

بقلم:الرحال بين العوالم
هل تصدق أن هناك أماكن يحتفظ فيها الظلام بأسراره مهما مرّت السنوات؟
أما أنا، فلم أكن أصدق ذلك يومًا.
اسمي سامر، أبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا، وأنا الابن الوحيد لوالديّ. قبل سنوات، اضطر والداي إلى السفر خارج البلاد لمدة عام كامل بسبب ظروف العمل، وبما أنني كنت مقبلًا على عام البكالوريا، لم يكن بإمكاني مرافقتهم.
وهكذا وجدت نفسي أنتقل للعيش مع جدي وجدتي في بلدة صغيرة تقع بين الجبال في أقصى شمال البلاد.
كانت البلدة غريبة منذ اللحظة الأولى.
الضباب لا يغادر شوارعها، والبرد يلتهم كل شيء، والأشجار الكثيفة تحيط بالمنازل كأنها جدران طبيعية تفصل السكان عن العالم الخارجي. بعد غروب الشمس، تختفي الحركة تمامًا، وتبدو الشوارع وكأنها مهجورة.
في الليلة الأولى لوصولي، اجتمعنا حول جدي الذي كان مشهورًا بحكاياته المرعبة.
كان رجلًا عاش زمنًا طويلًا، وشهد أحداثًا كثيرة، لذلك كانت قصصه مليئة بالأسرار والغرائب. حدثنا عن أشخاص اختفوا داخل الغابات، وعن أصوات مجهولة تُسمع بين الجبال، وعن مخلوقات يزعم البعض أنهم شاهدوها في الليالي الماطرة.
وبعد أن انتهى من حديثه، بقيت مستيقظًا مع ابن عمي مازن.
قلت له وأنا أبتسم:
“أتشوق لرؤية المدرسة التي سأدرس فيها هذا العام.”
نظر إليّ نظرة غريبة وقال:
“سترى أشياء أكثر إثارة مما تتوقع.”
ضحكت وسألته:
“وماذا تقصد؟”
ساد الصمت للحظات، ثم اقترب مني وهمس:
“هل تعلم أن المدرسة بُنيت فوق مقبرة قديمة؟”
انفجرت ضاحكًا.
لكن مازن لم يضحك.
ظل ينظر إليّ بجدية جعلتني أتوقف عن الابتسام.
قال:
“قبل سنوات، مات طالبان داخل المدرسة في ظروف غامضة. الجميع قال إنهما انتحرا، لكن أحدًا لم يصدق ذلك. ومنذ ذلك الحين، بدأت الأحداث الغريبة تتكرر.”
حاولت إقناع نفسي أن الأمر مجرد خرافات محلية، لكنني لم أكن أعلم أن الأيام القادمة ستجعلني أشك في كل شيء.
بدأ العام الدراسي.
كانت المدرسة قديمة جدًا، أكبر مما توقعت، وتتكون من ثلاثة طوابق إضافة إلى طابق سفلي تحت الأرض.
عدد الطلاب كان قليلًا بشكل يثير الاستغراب، وكأن الناس يتجنبون إرسال أبنائهم إليها.
تعرفت على صديقين جديدين؛ كريم ويزن.
ومع مرور الأيام بدأت ألاحظ أمورًا غريبة.
فجأة أثناء الحصص الدراسية كانت بعض الطالبات يفقدن وعيهن دون سبب واضح.
صرخات.
إغماءات.
سيارات إسعاف.
وتكرار مخيف للحوادث.
أما الطابق السفلي، فكان أكثر مكان أكرهه في المدرسة.
كلما نزلت إليه شعرت بضيق شديد وكآبة لا يمكن وصفها.
كان المكان يبعث على الرعب حتى في وضح النهار.
ثم جاءت الليلة التي غيّرت كل شيء.
في مساء العشرين من نوفمبر، تلقيت اتصالًا من مازن.
كان صوته مضطربًا.
“سامر… تعال بسرعة إلى المدرسة.”
هرعت إلى هناك.
عندما وصلت وجدت سيارات الإسعاف والشرطة تملأ المكان.
تجمع السكان أمام البوابة الرئيسية.
الوجوه شاحبة.
والخوف ظاهر في عيون الجميع.
علمنا أن طالبين عُثر عليهما ميتين داخل المدرسة.
لكن الطريقة التي وُجدا بها كانت مرعبة إلى حد لا يمكن وصفه.
حتى المسعفون بدوا مصدومين.
أما الشاهد الوحيد، واسمه آدم، فقد كان جالسًا على الأرض في حالة انهيار كامل.
لم ينطق بكلمة واحدة.
وفي صباح اليوم التالي…
وصل الخبر الذي زاد الرعب.
آدم انتحر.
انتشرت الشائعات في البلدة كالنار في الهشيم.
بدأ الجميع يتحدث عن الجن، وعن المقبرة القديمة، وعن كتاب شمس المعارف.
وفي إحدى الأمسيات، جلسنا أنا ومازن وكريم ويزن نتحدث عما حدث.
قال كريم:
“هناك طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة.”
سألته:
“وما هي؟”
أجاب وهو ينظر إلينا واحدًا واحدًا:
“ندخل المدرسة ليلًا.”
ساد الصمت.
كانت الفكرة مجنونة.
لكن الفضول كان أقوى من الخوف.
وفي الليلة التالية، بعد منتصف الليل، وقفنا أمام المدرسة.
كانت السماء ملبدة بالغيوم.
والضباب يغطي المكان بالكامل.
تسللنا عبر نافذة جانبية مكسورة.
وفور دخولنا، شعرنا بأن شيئًا ما ليس طبيعيًا.
كان الهواء أثقل من المعتاد.
والصمت مخيفًا بشكل لا يوصف.
بدأنا البحث داخل الممرات المظلمة.
وفجأة عثر كريم على ورقة قديمة مليئة بالطلاسم والرموز الغريبة.
قادنا ذلك إلى غرفة مهجورة كانت مغلقة دائمًا.
هناك وجدنا آثار دماء قديمة على الأرض والجدران.
وفي لحظة طيش قاتلة، قررنا تنفيذ الطقس المكتوب على الورقة.
رسم مازن دائرة بالطباشير.
ووضع شمعة في وسطها.
جلسنا حولها متشابكي الأيدي.
ثم بدأ يقرأ الكلمات المكتوبة.
مرت الدقائق.
ولم يحدث شيء.
لكن فجأة…
انطفأت الشمعة.
وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت قوي داخل المدرسة.
أصوات أقدام تركض.
بكاء أطفال.
ضحكات مرعبة.
وأبواب تُغلق وتُفتح من تلقاء نفسها.
تعطلت هواتفنا.
واختفى الضوء.
عمّ الظلام كل شيء.
هربنا مذعورين.
كنت أركض بلا اتجاه.
أبحث فقط عن مخرج.
ثم رأيت مازن في الطابق السفلي.
كان مغطى بالدماء.
قال إنه لا يعرف كيف وصلت إليه.
وقبل أن نستوعب ما يحدث، سقط شيء من الأعلى بقوة هائلة.
اقتربنا بحذر.
وعندما سلطنا الضوء عليه…
تجمدت الدماء في عروقنا.
كان يزن.
أو ما بدا أنه يزن.
جثة مشوهة بطريقة مروعة.
وبجانبه وقف كائن طويل القامة.
نحيل بشكل غير طبيعي.
عيناه مظلمتان.
ويبتسم.
ابتسامة لن أنساها ما حييت.
صرخنا وهربنا.
لكن الكابوس لم ينتهِ.
عندما فتحت عيني، كانت الشمس قد أشرقت.
وجدت نفسي داخل الغرفة المهجورة.
ووجدت أصدقائي بجانبي.
أحياء.
كلهم أحياء.
كانت الشرطة والإدارة تقف فوق رؤوسنا.
والأغرب من كل ذلك…
أننا جميعًا رأينا الحلم نفسه.
التفاصيل نفسها.
الأحداث نفسها.
والنهاية نفسها.
اختفت الورقة الغامضة.
واختفت معها الإجابات.
حتى اليوم لا أعرف ما الذي حدث تلك الليلة.
هل كانت هلوسة جماعية؟
هل لعب الخوف بعقولنا؟
أم أن شيئًا آخر كان ينتظرنا داخل تلك المدرسة؟
بعد ثلاث سنوات أُغلقت المدرسة نهائيًا.
لكن قصتها لم تُغلق أبدًا.
فكلما ظن الناس أن اللعنة انتهت، وقعت حادثة جديدة تعيد فتح الجراح القديمة.
أما أنا…
فما زلت أتذكر تلك الابتسامة التي رأيتها في الظلام.
وأحيانًا…
عندما أستيقظ في منتصف الليل…
أشعر أن صاحبها ما زال يراقبني حتى الآن.
