تجارب مرعبة

الطفل الذي كان يطرق الباب كل ليلة

بقلم:فريق كابوس

الطفل الذي كان يطرق الباب كل ليلة

لم يكن سامر يؤمن بالأرواح، ولا بالبيوت المسكونة، ولا بالقصص التي تبدأ بطرقة باب وتنتهي بصوت قادم من الظلام. كان يضحك دائماً عندما يسمع مثل هذه الحكايات، ويقول إن الخوف مجرد لعبة يصنعها العقل عندما يكون الإنسان وحيداً.

لكن كل ذلك تغيّر بعد انتقاله إلى الشقة رقم سبعة.

كانت الشقة في الطابق الثالث من بناء قديم يقع في شارع هادئ على أطراف المدينة. إيجارها كان رخيصاً بشكل غريب، وهذا ما جعله يوافق عليها دون تفكير طويل. صاحب البناء، رجل مسن قليل الكلام، سلّمه المفتاح وقال له جملة واحدة قبل أن يرحل:

“لا تفتح الباب بعد منتصف الليل.”

ضحك سامر وقتها، وظن أن الرجل يمزح أو يحاول إخافته. لكنه لم يكن يعرف أن هذه الجملة ستبقى عالقة في رأسه لليالٍ طويلة.

في الليلة الأولى، رتّب أغراضه بسرعة. لم يكن لديه الكثير: سرير صغير، مكتب خشبي، بعض الكتب، وحقيبة ملابس. الشقة كانت باردة رغم أن الجو في الخارج لم يكن كذلك. أكثر ما لفت انتباهه هو ممر طويل يفصل غرفة النوم عن باب الشقة. كان الممر ضيقاً، والإضاءة فيه ضعيفة، كأن المصباح لا يريد أن يضيء بالكامل.

عند الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، استيقظ سامر فجأة.

لم يعرف ما الذي أيقظه في البداية. ظل مستلقياً، يحدق في السقف، ثم سمع الصوت.

طرق خفيف على الباب.

تك… تك… تك…

لم يكن طرقاً قوياً، بل طرقاً ناعماً، متردداً، كأن طفلاً صغيراً يلمس الباب بأطراف أصابعه.

رفع سامر رأسه من الوسادة، وانتظر قليلاً.

عاد الصوت من جديد.

تك… تك… تك…

نهض ببطء، وهو يتمتم بضيق:

“مين في هالوقت؟”

مشى في الممر باتجاه الباب. كان المكان ساكناً بشكل مزعج. حتى صوت خطواته بدا أعلى من المعتاد. عندما وصل إلى الباب، نظر من العين الصغيرة، لكنه لم يرَ أحداً.

فتح الباب بسرعة.

كان الممر الخارجي فارغاً.

لا أحد.

نظر يميناً ويساراً. السلم مظلم. باب المصعد مغلق. لا صوت. لا حركة.

أغلق الباب وهو يبتسم بسخرية، وقال لنفسه:

“أكيد أحد الجيران عم يمزح.”

عاد إلى سريره، لكنه لم يستطع النوم بسهولة. ظل يستمع لأي صوت، لكنه لم يسمع شيئاً حتى الصباح.

في الليلة الثانية، حدث الأمر نفسه.

الساعة الثالثة وخمس عشرة دقيقة.

تك… تك… تك…

هذه المرة لم ينهض فوراً. بقي جالساً على السرير، ينظر إلى الباب من بعيد. الطرق كان منتظماً. ثلاث طرقات، ثم صمت. بعد دقيقة، ثلاث طرقات أخرى.

تك… تك… تك…

شعر سامر بضيق غريب في صدره. لم يكن خائفاً تماماً، لكنه لم يكن مرتاحاً. نهض، مشى إلى الباب، نظر من العين الصغيرة.

لا أحد.

فتح الباب.

الممر فارغ.

لكن هذه المرة وجد شيئاً على الأرض.

سيارة لعبة صغيرة، لونها أحمر باهت، عجلاتها مكسورة، وكأنها بقيت سنوات طويلة تحت الغبار.

انحنى والتقطها. كانت باردة جداً، أبرد من هواء الممر. قلبها بين يديه، ثم نظر حوله مرة أخرى.

“مين حاططها هون؟”

لم يجبه أحد.

أخذ اللعبة إلى الداخل ووضعها على الطاولة قرب الباب. حاول إقناع نفسه أن أحد الأطفال في البناء نسيها، لكن شيئاً في داخله لم يصدق ذلك. لم يكن في البناء أطفال. على الأقل، لم يرَ أي طفل منذ أن انتقل إليه.

في الصباح، سأل الحارس عن السيارة الصغيرة.

تغيّر وجه الحارس فوراً عندما رآها.

قال سامر:

“لقيتها قدام بابي بالليل. يمكن لحدا من الجيران؟”

صمت الحارس قليلاً، ثم قال:

“ارميها.”

“ليش؟”

“بس ارميها.”

ضحك سامر بتوتر:

“شو القصة؟ لعبة طفل يعني.”

رفع الحارس عينيه إليه وقال بصوت منخفض:

“بعض الأشياء لما ترجع، ما لازم تحتفظ فيها.”

لم يفهم سامر ما قصده. لكنه رمى السيارة في صندوق القمامة خارج البناء، ثم ذهب إلى عمله.

عندما عاد مساءً، وجد السيارة على الطاولة داخل الشقة.

في نفس المكان الذي وضعها فيه أول مرة.

تجمّد عند الباب.

ظل ينظر إليها طويلاً. لم يكن ممكناً. هو متأكد أنه رماها. حتى أنه تذكر صوتها وهي تسقط داخل صندوق القمامة.

اقترب منها ببطء. كانت مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار، وعلى جانبها خدش صغير لم ينتبه له من قبل. مد يده ليلمسها، لكنه سحبها بسرعة عندما شعر ببرودتها.

في تلك الليلة، لم ينم سامر.

جلس في الصالة، وضع كرسيه أمام الباب، وقرر أن ينتظر.

مرت الساعة الواحدة.

ثم الثانية.

ثم الثالثة.

عند الثالثة وخمس عشرة دقيقة بالضبط…

تك… تك… تك…

كان الصوت قريباً، واضحاً، هادئاً.

لم يتحرك سامر. شعر بأن جسده أصبح ثقيلاً. بقي ينظر إلى الباب، ينتظر أن يتكرر الطرق.

تك… تك… تك…

وقف فجأة، اقترب من الباب، ووضع عينه على الفتحة الصغيرة.

هذه المرة رأى شيئاً.

لم يرَ وجهاً كاملاً، بل جزءاً من رأس صغير. شعر طفل أسود، وكتف نحيل، ويد صغيرة مرفوعة قرب الباب.

ابتعد سامر بسرعة وهو يلهث.

“مين؟”

لم يجب أحد.

قال بصوت أعلى:

“مين عند الباب؟”

جاءه صوت خافت من خلف الباب.

صوت طفل.

“لا تطفئ الضوء.”

شعر سامر بقشعريرة تمشي في ظهره.

قال:

“شو؟”

عاد الصوت، أضعف من المرة الأولى:

“لا تطفئ الضوء… هو يصحى بالظلام.”

فتح سامر الباب بقوة.

الممر فارغ.

لكن المصباح فوق السلم كان يهتز، والهواء بارد جداً. وعلى الأرض، قرب العتبة، كانت هناك ورقة صغيرة مطوية.

فتحها بيد مرتجفة.

كان مكتوباً عليها بخط طفولي غير منتظم:

لا تنظر تحت السرير.

عاد سامر إلى الداخل وأغلق الباب بالمفتاح. لم يجرؤ على الالتفات نحو غرفة النوم. بقي واقفاً في الممر، والورقة في يده، يسمع دقات قلبه كأنها تملأ الشقة كلها.

في تلك الليلة، نام على الكنبة، وكل مصابيح الشقة مضاءة.

في اليوم التالي، ذهب إلى صاحب البناء. وجده جالساً في دكان صغير أسفل الشارع، يشرب الشاي بصمت.

وضع سامر السيارة الحمراء والورقة أمامه وقال:

“بدي أعرف شو قصة الشقة.”

نظر الرجل إلى الأشياء، ولم يبدُ عليه الاستغراب. فقط تنهد، كأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

قال:

“قلت لك لا تفتح الباب بعد منتصف الليل.”

رد سامر بعصبية:

“في طفل يطرق بابي كل ليلة! مين هو؟”

صمت الرجل طويلاً، ثم قال:

“كان اسمه ياسين.”

“كان؟”

“قبل سنوات، كان يعيش في نفس الشقة مع أمه. طفل هادئ، ما كان يلعب مع أحد. دائماً يمسك سيارة حمراء صغيرة.”

شعر سامر ببرودة في يديه.

أكمل الرجل:

“أمه كانت تقول إنه يخاف من الظلام. كل ليلة يترك الضوء مضاءً. وفي يوم… انطفأ الضوء.”

“وماذا حدث؟”

نظر الرجل بعيداً، ثم قال:

“لا أحد يعرف بالضبط. في الصباح وجدوا الأم فاقدة وعيها، والطفل اختفى.”

“اختفى؟ يعني لم يجدوه؟”

هز الرجل رأسه.

“فتشوا الشقة كلها. لم يجدوا شيئاً. لكن الأم بعد أن استيقظت ظلت تكرر جملة واحدة: هو أخذه من تحت السرير.”

ابتلع سامر ريقه بصعوبة.

قال الرجل:

“من بعدها، كل مستأجر يسكن هناك يسمع الطرق. بعضهم يرحل من أول أسبوع. وبعضهم لا يصدق… حتى يبدأ الطفل بتحذيره.”

عاد سامر إلى الشقة قبل المغرب. لم يكن يريد البقاء، لكنه أيضاً لم يكن مستعداً للهروب دون فهم. جمع بعض ملابسه في حقيبة، وقرر أن ينام تلك الليلة عند صديق.

لكن قبل أن يغادر، انقطع الضوء.

غاصت الشقة في ظلام كامل.

توقف سامر في مكانه.

كان الهاتف في جيبه، لكنه عندما أخرجه وجد أن البطارية فارغة، رغم أنه شحنه قبل قليل. حاول فتح الباب، لكن المفتاح لم يدر في القفل.

ثم سمع صوتاً من غرفة النوم.

صوت احتكاك خفيف.

كأن شيئاً ما يتحرك ببطء تحت السرير.

لم يتنفس.

من بعيد، في آخر الممر، رأى ضوءاً خافتاً يصدر من غرفة النوم. لم يكن ضوء مصباح. كان ضوءاً باهتاً، كأنه قادم من تحت السرير نفسه.

ثم سمع الطرق.

لكن هذه المرة لم يكن على الباب الخارجي.

كان الطرق من داخل غرفة النوم.

تك… تك… تك…

تراجع سامر حتى التصق ظهره بالباب. حاول فتحه مرة أخرى، لكن القفل كان عالقاً.

جاءه صوت الطفل من خلفه، قريباً جداً من أذنه:

“قلت لك… لا تطفئ الضوء.”

التفت سامر بسرعة.

كان الطفل واقفاً في الممر.

نحيل، شاحب، يرتدي ملابس قديمة، ويمسك السيارة الحمراء بيده. لم يكن مخيفاً كما تخيله. كان حزيناً فقط. عيناه واسعتان، ممتلئتان برجاء غريب.

قال سامر بصوت متقطع:

“من أنت؟”

قال الطفل:

“أنا لم أخرج.”

“ماذا تقصد؟”

رفع الطفل يده الصغيرة وأشار إلى غرفة النوم.

“هو لا يأخذك مرة واحدة. أولاً يجعلك تسمع. ثم يجعلك تفتح. ثم يجعلك تنظر.”

تحرك شيء داخل الغرفة.

كان الباب نصف مفتوح. الظلام داخله أثقل من الظلام في باقي الشقة. ومن تحت السرير، امتد ظل طويل على الأرض، كأنه يد بلا أصابع.

أراد سامر أن يصرخ، لكن صوته اختفى.

قال الطفل:

“لا تنظر إليه.”

لكن سامر نظر.

لم يستطع منع نفسه.

في اللحظة التي التفت فيها نحو غرفة النوم، رأى شيئاً تحت السرير. لم يكن وجهاً كاملاً، بل عينين مفتوحتين في الظلام. عينان ثابتتان، كأنهما كانتا تنتظرانه منذ زمن.

ثم سمع صوتاً عميقاً، منخفضاً، لا يشبه صوت إنسان:

“أخيراً…”

ركض سامر نحو المطبخ، تعثر بالكرسي، وسقط على الأرض. شعر بأن شيئاً بارداً يمسك كاحله. تشبث بالأرض، يحاول الزحف بعيداً. رأى الطفل واقفاً قرب الباب، يبكي بصمت.

قال الطفل:

“خذ سيارتي… واكسرها.”

مدّ سامر يده نحو السيارة الحمراء التي كانت على الأرض قربه. أمسكها بكل قوته وضربها بحافة الطاولة.

مرة.

مرتين.

في الضربة الثالثة، انكسرت السيارة.

انطلق صراخ حاد من غرفة النوم. اهتزت الجدران، واشتعلت المصابيح فجأة. اختفى الظل من الممر. وعاد الباب الخارجي يصدر صوت “تك” صغيراً، كأن القفل تحرر.

نهض سامر بسرعة، فتح الباب، وركض خارج الشقة دون أن يأخذ شيئاً.

في الصباح، عاد مع الحارس وصاحب البناء. كانت الشقة هادئة تماماً. لا أثر للطفل، ولا للظل، ولا للسيارة الحمراء.

لكن عندما دخلوا غرفة النوم، وجدوا تحت السرير شيئاً لم يكن موجوداً من قبل.

حذاء طفل صغير.

واحد فقط.

كان قديماً، مغبراً، وعلى داخله مكتوب اسم بخط باهت:

ياسين

غادر سامر الشقة في نفس اليوم، ولم يعد إليها أبداً.

بعد أسبوع، اتصل به صاحب البناء. لم يرد سامر في البداية، لكنه في النهاية فتح الخط.

قال الرجل بصوت مضطرب:

“هل أخذت شيئاً من الشقة؟”

قال سامر:

“لا.”

“متأكد؟”

“نعم، لماذا؟”

صمت الرجل قليلاً، ثم قال:

“السيارة الحمراء عادت.”

شعر سامر بأن الدم تجمد في عروقه.

قبل أن يسأل، سمع صوتاً خافتاً من خلفه داخل غرفته الجديدة.

تك… تك… تك…

التفت ببطء نحو الباب.

ثم جاءه صوت طفل صغير، حزين، من الجهة الأخرى:

“افتح… هذه المرة هو معي.”

تنبيه للقارئ:

هذه القصة من وحي الخيال، وتهدف إلى تقديم تجربة أدبية مشوقة لعشاق قصص الغموض والرعب النفسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!