أحمد… الذي لم يعرف أنه يتيم | الجزء الأول


بقلم:احمد بديع عامر
لم أعرف معنى اليتم وأنا صغير.
كنت أسمع الكلمة أحياناً، تمر من بين أفواه النساء في القرية كما تمر نسمة خفيفة فوق سطح ماء، ولا تترك في داخلي شيئاً. كانوا يقولونها بحذر، كأنهم يخافون أن تكبر فجأة إن وصلت إلى أذني. لكنني كنت أسمعها ولا أفهم منها إلا صوتها. كلمة ثقيلة عند الكبار، خفيفة عند الطفل الذي لم يتعلم بعد كيف يحمل الحزن.
اسمي أحمد.
ولدت في قرية عربية صغيرة، من تلك القرى التي لا تظهر على الخرائط إلا كنقطة متعبة، لكنها في قلب أهلها عالم كامل. قرية تحيط بها التلال من جهة، وتمتد خلفها أراضٍ زراعية قاسية من جهة أخرى. بيوتها متقاربة كأنها تستند إلى بعضها خوفاً من الوحدة، وأزقتها ترابية، وأبوابها خشبية قديمة، ووجوه أهلها تعرف بعضها أكثر مما ينبغي.
مات أبي وأمي وأنا في عمر لا يسمح للذاكرة أن تكون عادلة.
كل ما بقي لي منهما شذرات لا أثق بها تماماً. رائحة ثوب امرأة، يد دافئة تمسح على رأسي، ظل رجل طويل يرفعني عالياً حتى أضحك. لا أعرف إن كانت هذه ذكريات حقيقية أم صوراً صنعتها روحي كي لا تعترف بأنها بدأت حياتها بنقص كبير.
لكن النقص لا يشعر به الطفل إذا وجد من يملأ مكانه.
أخذتني خالتي إلى بيتها، ومن هناك بدأت حياتي كما عرفتها. لم يكن بيتها كبيراً كما كنت أراه في طفولتي، لكنه كان واسعاً بما يكفي لقلب طفل. ساحة صغيرة في الوسط، غرف متجاورة، تنور في زاوية، شجرة تين قرب الباب، وحبل غسيل يمتد بين جدارين. في الصيف كانت الشمس تنزل عليه بقسوة، وفي الشتاء كان المطر يحوّله إلى عالم من الطين والضحك والصراخ.
كانت خالتي امرأة حنونة، لكنها من النوع الذي لا يكثر من الكلام الحلو. لم تكن تقول لي: أحبك يا أحمد. لكنها كانت تضع لي الطعام قبل أن أطلبه، وتغطي قدمي ليلاً إذا انكشف الغطاء، وتدافع عني إذا اشتكيت من أحد أولاد الحارة، وتغضب مني كما تغضب من أبنائها تماماً. وحين يمرض الطفل، يعرف من يحبه من طريقة اليد التي تلمس جبينه. وأنا عرفت حب خالتي من يدها قبل أن أعرفه من لسانها.
أما زوجها، الرجل الذي كنت أناديه خالي، فكان في عيني جبلاً يمشي على قدمين.
كان رجلاً طيباً، شامخاً، كادحاً، قليل الكلام. في وجهه سمرة الأرض، وفي يديه قسوة العمل. كان يخرج قبل الفجر، ولا يعود إلا وقد مال النهار إلى نهايته. أحياناً يعود من الحقل، وأحياناً من السوق، وأحياناً من عمل يومي لا يسأل عنه أحد. يدخل البيت متعباً، لكن التعب كان يقف عند عتبة وجهه ولا يدخل إلى عينيه. عينيه ظلتا دائماً رحيمتين.
كنت أركض نحوه كلما دخل، مع أبناء خالتي، كما يركض الأطفال خلف العيد. نبحث في يديه عن أي شيء. حبة حلوى، قطعة خبز، كيس صغير من الفول السوداني، أو حتى خبر طريف من السوق. وكان، رحمه الله، يوزع ما معه علينا بالعدل نفسه. لم يقل لي يوماً: هذا لابني، وهذا لك. لم يجعلني أشعر أنني زيادة على البيت، أو ظل عابر في حياة عائلة مكتملة.
عشت مع ثلاث بنات لخالتي وابنها الأصغر.
كنّ أكبر مني بقليل، ثم كبرن أسرع مني كما تفعل البنات غالباً. في طفولتنا لم تكن الفروق واضحة. كنا نأكل من قدر واحد، وننام أحياناً في الغرفة نفسها في ليالي الشتاء الباردة، ونتشاجر على أشياء صغيرة، ثم نعود بعد دقائق وكأن شيئاً لم يحدث. كانت الكبرى هادئة، فيها شيء من أمها، تأمرنا كأنها مسؤولة عن البيت كله. والثانية كثيرة الضحك، تضحك حتى على الأشياء التي لا تستحق، فنضحك نحن لأنها ضحكت. أما الثالثة فكانت عنيدة، إذا قالت لا، احتاج البيت كله إلى يوم كامل ليقنعها بنعم.
أما ابن خالي الأصغر فكان صاحبي الأول. لم نكن نقول لبعضنا إننا أصدقاء، فالأطفال لا يسمون الأشياء كثيراً. كنا فقط نكون معاً. نخرج معاً، نعود معاً، نسرق التين قبل أن ينضج، نرمي الحجارة على علب فارغة، نلاحق الدجاج في الساحة حتى تصرخ خالتي علينا، ونصنع من الطين بيوتاً صغيرة قرب مجرى الماء. كنا نبني قرية كاملة بأيدينا، ثم نهدمها في آخر النهار بلا ندم، لأننا كنا نؤمن أننا قادرون على بنائها مرة أخرى صباحاً.
ذلك هو سر الطفولة، يا صاحبي.
الطفل لا يخاف الهدم، لأنه لا يعرف بعد أن بعض الأشياء إذا تهدمت لا تعود.
لم أشعر في تلك السنوات أنني يتيم. لم أكن أستيقظ ليلاً أبحث عن أبي وأمي. لم أكن أجلس عند الباب منتظراً من ماتوا قبل أن أعرفهم. كنت ألعب، وأضحك، وأغضب، وأخاف من الظلام، وأحلم بامتلاك دراجة هوائية مثل بقية الصبيان. كان عالمي صغيراً إلى درجة لا تتسع للأسئلة الكبيرة.
ربما لأن الله يرحم الأطفال بأن يؤخر عنهم فهم الفقد.
وربما لأنني وجدت في بيت خالتي ما يكفي من الدفء لأعيش دون أن أفتش عن الاسم الحقيقي لذلك الدفء.
أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة، أمسك خالي بيدي طوال الطريق. كنت أرتدي قميصاً أبيض واسعاً وبنطالاً جديداً لا أعرف كيف أحافظ عليه من الغبار. كانت الحقيبة أكبر مني تقريباً، وفي داخلها دفتران وقلم رصاص وممحاة لها رائحة غريبة أحببتها. عندما وصلنا إلى المدرسة، خفت. رأيت الأطفال يدخلون من الباب الحديدي، ورأيت المعلمين يقفون بوجوه جادة، فتمسكت بثوب خالي.
انحنى نحوي وقال: ادخل يا أحمد. الرجل لا يخاف من المدرسة.
لم أكن رجلاً، لكنه قالها بطريقة جعلتني أصدق للحظة أنني كذلك.
دخلت وأنا أكاد أبكي، وعدت في الظهر وأنا أحكي لخالتي عن المدرسة كما لو أنني عدت من حرب عظيمة. ضحكت وهي تسمعني، ثم أعطتني خبزاً ساخناً وقطعة جبن، وقالت إنني كبرت. صدقتها أيضاً. كان الكبار في طفولتي قادرين على تغيير شعوري بجملة واحدة.
في المدرسة كان المعلمون يعرفون قصتي. بعضهم كان يعاملني بلطف زائد، وبعضهم لا يلتفت للأمر. كنت أحب المعلم الذي يشرح لنا اللغة العربية، لأنه كان يقرأ بصوت فيه نغمة حزينة، حتى إن الكلمات العادية تصبح في فمه كأنها قصائد. ربما من هناك بدأ حبي للكلمات. لم أكن أعرف أن الكلمات ستصبح لاحقاً ملاذاً لي، لكنها كانت منذ البداية تلمع في داخلي أكثر من الأرقام.
إذا سألني أحد عن ولي أمري، قلت اسم خالي بلا تردد. وإذا ناداني رجل في الطريق وقال: يا ولد فلان، وكان يقصد خالي، كنت ألتفت بفخر. لم أشعر أن في الأمر كذباً. من يربيك يصبح جزءاً من اسمك، حتى لو لم يكتبه الناس في الأوراق.
كانت القرية جميلة رغم فقرها. وربما أقول جميلة لأنني رأيتها بعيني طفل لا يطلب من الدنيا كثيراً.
في الصباح كنا نسمع أصوات الديكة، ثم أصوات النساء وهن يفتحن الأبواب، ثم صوت الماء في الأواني، ثم نداءات الرجال وهم يستعجلون أبناءهم. كانت رائحة الخبز تسبق الشمس أحياناً. وفي مواسم المطر، كانت الأرض تشرب حتى يتغير لونها، ويخرج العشب من بين الحجارة كأنه سر أخضر قديم.
في الصيف، كانت الشمس حادة حتى نشعر أن الهواء نفسه يلسع وجوهنا. ومع ذلك كنا نركض في الخارج. نعود إلى البيت بثياب مغبرة وركب مخدوشة، فتغضب خالتي، ثم تغسل لنا الجراح الصغيرة بالماء والملح، ونصرخ كأن القيامة قامت. بعد دقائق نعود إلى اللعب.
أما في الشتاء، فكانت الليالي أكثر قرباً. نجتمع حول المدفأة، أو حول نار صغيرة، ونمد أيدينا نحو الحرارة. كانت خالتي تحكي لنا حكايات عن الجن والناس الضائعين في الوديان، وعن رجال عادوا من السفر بوجوه مختلفة، وعن نساء سمعن أصواتاً من آبار قديمة. كنا نلتصق ببعضنا خوفاً، ثم نضحك حين ينتهي الخوف. لم تكن تلك القصص ترعبني كما ترعبني الحياة الآن. كان الرعب في الطفولة لعبة تنتهي حين ينام الإنسان. أما رعب الكبار فينام معك ويستيقظ قبلك.
في الأعياد كنا نعيش فرحاً لا يشبه أي فرح. نضع ملابسنا الجديدة قرب رؤوسنا قبل النوم، ونستيقظ قبل الفجر من شدة الحماس. كنت أرافق خالي إلى المصلى، أمسك يده وسط الزحام. لم يخطر ببالي أبداً أن هذه اليد ليست يد أبي. كانت يد الرجل الذي أعبر معه الطريق، وأقف بجانبه بين الناس، وأعود معه آمناً إلى البيت. وهذا، بالنسبة لطفل، هو معنى الأب كله.
بعد الصلاة نمر على بعض بيوت الأقارب. يعطينا الكبار نقوداً قليلة، فنعدها عشر مرات، ونخطط كيف ننفقها كأننا تجار كبار. مرة اشتريت صفارة بلاستيكية زرقاء، وظللت أصفر بها حتى هددتني خالتي بكسرها. خبأتها خلف شجرة التين، ثم نسيت مكانها. بحثت عنها أياماً وكأنني فقدت كنزاً. اليوم أبتسم عندما أتذكر ذلك الحزن الصغير. كم كانت أحزاننا رخيصة وجميلة.
الحقيقة أن طفولتي لم تكن سيئة.
وأقول هذا لأن الناس حين يسمعون كلمة يتيم يتخيلون فوراً طفلاً مكسوراً، جالساً في زاوية، يأكل وحده، وينظر إلى أبناء الناس بحسرة. لم أكن كذلك. كنت مشاغباً أحياناً، سعيداً أحياناً، غاضباً أحياناً، مثل أي طفل. كان الفقر موجوداً، نعم، لكنه كان فقر الجميع، ولذلك لم يكن يجرحني كثيراً. لم أكن أرى نفسي أقل من غيري، لأن غيري لم يكن بعيداً عني بما يكفي لأقارن.
كان الطعام بسيطاً، لكننا نأكل ونشبع. كانت الملابس قليلة، لكنها نظيفة في أيام المدرسة والعيد. كانت الألعاب نادرة، لكن الأرض كلها كانت لعبتنا. كنا نملك ما يكفي من الخيال لنصنع مملكة من حجرين وعصا.
ولذلك حين أقول إنني تألمت لاحقاً، لا أقصد أن طفولتي كانت سجناً. بل ربما كانت أجمل من أن تستمر، وهذا ما جعل سقوطها في داخلي مؤلماً.
كبرت السنوات دون أن تطلب إذني.
لا أدري متى تغير صوتي. لا أدري متى بدأت أخجل من الركض في الساحة مع البنات. لا أدري متى أصبحت نظرات الناس تفرض علينا حدوداً لم تكن موجودة. فجأة، كأن البيت الذي كان يتسع لكل طفولتنا صار أضيق من خطواتنا.
بنات خالتي كبرن. لم يعد الضحك بيننا بريئاً كما كان. صارت الكبرى تساعد أمها في شؤون البيت، والثانية بدأت تنسحب إلى عالم البنات، والثالثة لم تعد تلك الطفلة العنيدة التي تتشاجر معنا على دمية قماش. صرن شابات، وبدأت القرية تنظر إليهن كما تنظر القرى إلى البنات حين يكبرن: بعيون كثيرة، وأسئلة كثيرة، وحذر كثير.
وابن خالي صار له رفاقه. لم يعد يلازمني كما كان. صار يخرج مع شباب الحارة، يتحدث عن العمل والهواتف والدراجات النارية، ويراني أحياناً كأنني بقيت في الخلف. لم يكن يقصد أن يجرحني. لكنه كان يكبر بطريقته، وأنا كنت أكبر بطريقتي.
أما خالي، ذلك الرجل الشامخ، فقد بدأت أرى فيه شيئاً لم أره من قبل: الانحناء.
لم ينحن ظهره دفعة واحدة. الرجال من أمثاله لا يسقطون فجأة. لكنك إذا أحببت رجلاً، تلاحظ تعب روحه قبل جسده. صار يجلس بعد العشاء أطول من المعتاد. يمد قدميه بصمت، ويفرك ركبتيه بيده. صار سعاله أكثر وضوحاً في الصباح. وصارت خالتي تنظر إليه بقلق حين يظن أن لا أحد يراه.
كنت أراقبه وأشعر بخوف غامض.
في طفولتي كنت أظنه لا يتعب. أظنه مثل الجدار، موجوداً دائماً. لكن الجدران القديمة أيضاً تتشقق، ونحن لا نلاحظ الشق إلا حين يدخل منه الهواء.
بعد الثانوية، تغير كل شيء في داخلي.
كنت أحب الدراسة. لم أكن الأول دائماً، لكنني كنت من الطلاب الجيدين. كنت أحلم أن أكمل الجامعة. لا أعرف أي تخصص كنت أريد بالضبط. أحياناً أقول لنفسي سأصبح معلماً، وأحياناً أقول سأدرس القانون، وأحياناً لا أريد إلا أن أخرج من القرية بثوب نظيف ودفاتر كثيرة وأعود إليها شخصاً يحترمه الناس.
لكن الأحلام في القرى الفقيرة لا تموت بصوت عال. لا أحد يأتي ويكسرها أمامك. هي فقط تبقى معلقة مدة، ثم يجف خيطها وتسقط وحدها.
لم يكن المال يكفي. ولم يكن البيت قادراً على حمل مصاريف جديدة. خالي لم يقل لي: لا تدرس. خالتي لم تقل لي: أنت لست ابننا. لا أحد قال شيئاً قاسياً. وهذا تحديداً ما جعل الأمر أشد إيلاماً. لو أن أحدهم ظلمني، لكرهته واستراحت روحي. لكنهم كانوا طيبين، وكانت الحياة هي القاسية.
بدأت أرعى الغنم أكثر من السابق. أقول الغنم الخاص بنا، ثم أتوقف في داخلي. بنا؟ بمن؟ هل هو غنمنا حقاً؟ أم غنم بيت خالتي؟ في الطفولة لم أكن أميز. كل ما في البيت لنا. السطح لنا، الشجرة لنا، التنور لنا، الحقل لنا، الغنم لنا. لكن عندما كبرت، بدأت الكلمات تفرز نفسها بوحشية.
لنا.
لهم.
لي.
ليس لي.
كنت أخرج مع الفجر إلى التلال. أقود الغنم نحو المراعي، وأجلس فوق صخرة عالية أراقبها وهي تنتشر بين الأعشاب. في تلك الساعات الطويلة بدأ عقلي يستيقظ بطريقة متعبة. كنت أفكر في أشياء لم أفكر بها من قبل. ما معنى أن يكون للإنسان أهل؟ هل الأهل دم فقط؟ أم عِشرة؟ وإذا كانت العشرة تكفي، فلماذا أشعر أن هناك باباً خفياً سيغلق في وجهي يوماً ما؟
كنت أحب خالي. أحب خالتي. أحب بنات خالتي وابن خالي. لكن الحب لا يمنع الحقيقة من النمو. والحقيقة التي كانت تنمو في داخلي أنني ضيف طال بقاؤه حتى نسي أنه ضيف.
ذات مساء، عدت بالغنم متأخراً. كان الغروب أحمر، والهواء بارداً قليلاً. دخلت البيت فوجدت خالي جالساً في الساحة، ينظر إلى الأرض. لم يكن غاضباً، لكنه كان مشغولاً. جلست قربه، فلم يتكلم. بعد قليل قال: كبرت يا أحمد.
قلت وأنا أحاول الضحك: كل الناس تكبر يا خالي.
قال: نعم، لكن بعض الناس يكبرون قبل وقتهم.
لم أفهم ماذا يريد. أو ربما فهمت وخفت أن أفهم.
بعدها بأيام، سمعت خالتي تتحدث معه في الليل. كنت في الغرفة المجاورة، مستيقظاً، والبيت ساكن. قالت بصوت منخفض: أحمد صار رجلاً. سكت خالي طويلاً، ثم قال: أعرف. قالت: لا بد أن يفكر بمستقبله. قال: مستقبله فوق رأسي، لكن يدي قصيرة.
هذه الجملة ضربتني أكثر من أي كلمة أخرى.
يده قصيرة.
ذلك الرجل الذي ظننته جبلاً كان يعترف في الظلام أن يده قصيرة.
لم يبك، ولم يشتك، ولم يقل إنني عبء. لكنه قال الحقيقة التي لا يستطيع رجل فقير الهروب منها: الحب واسع، لكن اليد قصيرة.
في تلك الليلة لم أنم.
ظللت أحدق في السقف وأسمع أنفاس البيت. بيت خالتي، البيت الذي حفظ خطواتي، لم يعد يبدو كما كان. لم يتغير شيء في الجدران، لكن شيئاً تغير في قلبي. عرفت أن الرحيل لم يعد احتمالاً بعيداً. صار واجباً يقترب.
لا أحد طردني.
وأريدك أن تفهم هذه النقطة جيداً.
لم يطردني أحد. لم يهنني أحد. لم يقل لي أحد: اخرج. بل ربما لو بقيت مدة أخرى لاحتملوني بحب. لكن هناك خروجاً لا يحتاج إلى طرد. خروج يفرضه العمر، وتفرضه كرامة الإنسان، وتفرضه نظرات القرية، وتفرضه البيوت حين تكبر بناتها ويضيق صدر الحياة.
قررت الذهاب إلى المدينة مع شباب من القرية يعملون في البناء.
لم يكن القرار بطولياً. لم أشعر أنني أفتح باب المجد. كنت فقط أفعل ما يفعله كثير من الفقراء عندما لا يجدون طريقاً آخر: يبيعون قوة أجسادهم للمدينة.
في صباح الرحيل، وضعت ملابسي القليلة في حقيبة صغيرة. قميصان، بنطال، منشفة، وبعض النقود التي أعطاني إياها خالي وهو يحاول أن يبدو عادياً. قال: انتبه لنفسك. لا تصاحب السيئين. واحفظ صلاتك.
هززت رأسي. أردت أن أقول له كلاماً كثيراً. أردت أن أقول له إنه كان أبي حين لم يكن لي أب. أردت أن أقول له إنني لم أنسَ يده في أول يوم مدرسة، ولا خطواته في الأعياد، ولا عدله بيني وبين أبنائه. لكن الكلمات خذلتني. الرجال في قريتنا لا يجيدون الاعترافات الطويلة. نحب بصمت، ونرحل بصمت، ثم نندم بصمت.
قبلت رأس خالتي. بكت وهي تحاول أن تخفي دموعها بطرف حجابها. قالت: لا تقطع أخبارك. قلت: لن أفعل. كنت أعرف أنني سأفعل أحياناً، ليس جحوداً، بل لأن بعض الأماكن كلما اشتقت إليها خفت العودة إليها.
بنات خالتي وقفن بعيداً. لم يعد الوداع سهلاً كما كان في الطفولة. لم يعد بإمكاني أن أركض نحوهن وأعانقهن كما كنت أفعل صغيراً. اكتفينا بنظرات مرتبكة وكلمات قليلة. أما ابن خالي فحمل حقيبتي إلى الطريق، وقال لي: عندما تستقر، خذني معك. ضحكنا، لكن ضحكتنا لم تكن كاملة.
ركبت السيارة مع شباب القرية. كلما ابتعدنا، صغر البيت. ثم صغرت شجرة التين. ثم اختفت القرية خلف منعطف الطريق.
في تلك اللحظة فقط شعرت أنني يتيم.
ليس لأن أبي وأمي ماتا قديماً. بل لأن المكان الذي عشت فيه ابناً، غادرته رجلاً لا يعرف أين يضع قلبه.
كانت المدينة صاخبة حين وصلنا. أضواء كثيرة، سيارات لا تهدأ، وجوه مستعجلة، بنايات عالية كأنها لا ترى من يمشي تحتها. شعرت لأول مرة أن الإنسان يمكن أن يكون بين آلاف الناس ويبقى وحيداً. في القرية، حتى من لا يحبك يعرف اسمك. في المدينة، قد تموت عند الرصيف ولا يعرف أحد من أي بيت خرجت.
أخذني الشباب إلى الغرفة التي يسكنون فيها. غرفة صغيرة في حي شعبي، فوق محل قديم. كان السلم ضيقاً تفوح منه رائحة الرطوبة. دخلنا، فوجدت فرشاً رقيقة على الأرض، أكياس ملابس في الزوايا، موقداً صغيراً، ومروحة تصدر صوتاً كأنها تتألم. قال أحدهم ضاحكاً: هذا فندقنا.
ضحكت معهم، لكن قلبي انقبض.
كنا خمسة أحياناً، وسبعة أحياناً أخرى. كل واحد يحمل قصة تشبه الآخر من بعيد وتختلف من قريب. هذا جاء ليسدد دين أبيه، وذاك ليجهز نفسه للزواج، وثالث يبني بيتاً في القرية طوبة طوبة من عرقه. أما أنا، فلم أكن أعرف بالضبط ماذا أبني. ربما كنت أحاول فقط أن أثبت أنني قادر على الوقوف وحدي.
بدأت العمل في البناء.
من لم يعمل في البناء لا يعرف معنى أن يتحول الجسد إلى أداة. تحمل، ترفع، تمشي، تصعد، تنزل، تنحني، تمد يدك، ثم تعيد الأمر مئة مرة. في الأيام الأولى كانت يداي تتشققان، وظهري يؤلمني، وقدماي تنتفخان آخر الليل. كنت أغسل وجهي فأرى في الماء رجلاً أكبر من عمري.
كان المعلم في الورشة حاداً، لكنه ليس ظالماً. يصرخ كثيراً، لأن الضجيج حوله كثير. تعلمت بسرعة أن العامل الجديد لا يملك حق التعب. التعب شيء تؤجله إلى الليل. أما في النهار، فعليك أن تكون حجراً مثل الحجارة التي تحملها.
في المساء نعود إلى الغرفة. يأكل الشباب ما تيسر، يتحدثون عن القرية، عن أهلهم، عن أسعار الإسمنت، عن مباريات الكرة، ثم ينامون سريعاً. كنت أنام مثلهم من شدة الإرهاق، لكن النوم لم يكن يرحمني دائماً. أحياناً أستيقظ في منتصف الليل، أسمع تنفسهم حولي، وأنظر إلى السقف. كنت أقول لنفسي: هذه حياتك الآن يا أحمد.
كل أسبوع أو أسبوعين، كان الشباب يعودون إلى القرية في العطلة. يحملون أكياساً صغيرة، وهدايا بسيطة، وفرحاً واضحاً. يتحدثون طوال الأسبوع عن العودة. فلان سيأكل من طبخ أمه، وفلان سيرى خطيبته، وفلان سيأخذ أباه إلى الطبيب. كانوا يتذمرون من القرية طوال الوقت، لكنهم حين يحين موعد الذهاب إليها يلمعون كالأطفال.
أما أنا، فكنت أبقى غالباً في الغرفة.
في البداية قلت لنفسي إن الأجرة لا تكفي للمواصلات. ثم قلت إن العمل قد يطلبني. ثم قلت إنني سأذهب لاحقاً. لكن الحقيقة أنني كنت أخاف العودة. أخاف أن أدخل البيت فأشعر أنه لم يعد مكاني. أخاف أن أرى بنات خالتي أكثر بعداً، وخالي أكثر تعباً، وخالتي أكثر صمتاً. أخاف أن أكتشف أن القرية التي أحملها في قلبي لم تعد موجودة إلا هناك، في قلبي فقط.
كانت الغرفة حين يذهبون تصبح مخيفة.
ليست مخيفة بمعنى الأشباح والجن. مخيفة بمعنى الفراغ. الفراغ له صوت، ومن لم يجلس وحده في غرفة عمال فارغة لا يعرف ذلك الصوت. كنت أسمع سيارات بعيدة، ووقع أقدام في الشارع، ومواء قطط، ثم صمتاً يهبط علي مثل حجر.
أحياناً كنت أكلم نفسي. أقول: ما أغرب الحياة يا أحمد. كنت في بيت مليء بالأصوات، والآن تخاف من صوت المروحة. كنت تهرب من ضجيج الأطفال، والآن تتمنى لو أن أحداً يزعجك.
لكن الإنسان يعتاد. وهذه نعمة ونقمة في الوقت نفسه.
اعتدت العمل. اعتدت ألم الظهر. اعتدت الغرفة. اعتدت غسل ملابسي بيدي في دلو صغير. اعتدت أن أعد النقود آخر الأسبوع وأقسمها بين طعام وإيجار وشيء قليل أدخره. اعتدت أن أقول إنني بخير حين تسألني خالتي عبر الهاتف. واعتدت أن أكذب على خالي حين يقول: هل ينقصك شيء؟ فأقول: لا، كل شيء تمام.
لكن في داخلي كان هناك شيء لا يعتاد.
وحدة لا تشبه الجوع ولا التعب. وحدة تسكن تحت الضلوع، تذكرك دائماً أنك تمشي بلا جذر واضح. كنت أرى الناس في المدينة يعودون آخر النهار إلى بيوت. بيوت حقيقية، فيها أمهات، زوجات، أطفال، روائح طبخ، شجارات صغيرة، تلفاز مفتوح، وأحذية عند الباب. أما أنا فأعود إلى غرفة لا تعرفني، أفتح الباب بالمفتاح نفسه، وأدخل كأنني عامل في حياتي لا صاحبها.
في إحدى الأمسيات، بعد يوم عمل قاسٍ، خرجت أمشي بلا هدف. كان جسدي متعباً، لكن البقاء في الغرفة كان أثقل. سرت في شوارع الحي حتى وصلت إلى مقهى شعبي صغير. مقهى عادي جداً، كراسٍ بلاستيكية، طاولات قديمة، دخان سجائر، صوت تلفاز معلق في الزاوية، ورجال يتجادلون في السياسة وكرة القدم كأنهم يملكون حل العالم.
جلست وطلبت شاياً.
هناك رأيته أول مرة.
رجل في أواخر الخمسينات، ربما أكبر قليلاً. نحيف، يرتدي قميصاً بسيطاً وسترة قديمة رغم أن الجو لم يكن بارداً. على عينيه نظارة ذات إطار معدني، وأمامه كتاب سميك مفتوح. كان يقرأ وسط الضجيج كأنه جالس في مكتبة هادئة. لم يرفع رأسه إلا قليلاً، ثم يعود إلى الصفحة.
استغربت.
في حي العمال، ترى كل شيء إلا رجلاً يقرأ كتاباً بهذا الهدوء.
في اليوم التالي رأيته في المكان نفسه. وبعد يومين رأيته أيضاً. صار وجوده جزءاً من المقهى. الطاولة القريبة من الحائط، كوب شاي دون سكر، كتاب، وقلم صغير يضعه بين الصفحات. كنت أراقبه من بعيد، وأخجل من فضولي. من هذا الرجل؟ لماذا يجلس وحده؟ ماذا يقرأ؟ ولماذا يبدو كأنه لا يحتاج إلى أحد؟
ذات مساء، كان المقهى أقل ازدحاماً. التقت عيناي بعينيه صدفة. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: تعمل في البناء، أليس كذلك؟
تفاجأت، ثم قلت: نعم.
قال: يظهر ذلك من يديك.
نظرت إلى يدي المتشققتين، وضحكت بخجل.
قال: لا تخجل. اليد التي تتعب يد شريفة.
لم أعرف ماذا أقول. شكرته بصوت منخفض، ثم صمتنا. بعد دقائق، أغلق كتابه وسألني: هل تقرأ؟
قلت: كنت أقرأ في المدرسة. أما الآن فلا وقت.
قال بهدوء: لا أحد يجد الوقت. نحن نصنعه أو ندفنه.
لم أفهم الجملة جيداً، لكنها بقيت في أذني.
سألته: وماذا تقرأ أنت؟
رفع الكتاب قليلاً وقال: كتاب في الفلسفة.
كانت الكلمة غريبة علي. سمعتها من قبل، لكنها كانت بعيدة، تشبه أسماء المدن التي لا نزورها. قلت: الفلسفة؟ يعني كلام معقد؟
ضحك. لم يضحك سخرية، بل كأنه سمع جواباً يحبه.
قال: أحياناً يجعلونها معقدة، لكنها في أصلها بسيطة. الفلسفة أن يسأل الإنسان عن الأشياء التي يظنها الناس واضحة.
قلت: مثل ماذا؟
قال: مثل أن تسأل: ما معنى أن أعيش؟ ما معنى أن أكون حراً؟ هل الإنسان هو ما يملكه، أم ما يختاره؟ هل البيت جدران، أم شعور؟ هل الفقر نقص في المال فقط، أم في الاحتمالات؟ هل نحن نسير إلى أقدارنا، أم نصنعها ونحن نظن أننا مسيرون؟
شعرت أن الرجل فتح باباً في صدري دون أن يستأذن.
خصوصاً حين قال: هل البيت جدران، أم شعور؟
نظر إلي كأنه رأى شيئاً في وجهي، لكنه لم يسأل. وهذا ما جعلني أرتاح له. بعض الناس يقتحمون ألمك بأسئلتهم. وبعضهم يجلس قربه بصمت حتى تفتحه أنت إن أردت.
قلت له: أنت أستاذ؟
قال: كنت أدرّس قديماً. والآن أدرس لنفسي.
قلت: تدرس ماذا؟
قال: الإنسان.
ضحكت. قال: لا تضحك. الإنسان أصعب كتاب.
من تلك الليلة بدأ شيء يتغير.
لم نصبح أصدقاء بسرعة. الثقة عند من عاشوا الوحدة لا تأتي دفعة واحدة. لكنني صرت أذهب إلى المقهى كلما استطعت. أجده هناك غالباً، يقرأ أو يكتب ملاحظات صغيرة. كان اسمه نادر، لكن أهل الحي ينادونه الأستاذ. لم يكن متكبراً كما تخيلت المثقفين. كان يحدث عامل النظافة بالاحترام نفسه الذي يحدث به صاحب المقهى. وإذا سأله أحد سؤالاً سخيفاً، أجاب بجدية كأن السؤال يستحق.
في البداية كنت أجلس معه نصف ساعة. ثم ساعة. ثم صارت الليالي التي لا أراه فيها ناقصة.
كان لا يعطيني دروساً مباشرة. لم يقل لي يوماً: اجلس لأعلمك. كان يتحدث، وأنا ألتقط من كلامه ما أستطيع. أحياناً يشرح فكرة من كتاب، ثم يربطها بحياة الناس في الحي. يقول مثلاً إن الفيلسوف ليس رجلاً يعيش في برج بعيد، بل شخص يسأل لماذا يتألم الناس، ولماذا يظلم بعضهم بعضاً، ولماذا يخاف الإنسان من حريته أحياناً أكثر مما يخاف من سجنه.
كنت أعود إلى الغرفة وكلامه يدور في رأسي.
في إحدى الليالي، قلت له: يا أستاذ، ما فائدة هذه الأسئلة؟ نحن نعمل لنأكل، وننام لنستطيع العمل. ما الذي تغيره الفلسفة؟
نظر إلي طويلاً، ثم قال: إذا كنت تحمل حجراً طوال النهار، فهذا يتعب ظهرك. لكن إذا كنت تحمل فكرة خاطئة عن نفسك طوال العمر، فهذا يكسر روحك. الفلسفة لا تحمل الحجر بدلاً عنك، لكنها تسألك: لماذا تظن أنك حجر أيضاً؟
لم أنسَ تلك الجملة.
كنت أظن نفسي شيئاً عابراً. يتيماً كبر في بيت غيره، عاملاً في مدينة لا تعرف اسمه، شاباً بلا جامعة، بلا مال، بلا عائلة قريبة. كنت أرى نفسي من خلال ما ينقصني فقط. لكن الأستاذ نادر كان يسألني، دون أن يقولها مباشرة، أن أرى ما بقي أيضاً.
في ليلة أخرى سألني عن طفولتي. لم أكن أحب الحديث عنها، لكنني وجدت نفسي أحكي. حكيت له عن خالتي، وعن خالي، وعن شجرة التين، وعن المدرسة، وعن الغنم، وعن الغرفة التي تبقى فارغة حين يعود العمال إلى قراهم. لم أقصد أن أقول كل ذلك، لكنه خرج كالماء حين يجد شقاً في جدار قديم.
استمع دون مقاطعة.
وحين انتهيت، قال: أنت لا تعاني لأنك لم تُحَب. أنت تعاني لأنك حُببت ثم كبرت خارج المكان الذي أحبك.
سكت.
كانت الجملة دقيقة إلى درجة آلمتني.
قال: هناك من يظن أن الوجع يأتي من غياب الحب فقط. هذا غير صحيح. أحياناً يأتي الوجع من حب لم يعد يعرف شكله القديم. من بيت كان بيتاً في الطفولة، ثم صار في الكبر سؤالاً.
قلت بصوت خافت: وهل هذا ظلم؟
قال: ليس كل ألم ظلماً يا أحمد. بعض الألم من طبيعة الحياة. البنات يكبرن، البيوت تضيق، الرجال يتعبون، والأطفال الذين كانوا ينامون بلا خوف يصبحون رجالاً عليهم أن يبحثوا عن مكانهم. لا أحد مذنب دائماً. أحياناً الحياة نفسها هي التي تفعل ذلك.
كان كلامه يشبه ما كنت أشعر به ولا أعرف كيف أقوله.
منذ تلك الليلة، صرت أنتظر المساء. لم يعد الليل مجرد نهاية يوم شاق، بل صار موعداً مع باب صغير ينفتح في عقلي. أعمل في النهار كعامل بناء، أحمل الإسمنت والطوب، وفي الليل أجلس مع رجل يعلمني أن الإنسان ليس ما يفعله بيديه فقط، بل ما يفهمه عن نفسه أيضاً.
بدأ يعطيني كتباً صغيرة. لم يبدأ بي من الكتب الصعبة. أعطاني مرة كتاباً مبسطاً عن سقراط. قال لي: اقرأ هذا الرجل، كان فقيراً مثلك تقريباً، لكنه أزعج مدينة كاملة بأسئلته.
قرأت بصعوبة. توقفت عند كلمات كثيرة. سألته عنها في المقهى، فشرحها بصبر. علمني كيف لا أخاف من الصفحة. قال: لا تعامل الكتاب كشيخ يريد أن يختبرك. عامله كرفيق يمشي معك. إن فهمت منه شيئاً فخذ، وإن لم تفهم فاتركه حتى تكبر له.
ثم حدثني عن أفلاطون، وعن أرسطو، وعن الكندي والفارابي وابن رشد، وعن رجال قضوا أعمارهم يسألون أسئلة تبدو بسيطة لكنها تفتح هاوية تحت القدمين. لم أكن أفهم كل شيء. لكنني كنت أشعر بشيء يتحرك في داخلي. كأن نافذة صغيرة فُتحت في غرفة مغلقة.
ذات مساء، بعد أن شرح لي شيئاً عن معنى النفس، قال لي: لا أريدك أن تصبح فيلسوفاً يا أحمد.
استغربت وقلت: ولماذا تعلمني إذن؟
قال: أريدك أن تصبح إنساناً لا يخدعه ألمه بسهولة.
سألته: وهل الألم يخدع؟
قال: كثيراً. الألم يقول لك: أنت وحدك. أنت انتهيت. لا قيمة لك. كل ما فاتك لا يعوض. والإنسان حين يصدق ألمه دون أن يسأله، يتحول إلى عبد له.
سألته: وماذا أفعل؟
قال: اسأله كما نسأل أي فكرة. قل له: هل هذا صحيح؟ هل أنا وحدي حقاً؟ هل انتهيت فعلاً؟ هل قيمتي في بيت أملكه، أم في قدرة قلبي على بناء بيت جديد؟ هل الماضي قبر، أم جذر؟
لم أجب. كنت أخاف من هذه الأسئلة، لكنها كانت تشبهني.
في تلك الليلة عدت إلى الغرفة، فوجدتها فارغة كعادتها. كان الشباب قد عادوا إلى القرية. المروحة تدور بصوتها القديم، والضوء الأصفر يملأ المكان بكآبة خفيفة. جلست على فراشي، وأخرجت الكتاب الصغير من الكيس. فتحت الصفحة الأولى، وبدأت أقرأ ببطء.
لم أفهم كل ما قرأت.
لكنني، لأول مرة منذ خرجت من القرية، لم أشعر أن الفراغ يهزمني تماماً.
كان في يدي كتاب، وفي رأسي سؤال، وفي قلبي رجل طيب اسمه خالي، وامرأة حنونة اسمها خالتي، وطفل قديم يركض قرب شجرة التين، وشاب متعب يجلس في مدينة قاسية ويحاول أن يفهم لماذا حدث كل هذا.
في تلك اللحظة أدركت أنني لم أبدأ التعلم حين دخلت المدرسة، ولا حين أخذت الثانوية، ولا حتى حين أمسكت أول كتاب فلسفة.
بدأت التعلم الحقيقي عندما صرت قادراً على النظر إلى حياتي دون أن أكرهها.
وهكذا بدأت علاقتي بالفلسفة.
لا من قاعة جامعة، ولا من مكتب واسع، ولا من أستاذ يرتدي ربطة عنق.
بل من مقهى شعبي، ورجل وحيد يقرأ وسط الضجيج، وعامل بناء كان يظن أن غربته نهاية الطريق، قبل أن يكتشف أن بعض الطرق لا تبدأ إلا عندما يعترف الإنسان لنفسه بأنه ضائع.
انتظرني في الجزء القادم


