يونس. أغلقها جيداً، لكنه لم يقفلها.
عند الحادية عشرة، كان البيت هادئاً.
عند الحادية عشرة والنصف، بدأ الراديو يصدر تشويشاً.
عند الثانية عشرة تماماً، توقف كل شيء.
انقطع صوت الراديو.
انطفأ مصباح المطبخ.
وتوقفت الساعة الصغيرة في يد سامر.
ثم من الطابق العلوي، صدر صوت باب يفتح.
لم يكن باب غرفة يونس.
كان باباً آخر.
باباً لا يعرفه في البيت.
أخذ سامر الشمعة وصعد ببطء. في الممر العلوي، وجد الجدار الذي كان في آخره باب غرفة يونس قد تغير. بجانب الغرفة، ظهر باب جديد. باب ضيق، قصير، كأنه مصنوع لطفل.
لم يكن موجوداً في النهار.
ومن تحته، لم يخرج ضوء.
كان الظلام تحته كثيفاً.
سمع صوت يونس من خلفه:
“لا تفتحه.”
استدار سامر.
رأى الطفل واقفاً عند بداية الممر.
كان يونس كما في الصور، في العاشرة من عمره، لكن ملامحه كانت هادئة وحزينة. لم يكن شاحباً مثل الشيء الذي رآه أول مرة. كان يبدو كذكرى أكثر من كونه جسداً.
قال سامر:
“هل أنت حقيقي؟”
أجاب الطفل:
“بقدر ما بقيت تتذكرني.”
“ما هذا الباب؟”
“هذا هو الباب الذي فتحه أبي قبل ثلاثة عشر عاماً. لم يكن في الغرفة. كان في الضوء.”
“ماذا يوجد خلفه؟”
قال يونس:
“الأصوات التي لم تجد أصحابها.”
تقدم سامر خطوة.
قال يونس بسرعة:
“لا تقترب. هو لا يريدك أن تدخل. يريدك فقط أن تسأل.”
“لماذا؟”
“لأن السؤال يفتح أكثر من اليد أحياناً.”
من خلف الباب الصغير، سمع سامر صوت سلمى.
“سامر… أنا لم أمت. محمود كذب عليكم.”
أغمض عينيه.
قال يونس:
“لا تجب.”
تغير الصوت.
صار صوت محمود:
“سامر، افتح. أنا نادم.”
ثم صار صوت والده المتوفى:
“يا بني، لا تتركني في الظلام.”
ارتجف سامر.
كان هذا الصوت هو الأخطر، لأنه لم يكن يتوقعه. كان دافئاً، قريباً، محملاً بكل ما افتقده بعد موت أبيه.
قال يونس:
“الآن عرف طريقاً إليك.”
شد سامر على الشمعة حتى كادت تحرق أصابعه.
قال للباب:
“لن أفتح.”
ضحك الصوت خلف الباب.
لم يكن ضحك طفل ولا رجل ولا امرأة.
قال:
“لا تحتاج أن تفتح. أنت تركت النافذة مفتوحة.”
ركض سامر إلى غرفة يونس.
كانت النافذة مفتوحة بالفعل، رغم أنه أغلقها قبل ساعة. والستارة تتحرك إلى الداخل، لا إلى الخارج، كأن الهواء يدخل من الليل إلى الغرفة حاملاً شيئاً معه.
وقف يونس عند الباب وقال:
“أغلقها قبل أن يسمع البيت اسمه.”
“اسم من؟”
نظر الطفل إلى الزاوية.
“الذي كان يقلدني.”
اقترب سامر من النافذة، لكن الزجاج بدأ يعكس صورة ليست صورته. رأى في الانعكاس رجلاً طويلاً يقف خلفه. بلا وجه. بلا عينين. فقط فراغ أسود في مكان الرأس.
لم يلتفت.
تذكر التحذير القديم: لا تسمح له أن يرى وجهك في المرآة.
أغلق عينيه، ومد يده حتى أمسك بمقبض النافذة، ثم سحبها بقوة. قاومته كأن أحداً يمسكها من الخارج. سمع همساً قريباً:
“افتح، وسأعيد لك كل من فقدت.”
لم يجب.
سحب بقوة أكبر، فأغلقت النافذة وانكسر طرف من الزجاج. في اللحظة نفسها، اختفى الباب الصغير من الممر.
عاد صوت الراديو في الأسفل.
واشتغل المصباح.
نظر سامر حوله، فلم يجد يونس.
على المكتب، ظهرت ورقة جديدة.
“لا تبع البيت.”
في الصباح، ذهبت أمينة مع سامر إلى المختار. حكى لهما ما حدث. لم يتهمه المختار بالجنون. بدا كأنه كان ينتظر هذا الكلام منذ سنوات.
قال المختار:
“كان في هذا المكان بيت أقدم قبل بيت الرشيد. احترق منذ زمن بعيد. مات فيه أطفال كثيرون. لم يعرف الناس عددهم، لأن بعضهم كانوا من عابري الطريق.”
قالت أمينة:
“والأصوات؟”
قال المختار:
“يقال إن من ماتوا بلا أسماء، لا يهدأون إذا سمعوا الناس ينادون أحباءهم. يحاولون استعارة الأسماء كي يجدوا طريقاً إلى العالم.”
قال سامر:
“هل هذه خرافة؟”
قال المختار:
“كل شيء يكون خرافة حتى يطرق بابك في منتصف الليل.”
قرر سامر ألا يبيع البيت.
لم يكن ذلك شجاعة كاملة. كان مزيجاً من الخوف والذنب والوفاء. شعر أن بيع البيت سيعني تسليم السر لشخص لا يعرف شيئاً، وربما تبدأ الحكاية من جديد مع عائلة أخرى.
أغلق الطابق العلوي، ووضع على بابه لوحة صغيرة كتب عليها:
“لا يفتح بعد الغروب.”
لم يشرح لأحد.
ومع الوقت، اعتاد الناس على أن البيت ما زال قائماً، لكنه لم يعد البيت الذي يضيء ليلاً. صار أكثر هدوءاً. أكثر ظلمة. وربما أكثر خطراً.
في الذكرى الأولى لانطفاء الضوء، عاد سامر وحده. فتح النوافذ صباحاً، ونظف الغرفة، ووضع الساعة الصغيرة على مكتب يونس.
قال بهدوء:
“أنا لم أنسك.”
تحركت عقارب الساعة قليلاً.
ثم توقفت عند السادسة وثلاث عشرة دقيقة.
ابتسم سامر بحزن.
وقبل أن يغادر الغرفة، سمع همسة خفيفة جداً، كأنها تأتي من مكان بعيد وآمن:
“ولا أنا.”
خرج من الغرفة وأغلق الباب.
لكن عندما وصل إلى أسفل الدرج، لاحظ شيئاً غريباً.
لم يكن الضوء في غرفة يونس مشتعلاً.
بل كان هناك ضوء آخر.
ضوء أصفر خافت يخرج من تحت باب القبو.
لم يكن بيت الرشيد يملك قبواً.
وقف سامر في مكانه طويلاً.
كان يستطيع أن يركض، أن يغلق البيت، أن يترك القرية كلها. لكنه فهم عندها أن بعض الحكايات لا تنتهي عندما ينطفئ الضوء الأول. أحياناً يكون الضوء مجرد إشارة إلى أن البيت لم يقل كل أسراره بعد.
اقترب خطوة واحدة من باب القبو الجديد.
ومن خلفه، سمع صوتاً لم يسمعه منذ ثلاثة عشر عاماً.
صوت طفل لا يشبه يونس.
طفل آخر.
كان يبكي ويقول:
“هل جاء دوري الآن؟”
تراجع سامر ببطء.
لم يفتح الباب.
ولم يجب.
فقط صعد إلى الطابق العلوي، دخل غرفة يونس، وأخذ الساعة الصغيرة من فوق المكتب. ثم عاد إلى أسفل البيت، وعلقها فوق باب القبو.
بدأت عقارب الساعة تتحرك وحدها.
ثانية.
ثم ثانية.
ثم توقفت عند الثانية عشرة وثلاث عشرة دقيقة.
وفي تلك اللحظة، انطفأ الضوء تحت باب القبو.
عرف سامر أن الساعة لم تكن تذكاراً.
كانت حارساً.
ومنذ ذلك اليوم، بقي البيت مغلقاً.
لا يسكنه أحد.
لا يباع.
لا يرمم.
ولا تهدم جدرانه.
كل صباح، يأتي سامر أو أحد من عائلة الرشيد ليفتح النوافذ. وكل مساء، تغلق قبل المغرب. أما بعد منتصف الليل، فلا يقترب أحد من البيت.
يقول أهل القرية إنهم لم يعودوا يرون الضوء في غرفة يونس.
لكن بعضهم يقسم أنه في ليال معينة، عندما يكون القمر غائباً والهواء ساكناً، يسمعون من داخل البيت صوت ساعة قديمة تدق ثلاث عشرة دقة.
ثم بعدها، يخرج من الجدران همس أطفال كثيرين.
لا يطلبون الخروج.
ولا يطلبون المساعدة.
فقط يرددون الجملة نفسها:
“لا تطفئوا كل الأضواء مرة واحدة.”
ولهذا، حتى اليوم، لا ينام أهل القرية في ظلام كامل.
في كل بيت، يتركون ضوءاً صغيراً في الممر أو قرب النافذة.
ليس لأنهم يؤمنون بالحكاية تماماً.
بل لأن هناك خوفاً قديماً لا يحتاج إلى دليل.
خوف يقول للإنسان إن بعض الأبواب لا تظهر إلا عندما ينام البيت كله.
وبعض الأصوات لا تبدأ بالكلام إلا عندما يظن الجميع أن القصة انتهت.
هذا المحتوى لأغراض ترفيهية وثقافية، ولا يهدف إلى إثبات أو نفي أي ظاهرة غيبية.



