تجارب مرعبة

البيت الذي لا ينام أهله بعد منتصف الليل

بقلم:فريق كابوس

قصة رعب نفسي من وحي الخيال

لم يكن البيت مخيفاً من الخارج.

كان عادياً جداً، وربما كان هذا أكثر ما جعل سامر يثق به منذ اللحظة الأولى. بيت قديم في طرف الحي، بابه الخشبي مطلي بلون بني باهت، ونوافذه محاطة بإطارات حديدية سوداء، وحديقة صغيرة مهملة أمامه، لا شيء فيها سوى شجرة ليمون يابسة ونبتة ورد وحيدة تقاوم الجفاف.

لم يكن هناك سور عالٍ، ولا بوابة ضخمة، ولا تلك التفاصيل التي تجعل الإنسان يشعر أن المكان يخفي شيئاً. حتى الشارع الذي يقع فيه البيت كان هادئاً، تسكنه عائلات عادية، أطفال يلعبون عصراً، رجال يجلسون أمام الدكاكين، ونساء يفتحن النوافذ في الصباح لتهوية البيوت.

لكن الغريب أن لا أحد كان ينظر إلى ذلك البيت طويلاً.

كان الناس يمرون من أمامه بسرعة. يلقون نظرة قصيرة ثم يشيحون بوجوههم. كأن البيت لا يستحق الانتباه، أو كأنهم يخافون أن يلاحظهم هو.

سامر لم ينتبه لهذا في البداية.

كان مشغولاً بأمر واحد فقط: الإيجار رخيص جداً.

بعد وفاة والده، وجد نفسه مسؤولاً عن والدته وأخته الصغيرة ليان. كانوا يعيشون في شقة ضيقة في وسط المدينة، والإيجار يرتفع كل سنة، بينما راتبه في شركة الشحن بالكاد يكفي الطعام والفواتير. لذلك، عندما أخبره أحد السماسرة عن بيت واسع بثلاث غرف وصالة وحديقة صغيرة بسعر أقل من نصف إيجار شقتهم القديمة، شعر وكأن باباً فُتح له في نهاية نفق طويل.

قال له السمسار وهو يبتسم ابتسامة متكلفة:

“البيت قديم شوي، بس نظيف. وصاحبه مسافر وما بده يتعب حاله بتأجيره كل شهر. بدّه عيلة محترمة تسكن فيه وتهتم فيه.”

سأله سامر:

“وليش رخيص؟”

هز السمسار كتفيه.

“الناس اليوم بدها بيوت حديثة. مصعد، تدفئة مركزية، ديكور جديد. هذا بيت قديم. بس إذا بدك رأيي، فرصة.”

كانت والدته مترددة في البداية. منذ اللحظة التي دخلت فيها البيت أول مرة، توقفت عند العتبة، وضمت طرف عباءتها بيدها، ونظرت إلى الممر الطويل الممتد من الباب الرئيسي إلى آخر البيت.

قالت بصوت منخفض:

“البيت بارد.”

ضحك سامر.

“طبيعي يا أمي، البيت فاضي من زمان. لما نسكن فيه وندفّيه يصير أحسن.”

أما ليان، ذات الأحد عشر عاماً، فكانت سعيدة. ركضت بين الغرف، واختارت الغرفة المطلة على الحديقة فوراً. قالت إنها ستضع مكتبها قرب النافذة، وإنها ستزرع ورداً جديداً مكان الشجرة اليابسة.

تم توقيع العقد خلال يومين. وبعد أسبوع واحد، كانوا قد انتقلوا بالكامل.

في النهار، بدا البيت مقبولاً. الجدران تحتاج إلى دهان، والأرضية الخشبية تصدر صوتاً خفيفاً عند المشي، والمطبخ قديم لكنه واسع. كانت النوافذ كبيرة، تدخل ضوء الشمس بشكل جميل، خصوصاً في الصالة.

لكن مع غروب الشمس، كان شيء ما يتغير.

ليس تغيراً واضحاً يمكن شرحه. لا شيء يتحرك من مكانه. لا أصوات غريبة في البداية. لا أبواب تُفتح وحدها. فقط إحساس ثقيل يهبط على المكان بعد المغرب، كأن البيت يصبح أضيق من الداخل، وكأن الهواء فيه يفقد شيئاً من دفئه.

في الليلة الأولى، ناموا مبكرين من التعب.

استيقظ سامر عند الساعة الثانية عشرة وثلاث دقائق.

لم يعرف لماذا استيقظ. لم يسمع صوتاً. لم يشعر بلمسة. فقط فتح عينيه فجأة، ووجد نفسه ينظر إلى سقف الغرفة في عتمة شبه كاملة.

كان البيت ساكناً بطريقة غير مريحة.

في الشقق القديمة التي اعتاد عليها، كان هناك دائماً صوت ما: سيارة تمر في الشارع، جار يفتح باباً، طفل يبكي، أنبوب ماء، مروحة، أي شيء. أما هنا، فالصمت كان كاملاً. صمت كأنه موضوع فوق البيت بيد ثقيلة.

جلس على طرف السرير، ومد يده إلى هاتفه. الساعة: 12:03 بعد منتصف الليل.

سمع صوت خشب يئن في الممر.

توقف.

كان الصوت خفيفاً. “طق” قصيرة، ثم سكون. كأن أحداً خطا خطوة واحدة على الأرضية الخشبية، ثم توقف ليتأكد إن كان أحد قد سمعه.

بقي سامر ينصت.

بعد ثوانٍ، جاء الصوت مرة أخرى.

طق.

هذه المرة أقرب.

قال لنفسه إن البيت قديم، وإن الخشب يتمدد وينكمش مع تغير الحرارة. سمع هذه الجملة كثيراً في الأفلام والقصص، لكنه لم يكن يتوقع أن يستخدمها لطمأنة نفسه في بيته الجديد.

خرج من غرفته بهدوء.

كان الممر مظلماً، إلا من ضوء خفيف يأتي من نافذة صغيرة في آخره. باب غرفة والدته مغلق. باب غرفة ليان مغلق أيضاً. كل شيء في مكانه.

أضاء مصباح هاتفه ومشى خطوتين.

توقف عند منتصف الممر.

كان هناك كرسي خشبي صغير بجانب الجدار.

لم يتذكر أنه كان هناك.

حدق فيه لثوانٍ طويلة. كان كرسي المطبخ، يعرفه جيداً، أحد الكراسي الأربعة التي وضعوها حول الطاولة قبل النوم. كيف وصل إلى الممر؟

اقترب منه، لمسه، ثم رفعه وأعاده إلى المطبخ. حاول أن يقنع نفسه أن ليان ربما قامت ليلاً وجلست في الممر ثم عادت للنوم. لكن لماذا تفعل ذلك؟ ولماذا لا يتذكر أنه سمع باب غرفتها؟

عاد إلى غرفته، وأغلق الباب.

لم ينم حتى الفجر.

في الصباح، ذكر الأمر لوالدته بشكل عابر.

قال وهو يشرب الشاي:

“حدا قام بالليل وحرك كرسي المطبخ؟”

نظرت والدته إليه ببطء.

“أي كرسي؟”

“لقيت كرسي بالممر.”

صمتت قليلاً، ثم قالت:

“يمكن ليان.”

كانت ليان تأكل خبزاً وجبناً. رفعت رأسها بسرعة.

“أنا؟ لا. أنا نمت وما صحيت.”

ابتسم سامر محاولاً إنهاء الموضوع.

“يمكن أنا حركته ونسيت. كنت تعبان.”

لم تضحك والدته. بقيت تنظر إلى الممر.

في الليلة الثانية، حدث الأمر نفسه.

استيقظ سامر بعد منتصف الليل بدقائق. هذه المرة كان يعرف أنه سيستيقظ، كأن جسده كان ينتظر ذلك الموعد. نظر إلى الهاتف: 12:01.

لم تمر سوى دقيقة حتى سمع صوتاً من المطبخ.

صوت كوب يُوضع على الطاولة.

جلس فوراً.

ثم سمع صوت ماء خفيف. كأن الصنبور فُتح لثانية واحدة ثم أُغلق.

خرج من غرفته بسرعة، وأضاء مصباح الممر.

لا شيء.

دخل المطبخ.

كل شيء في مكانه، إلا كوب زجاجي واحد كان موضوعاً في منتصف الطاولة. كان جافاً تماماً، لكن تحته دائرة رطبة صغيرة، كأن أحداً كان قد ملأه بالماء قبل لحظات.

اقترب سامر من الحوض. الصنبور مغلق. لم يكن هناك ماء يسيل.

شعر بقشعريرة تصعد من أسفل ظهره.

لم يكن خائفاً بعد، لكنه بدأ يشعر أن هناك شيئاً غير مفهوم يحدث في البيت، شيئاً صغيراً جداً، لكنه يتكرر بدقة مزعجة.

في اليوم الثالث، بدأت والدته تتصرف بغرابة.

كانت ترفض البقاء وحدها في الصالة بعد المغرب. كلما انتهوا من العشاء، تجمعهم في غرفة واحدة بحجة أنها تريد الحديث معهم أو مشاهدة التلفاز. عندما كانت تذهب إلى المطبخ، كانت تطلب من ليان أن ترافقها. وعندما سألها سامر إن كان هناك شيء يزعجها، قالت:

“لا شيء. بس البيت كبير.”

لكنه رآها أكثر من مرة تنظر إلى الساعة بعد الحادية عشرة ليلاً.

في الليلة الرابعة، استيقظت ليان وهي تبكي.

دخل سامر غرفتها بسرعة، فوجدها جالسة على السرير، تضم بطانيتها إلى صدرها، وعيناها واسعتان من الخوف.

“شو صار؟”

قالت وهي تشير إلى النافذة:

“كان في حدا برا.”

نظر سامر إلى النافذة. كانت تطل على الحديقة الصغيرة. الزجاج مغلق، والستارة نصف مفتوحة.

“يمكن قطة.”

هزت رأسها بعنف.

“لا. كان واقف. طويل. بس ما شفت وجهه.”

فتح سامر النافذة ونظر إلى الحديقة. لم يجد أحداً. تراب الحديقة كان جافاً، ولا تظهر عليه أي آثار واضحة.

قال لها:

“يمكن حلم.”

ردت بصوت مرتجف:

“أنا ما كنت نايمة. كنت سامعة صوت.”

“أي صوت؟”

خفضت صوتها، وكأنها تخاف أن يسمعها أحد.

“كان يقول: لا تناموا.”

تجمد سامر في مكانه.

“مين؟”

“الصوت. كان من برا. قالها مرتين.”

حاول أن يبدو هادئاً.

“يمكن صوت من الشارع.”

قالت:

“لا. كان قريب من النافذة.”

في تلك الليلة، نامت ليان في غرفة والدتها. أما سامر، فبقي جالساً في الصالة حتى الفجر، والهاتف في يده، ينتظر أي صوت.

لكن البيت لم يصدر شيئاً.

صمت تام.

وكأن ما حدث لم يكن إلا رسالة قصيرة، قالها ثم انسحب.

مر أسبوع.

بدأت العائلة تعتاد نوعاً ما على البيت، أو بالأحرى تتظاهر بالاعتياد. في النهار، كانوا يعيشون بشكل طبيعي. سامر يذهب إلى عمله، ليان إلى المدرسة، ووالدته تنظف وتطبخ وتقرأ القرآن بصوت منخفض. لكن بعد منتصف الليل، لم يعد أحد منهم ينام بعمق.

صاروا يتركون ضوء الممر مشتعلاً. ثم ضوء المطبخ. ثم ضوء الحمام أيضاً.

وفي كل ليلة، كان شيء بسيط يحدث.

مرة يجدون باب الخزانة مفتوحاً.

مرة يسمعون ثلاث طرقات على الجدار، مع أن الجدار يفصلهم عن الحديقة لا عن بيت الجيران.

مرة يجد سامر حذاءه عند باب البيت، رغم أنه تركه في غرفته.

ومرة، وهي الأكثر إزعاجاً، وجدوا ساعة الحائط متوقفة عند 12:00 تماماً، رغم أن البطارية كانت جديدة.

كانت أم سامر أول من قال الجملة التي كانوا يهربون منها جميعاً:

“هذا البيت لا ينام.”

قالتها عند الفجر، وهي تجلس في المطبخ، وجهها شاحب وعيناها متعبتان.

حاول سامر أن يعترض، لكنه لم يجد ما يقوله.

“البيت لا ينام؟ يعني ماذا؟”

قالت الأم:

“في بيوت يا ابني تكون ساكنة، وفي بيوت تكون… صاحيّة. كأنها تنتظر الليل.”

لم يكن سامر يؤمن بهذا الكلام. كان يؤمن بالأسباب الواضحة: كهرباء، رطوبة، خشب، فئران، جيران مزعجون، أحلام بسبب التوتر. لكن مع مرور الأيام، بدأت الأسباب العادية تضيق.

قرر أن يتحدث مع الجيران.

في عصر اليوم التالي، خرج إلى دكان صغير في أول الشارع. كان صاحبه رجلاً في الستين، يجلس خلف طاولة خشبية ويقرأ صحيفة قديمة. اشترى سامر بعض الحاجيات، ثم قال بشكل عابر:

“نحن سكنّا بالبيت القديم آخر الشارع.”

رفع الرجل عينيه عن الصحيفة.

تغير وجهه قليلاً.

“بيت أبو نادر؟”

“لا أعرف اسم صاحبه. البيت البني، اللي فيه شجرة ليمون.”

طوى الرجل الصحيفة ببطء.

“نعم. بيت أبو نادر.”

انتظر سامر أن يقول شيئاً آخر، لكنه لم يفعل.

سأله:

“تعرف عنه شيء؟”

قال الرجل:

“بيت قديم. الله يعينكم على صيانته.”

“كان فيه مستأجرين قبلنا؟”

صمت الرجل لحظة، ثم قال:

“ناس كثير دخلوا وطلعوا.”

“ليش؟”

نظر صاحب الدكان إلى الشارع، ثم إلى سامر.

“كل واحد وله ظروفه.”

كانت الإجابة واضحة في غموضها.

قال سامر مباشرة:

“في شيء بالبيت؟”

ابتسم الرجل ابتسامة بلا فرح.

“يا ابني، البيوت مثل الناس. في بيت ترتاح فيه من أول يوم، وفي بيت لا تعرف لماذا يضيق صدرك فيه.”

“يعني؟”

“يعني إذا قدرت تطلع، اطلع.”

عاد سامر إلى البيت وهو يحمل كيس الحاجيات وكلمات الرجل تتردد في رأسه.

إذا قدرت تطلع، اطلع.

لكن إلى أين؟ لم يكن يملك مالاً لانتقال جديد. دفعوا تأمين البيت، ونقلوا الأثاث، وسددوا ديوناً صغيرة. الخروج الآن يعني خسارة كل شيء.

قال لنفسه إن الجيران يحبون القصص. كل حي فيه بيت ينسجون حوله الحكايات. ربما مات فيه رجل، أو تشاجرت فيه عائلة، أو انتشرت عنه شائعة قديمة.

لكنه لم يخبر والدته بما سمعه.

في تلك الليلة، حدث أول أمر لا يمكن تفسيره بأي طريقة.

كانوا جميعاً في الصالة. الساعة تقترب من الثانية عشرة. التلفاز يعمل بصوت منخفض، لكنه لم يكن يشاهده أحد. ليان كانت ترسم في دفترها، وأم سامر تقلب مسبحتها، وسامر يحاول قراءة بعض الأخبار على هاتفه.

عند 12:00 تماماً، انطفأ التلفاز.

ثم انطفأ ضوء الصالة.

ثم ضوء الممر.

ثم ضوء المطبخ.

غرق البيت في ظلام كامل.

صرخت ليان.

مد سامر يده إلى هاتفه، لكن الشاشة لم تعمل. ضغط زر التشغيل أكثر من مرة، لا شيء. كأن البطارية فارغة، رغم أنها كانت مشحونة قبل دقائق.

قال بصوت حاول أن يجعله ثابتاً:

“ابقوا مكانكم.”

نهض ببطء، يمد يده أمامه. كان يعرف مكان الطاولة تقريباً، لكنه اصطدم بطرفها. سمع والدته تهمس بآية قصيرة.

ثم جاء الصوت.

لم يكن من الخارج.

كان من داخل البيت.

طرق خفيف على باب الصالة.

ثلاث طرقات.

طق… طق… طق…

توقف الجميع عن التنفس تقريباً.

باب الصالة كان مفتوحاً. لم يكن هناك باب مغلق ليُطرق.

ومع ذلك، تكرر الصوت.

طق… طق… طق…

هذه المرة، أقرب. كأنه على الخشب نفسه. كأن هناك باباً غير مرئي بين الصالة والممر.

قالت ليان بصوت مكسور:

“ماما…”

لم تجب الأم.

سامر تحرك نحو الممر. في الظلام، شعر أن البيت تغيّر. المسافة بين الصالة والممر بدت أطول. الجدار الذي يفترض أن يكون على يمينه لم يكن قريباً كما يتذكر. مد يده فلم يلمس شيئاً.

ثم رأى ضوءاً.

في نهاية الممر، من تحت باب الغرفة الصغيرة التي كانوا يستخدمونها كمخزن، كان هناك خط أصفر خافت. الغرفة التي لا نافذة فيها. الغرفة التي لم يدخلها أحد منذ يومين.

توجه نحوها ببطء.

كل خطوة على الخشب كانت تصدر صوتاً عالياً. خلفه، لم يسمع صوت والدته ولا ليان. كأن الصالة ابتعدت.

وصل إلى باب المخزن.

كان الضوء يخرج من تحته بوضوح الآن. ليس ضوء مصباح كهربائي، بل ضوء قديم، أصفر، يرتجف كأنه صادر عن شمعة.

وضع يده على المقبض.

كان بارداً جداً.

فتح الباب دفعة واحدة.

الغرفة مظلمة.

لا ضوء. لا شمعة. لا شيء.

في اللحظة نفسها، عادت الكهرباء. اشتعل ضوء الممر بقوة، فأغمض سامر عينيه.

عندما فتحهما، رأى شيئاً على أرض المخزن.

ورقة قديمة مطوية.

انحنى والتقطها.

كانت الورقة صفراء، حوافها متآكلة، وعليها كتابة بخط يد مرتجف:

“لا تطفئوا الضوء بعد منتصف الليل.”

قرأها مرة. ثم مرة أخرى.

لم تكن الورقة من أغراضهم.

لم تكن موجودة عندما وضعوا الصناديق في المخزن.

أخذها وعاد إلى الصالة. كانت والدته تضم ليان بقوة. الهاتف عاد للعمل، والتلفاز أيضاً، كأن شيئاً لم يحدث.

عندما رأت الأم الورقة في يده، لم تسأله من أين جاءت. فقط أغمضت عينيها وقالت:

“يا رب سلم.”

في اليوم التالي، لم يذهب سامر إلى عمله.

بدأ يفتش البيت.

فتح الخزائن، نظر تحت الأسرّة، خلف الأبواب، داخل المخزن. بحث عن أي فتحة، أي أثر، أي دليل على أن أحداً يدخل البيت ليلاً. لم يجد شيئاً.

وفي المخزن، خلف صندوق قديم كانوا قد جلبوه معهم، لاحظ شيئاً على الجدار.

جزء من الطلاء كان مختلفاً.

طرق عليه بيده. الصوت كان أجوف.

أحضر مفكاً ومطرقة صغيرة، وبدأ يزيل طبقة الطلاء القديمة. بعد دقائق، ظهرت حواف خشبية مستطيلة. كان هناك باب صغير مخفي في الجدار، بحجم نافذة تقريباً، مغلق بمسمارين صدئين.

نادى والدته، لكنها رفضت أن تقترب. وقفت عند باب المخزن وقالت:

“اتركه يا سامر.”

لكنه لم يستطع.

كان يحتاج إلى تفسير. أي تفسير.

أزال المسمارين، وفتح الباب الصغير.

خلفه كانت فتحة ضيقة، أشبه بخزانة داخل الجدار. رائحة غبار قديم خرجت منها، رائحة ورق ورطوبة وزمن مغلق.

في الداخل، وجد صندوقاً معدنياً صغيراً.

أخرجه ووضعه على الأرض. لم يكن مقفلاً. فتحه.

كان يحتوي على دفتر، ومفتاح قديم، وصورة عائلية باهتة.

في الصورة، ظهر رجل في الأربعين، امرأة متعبة الملامح، وطفلان؛ ولد صغير وفتاة أكبر قليلاً. كانوا واقفين أمام نفس البيت. الشجرة في الحديقة كانت خضراء وقتها.

قلب سامر الصورة. على ظهرها مكتوب:

“آخر صورة قبل الليالي الطويلة.”

فتح الدفتر.

كانت الصفحات الأولى عادية. ملاحظات عن مصاريف البيت، أسماء أطباء، أرقام هواتف، تواريخ. ثم بدأت الكتابة تتغير.

“الليلة الثالثة: استيقظنا جميعاً بعد منتصف الليل. لم يحدث شيء واضح، لكننا شعرنا أن أحداً يمشي في الممر.”

“الليلة السابعة: وجدنا كرسي المطبخ أمام غرفة نادر.”

“الليلة العاشرة: قالت سلوى إن شخصاً وقف عند النافذة وطلب منها ألا تنام.”

قلب سامر الصفحات بسرعة. الأسماء تتكرر: نادر، سلوى، أم نادر.

ثم وجد جملة جعلت يده تتوقف:

“من يسكن هذا البيت بعدنا يجب أن يعرف: المشكلة ليست في الأصوات. المشكلة في النوم.”

قرأ الصفحة كاملة.

كان كاتب الدفتر هو أبو نادر، صاحب البيت كما يبدو. كتب أن عائلته بدأت تعاني من أشياء غريبة بعد انتقالها إلى البيت بسنوات. لم تكن المشكلة في الأشباح كما ظنوا، بل في أن البيت كان “يرفض النوم”. كلما نام أهله بعد منتصف الليل، بدأت الأحلام تتشابه بينهم. يرون الممر نفسه، الباب نفسه، والضوء الأصفر نفسه. ومع الوقت، صاروا يستيقظون وهم يجدون أشياء من أحلامهم في الواقع.

في إحدى الليالي، نام الابن الصغير نادر رغم تحذيرات والدته. في الصباح، لم يجدوه في سريره. لم يكن الباب مفتوحاً، ولا النافذة مكسورة. بحثوا عنه أياماً. ثم، في الليلة السابعة بعد اختفائه، سمعوا طرقاً من داخل الجدار.

طرقاً خفيفاً.

ثلاث مرات.

كان الدفتر ينتهي بعد ذلك بعدة صفحات فارغة، ثم صفحة أخيرة مكتوبة بخط غير واضح:

“نادر لم يخرج من البيت. البيت فقط غيّر مكانه.”

لم يفهم سامر الجملة.

أو ربما فهمها، لكنه رفض أن يعترف بذلك.

في المساء، أخبر والدته بما وجد، باستثناء التفاصيل التي قد ترعب ليان أكثر. قال لها إن البيت كان له تاريخ مزعج، وإنهم سيحاولون الانتقال في أقرب وقت.

لكن والدته قالت بهدوء:

“لازم نطلع قبل ما ينام أحد بعد منتصف الليل.”

“يعني نبقى صاحيين كل ليلة؟”

“إلى أن نخرج، نعم.”

لم يكن الاقتراح منطقياً، لكنه كان أفضل من تجاهل ما يحدث.

قرروا أن يناموا في النهار قدر الإمكان، وأن يبقوا مستيقظين بعد منتصف الليل. في البداية، بدا الأمر قابلاً للتنفيذ. جلسوا معاً في الصالة، شربوا القهوة، تركوا الأضواء كلها مشتعلة، وقرأ سامر من الدفتر محاولاً فهم الباقي.

لكن الإرهاق لا يحتاج إلى إذن.

بعد ثلاث ليالٍ، بدأت ليان تغفو وهي جالسة. كانت رأسها تميل قليلاً ثم تنتفض. أمها توقظها بلطف. سامر يطلب منها غسل وجهها. لكنها كانت طفلة، والخوف لا يمنع النوم إلى الأبد.

في الليلة الرابعة، عند الساعة 1:17 بعد منتصف الليل، نامت ليان.

لم ينتبه سامر فوراً. كان في المطبخ يملأ إبريق الماء. عندما عاد إلى الصالة، رأى رأسها مستنداً إلى كتف والدتها، وعينيها مغمضتين.

قال بسرعة:

“ليان!”

فتحت الأم عينيها بفزع، وهزت ابنتها.

“ليان… قومي.”

لم تستجب.

اقترب سامر ورفع وجهها بيده.

كانت تتنفس، لكنها باردة. ليست برودة موت، بل برودة شخص نائم في مكان بعيد جداً.

ثم بدأت تهمس.

لم تكن تفتح عينيها.

قالت بصوت منخفض:

“الممر طويل… طويل كثير…”

بكى صوت الأم:

“ليان، اصحي يا بنتي.”

قالت ليان:

“في ضوء تحت الباب.”

شد سامر كتفيها.

“ليان! افتحي عيونك!”

فجأة، ضربت الساعة المعلقة على الجدار اثنتي عشرة دقة.

مع أن الوقت كان 1:18.

توقفت الأضواء عن الوميض، ثم خفتت، لكنها لم تنطفئ.

من الممر، جاء صوت خطوات.

بطيئة.

خفيفة.

كأن طفلاً يمشي حافياً على الخشب.

التفت سامر.

في نهاية الممر، قرب باب المخزن، كان هناك ظل صغير. لم يكن واضحاً. مجرد هيئة طفل يقف في الضوء الخافت.

الأم غطت فمها بيدها.

قال سامر بصوت مبحوح:

“مين هناك؟”

لم يتحرك الظل.

ثم سمعوا صوت طفل يقول:

“لا تخلوها تنام.”

كان الصوت بعيداً وقريباً في الوقت نفسه. كأنه يخرج من الجدران.

اقترب سامر خطوة.

الظل رفع يده وأشار إلى غرفة ليان.

ثم اختفى الضوء.

في اللحظة نفسها، فتحت ليان عينيها وصرخت.

لم تكن تصرخ من شيء تراه أمامها، بل من شيء عادت منه.

احتضنتها أمها وهي ترتجف.

سألها سامر:

“شو شفتي؟”

استغرقت وقتاً قبل أن تستطيع الكلام.

قالت:

“كنت في البيت… بس مو بيتنا.”

“كيف يعني؟”

“نفس الممر، بس أطول. كل ما أمشي، الباب يبعد. وكان في ولد صغير يقول لي: لا تدخلي الغرفة. إذا دخلتي، بتنسي طريق الرجعة.”

نظر سامر إلى الدفتر.

نادر.

في اليوم التالي، قرر أن يجد صاحب البيت بأي طريقة.

اتصل بالسمسار، لكنه تهرب. قال إن المالك خارج البلاد، وإن التواصل معه صعب. ضغط عليه سامر حتى أعطاه رقماً قديماً. اتصل به مرات عدة حتى رد رجل مسن بصوت متعب.

“من؟”

“أنا ساكن في بيتك. البيت اللي آخر الشارع.”

ساد صمت طويل.

ثم قال الرجل:

“اخرج.”

لم يقل مرحباً. لم يسأل عن الإيجار. فقط قالها.

“اخرج.”

قال سامر بغضب:

“لماذا لم تخبرنا؟ ماذا في البيت؟”

تنفس الرجل بصعوبة.

“قلت للسمسار ألا يؤجره لعائلة فيها أطفال.”

“عندك ابن اسمه نادر؟”

انقطع النفس في الطرف الآخر.

“أين سمعت هذا الاسم؟”

“وجدت دفتر. وصورة. و…”

قاطعه الرجل:

“لا تفتحوا باب المخزن بعد منتصف الليل.”

“لماذا؟”

“لأنه ليس مخزناً دائماً.”

لم يفهم سامر.

قال الرجل:

“اسمعني جيداً. البيت لا يؤذي من يبقى مستيقظاً. هو لا يهاجم. لا يظهر كما تتخيل. هو فقط ينتظر اللحظة التي يغيب فيها وعيك، ثم يفتح لك باباً في الحلم. إذا مشيت كثيراً داخله، لن تعرف كيف تعود.”

“وابنك؟”

صمت الرجل طويلاً.

ثم قال:

“نادر كان يسمعنا بعد اختفائه. كنا نسمعه يطرق. لكنه لم يكن في الجدار. كان في نسخة أخرى من البيت. نسخة لا ينتهي فيها الليل.”

شعر سامر بأن الهاتف صار ثقيلاً في يده.

“كيف نخرج؟”

قال الرجل:

“اخرجوا قبل منتصف الليل. ولا تنظروا خلفكم إذا سمعتم أحداً ينادي.”

“هذا كلام غير منطقي.”

ضحك الرجل ضحكة حزينة.

“كلنا قلنا ذلك في البداية.”

ثم أغلق الخط.

في تلك الليلة، قرر سامر أنهم سيغادرون البيت مهما حدث.

لم يكن لديهم مكان واضح يذهبون إليه. ربما إلى بيت خالته ليومين، رغم ضيقه. ربما يستأجر غرفة مؤقتة. لم يعد المال مهماً. هناك لحظة يدرك فيها الإنسان أن الخسارة الحقيقية ليست في ما يدفعه، بل في ما قد لا يستطيع استعادته.

بدأوا بجمع الضروريات قبل المغرب: أوراق، ملابس، أدوية الأم، كتب ليان المدرسية، بعض المال. اتفقوا أن يخرجوا عند الحادية عشرة والنصف ليلاً، قبل منتصف الليل بنصف ساعة.

كان كل شيء يسير بسرعة.

لكن البيت بدا كأنه يعرف.

منذ غابت الشمس، بدأت الأصوات.

أولاً، طرقات خفيفة في الجدران.

ثم صوت ماء في المطبخ.

ثم صوت كرسي يُسحب ببطء في غرفة فارغة.

لم يلتفتوا.

قال سامر:

“لا أحد يرد. لا أحد يدخل أي غرفة وحده.”

في الساعة الحادية عشرة وعشر دقائق، كانوا قرب الباب الرئيسي. الأم ترتدي عباءتها، ليان تمسك حقيبتها الصغيرة، وسامر يحمل حقيبتين.

مد يده إلى المقبض.

لم يفتح.

حاول مرة أخرى. الباب عالق.

وضع الحقائب أرضاً، وجذب المقبض بقوة. لا فائدة.

قالت الأم:

“المفتاح.”

أدخل المفتاح، أداره. سمع صوت القفل يتحرك، لكن الباب لم يفتح. كأن شيئاً من الجهة الأخرى يسنده.

بدأت ليان تبكي بصمت.

من الممر، جاء صوت طفل.

“ليس من الباب.”

التفتوا جميعاً.

كان الصوت من جهة المخزن.

قال سامر:

“لا.”

عاد الصوت:

“ليس من الباب… من الغرفة التي فيها الضوء.”

قالت الأم:

“لا تسمع له.”

لكن ليان قالت وهي ترتجف:

“هذا الولد اللي شفته.”

نظر سامر إلى الساعة: 11:23.

أمامه سبع وثلاثون دقيقة قبل منتصف الليل.

حمل مصباحاً يدوياً من الحقيبة، وأمسك بيد ليان. قال لوالدته:

“نمشي مع بعض. لا أحد يترك يد الثاني.”

اتجهوا إلى المخزن.

كان الباب مفتوحاً قليلاً، مع أنهم تركوه مغلقاً.

من تحته خرج ضوء أصفر خافت.

تماماً كما في الحلم.

وقف سامر أمام الباب. تذكر كلام الرجل: لا تفتحوا باب المخزن بعد منتصف الليل. لم يكن الوقت قد تجاوز منتصف الليل بعد. ربما كان هذا هو الفرق الوحيد بينهم وبين من سبقهم.

فتح الباب.

لم يكن المخزن كما يعرفه.

كانت الغرفة أكبر. الجدران أبعد. الصناديق اختفت. وفي الجهة المقابلة، ظهر ممر طويل يشبه ممر البيت، لكنه أطول بكثير، مضاء بضوء أصفر متقطع. الأرضية خشبية، والجدران عليها نفس الطلاء الباهت، لكن هناك رطوبة سوداء في الزوايا.

قالت الأم:

“يا رب…”

قال سامر:

“نمشي بسرعة.”

دخلوا.

لم يكن هناك هواء. أو كان هناك هواء قديم، محبوس منذ سنوات. كل خطوة كانوا يخطونها تجعل الأرضية تئن تحتهم.

بعد أمتار قليلة، سمعوا طرقاً خلفهم.

طق… طق… طق…

لم يلتفت سامر.

قال:

“لا تنظروا.”

لكن الصوت تحول إلى همس.

“سامر…”

كان الصوت صوت والده.

توقف قلبه تقريباً.

“سامر… تعال.”

شعر بيد أمه تشد يده بقوة.

قالت:

“لا ترد.”

تابع المشي.

ثم سمع صوتاً آخر. صوت أمه، لكنه آتٍ من الخلف، رغم أنها تمسك بيده.

“يا ابني، نسيتني.”

بدأت الأم الحقيقية تبكي وهي تردد:

“لا حول ولا قوة إلا بالله.”

ليان وضعت يدها على أذنها.

الممر لا ينتهي.

كان سامر يرى في نهايته باباً خشبياً، لكن كلما اقتربوا، بدا أبعد. تذكر كلام ليان: كل ما أمشي، الباب يبعد.

قال في نفسه إن الخوف هو ما يجعله يشعر بذلك. لابد أن الممر سينتهي. لابد.

ثم ظهر الطفل.

كان واقفاً قرب الجدار، على بعد خطوات. طفل صغير يرتدي قميصاً قديماً، وجهه غير واضح تماماً، ليس مشوهاً ولا مرعباً، فقط كأنه مغطى بطبقة من الظل. رفع يده وأشار إلى باب جانبي لم يكن موجوداً قبل لحظة.

قال:

“من هنا. بسرعة. قبل ما يسمع البيت أسماءكم.”

سأله سامر:

“أنت نادر؟”

لم يجب الطفل.

قال فقط:

“أنا بقيت كثيراً. لا تتركوا البنت تنام هنا.”

فتح سامر الباب الجانبي.

خلفه كانت الصالة.

صالتهم نفسها.

لكنها مختلفة. الأثاث مغطى بالغبار، الجدران متشققة، وساعة الحائط متوقفة عند 12:00. على الأرض، قرب الطاولة، كانت هناك ألعاب أطفال قديمة، وصورة العائلة التي وجدها في الصندوق.

قالت ليان:

“هذا بيته.”

الطفل وقف عند العتبة.

“اخرجوا من الباب الآن. لا تأخذوا شيئاً. ولا تنادوا أحداً.”

دخلوا الصالة. ساروا نحو الباب الرئيسي. هذه المرة كان مفتوحاً قليلاً.

خلفهم، بدأ البيت يصدر أصواتاً كثيرة دفعة واحدة: خطوات، همسات، فتح أدراج، سحب كراسي، طرق على الجدران، كأن كل الليالي السابقة استيقظت في لحظة واحدة.

ركضوا.

وصل سامر إلى الباب ودفعه.

انفتح على الشارع.

هواء الليل البارد ضرب وجوههم.

خرجت الأم أولاً، ثم ليان، ثم سامر.

وفي اللحظة التي وضع فيها قدمه خارج البيت، سمع صوت الطفل خلفه:

“لا تنسوني.”

كاد أن يلتفت.

لكن أمه صرخت:

“لا!”

أغلق سامر عينيه ودفع الباب خلفه دون أن ينظر.

ركضوا حتى وصلوا إلى أول الشارع. أمام الدكان القديم، توقفوا لالتقاط أنفاسهم. كانت الساعة في هاتف سامر 11:59.

بعد دقيقة واحدة، انطفأ ضوء البيت كله.

لم يناموا تلك الليلة.

جلسوا في بيت خالة سامر حتى الصباح. لم يتكلم أحد كثيراً. ليان بقيت ممسكة بيد أمها. وسامر جلس قرب النافذة، يراقب الشارع كأنه يتوقع أن يجد البيت أمامه فجأة.

في اليوم التالي، عاد وحده عند الظهر ليأخذ بعض الأغراض.

كان البيت عادياً.

الشمس تدخل من النوافذ، والهدوء يملأ المكان. الباب فتح بسهولة. الصالة كما تركوها، الحقائب القليلة قرب المدخل، المطبخ مرتب، الممر قصير كما يجب أن يكون.

لولا الورقة التي وجدها على الطاولة، لظن أن كل شيء كان كابوساً جماعياً.

كانت الورقة مطوية بعناية.

فتحها.

بخط طفل صغير، كُتب:

“أنا لم أعد أطرق. شكراً لأنكم سمعتم.”

تحت الجملة، كان هناك رسم بسيط: بيت، وشجرة ليمون، وثلاثة أشخاص يخرجون من الباب، وطفل صغير يقف عند النافذة.

أخذ سامر الورقة، وخرج دون أن يأخذ شيئاً آخر.

بعد أسبوع، انتقلت العائلة إلى شقة صغيرة في حي مزدحم. لم تكن مريحة، ولم تكن رخيصة، لكنها كانت مليئة بالأصوات: سيارات، جيران، أطفال، أبواب، حياة. لأول مرة، شعر سامر أن الضجيج نعمة.

أما البيت القديم، فبقي فارغاً.

سمع بعد أشهر أن السمسار حاول تأجيره من جديد. جاء رجل أعزب، شاهده من الخارج، وكاد يوقع العقد. لكنه غادر فجأة بعد أن وقف أمام الباب لدقائق.

قال لاحقاً لصاحب الدكان إنه سمع طفلاً من الداخل يهمس:

“لا تسكن هنا… إذا كنت تحب النوم.”

ومنذ ذلك اليوم، لم يقترب أحد من البيت بعد الغروب.

لكن بعض سكان الشارع يقولون إنهم، في ليالٍ معينة، يرون ضوءاً أصفر خافتاً تحت باب المخزن، رغم أن الكهرباء مقطوعة عن البيت منذ سنوات.

وأحياناً، عند منتصف الليل تماماً، يسمعون ثلاث طرقات خفيفة من الداخل.

طق… طق… طق…

ليست طرقات طلباً للدخول.

بل تحذيراً لمن يفكر أن ينام.


تنبيه مناسب للنشر:

هذا المحتوى قصة خيالية لأغراض ترفيهية وثقافية، مستوحاة من أجواء الغموض والحكايات الشعبية، ولا يهدف إلى إثبات أو نفي أي ظاهرة غيبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!