تجارب مرعبة

الغرفة التي لا تفتح

فريق كابوس……

في آخر الشارع، حيث تنتهي البيوت وتبدأ الأرض الفارغة، كان هناك منزل قديم يقف وحيداً كأنه نسيَ أن يرحل مع أصحابه.

لم يكن المنزل مخيفاً من الخارج. كان عادياً إلى حدٍّ غريب؛ جدران باهتة، نافذة مكسورة في الطابق العلوي، وباب خشبي ثقيل تآكل لونه مع السنوات. لكن أهل الحي كانوا يتجنبون المرور قربه بعد المغرب، ليس لأنهم رأوا شيئاً واضحاً، بل لأنهم كانوا يسمعون شيئاً لا يمكن تفسيره.

طرق خفيف.

ثلاث مرات.

ثم صمت.

كان الصوت يأتي دائماً من داخل البيت، وتحديداً من الطابق الثاني، من غرفة مغلقة لم تُفتح منذ سنوات طويلة.

عندما اشترى سامر المنزل، لم يأخذ كلام الجيران على محمل الجد. كان شاباً عملياً، يعمل مهندساً ويؤمن أن لكل شيء تفسيراً. اشترى البيت بسعر منخفض جداً، ورأى فيه فرصة لا تعوض. منزل واسع، حديقة صغيرة، ومكان هادئ بعيد عن ضجيج المدينة.

قال له صاحب المكتب العقاري وهو يعطيه المفاتيح:

“البيت يحتاج بعض التصليح فقط.”

سأله سامر وهو يبتسم:

“ولماذا سعره رخيص هكذا؟”

تردد الرجل قليلاً، ثم قال:

“الناس هنا يحبون الكلام. لا أكثر.”

لم يسأل سامر أكثر. أخذ المفاتيح، وبدأ ينقل أغراضه في اليوم التالي.

في أول نهار، كان كل شيء طبيعياً. الغبار يغطي الأرض، رائحة الخشب القديم تملأ المكان، والضوء يدخل من النوافذ بشكل باهت. صعد إلى الطابق الثاني، فوجد ثلاث غرف. غرفتان مفتوحتان، والثالثة في آخر الممر، بابها بني غامق، وعليه قفل حديدي قديم.

حاول فتحه، لكنه لم يتحرك.

وضع يده على الباب، فشعر ببرودة غريبة. لم تكن برودة خشب قديم، بل برودة مكان لم تدخله الشمس منذ زمن طويل.

قال لنفسه:

“مجرد غرفة مقفلة.”

نزل إلى الطابق السفلي وأكمل ترتيب أغراضه.

في الليلة الأولى، نام سامر على أريكة في غرفة الجلوس، لأن غرفة النوم لم تكن جاهزة بعد. كان التعب قد غلبه سريعاً. نام نوماً عميقاً، حتى استيقظ فجأة على صوت واضح.

طرق.

مرة.

مرتان.

ثلاث مرات.

فتح عينيه في الظلام. بقي ساكناً، يحاول أن يفهم إن كان الصوت من حلم أم من الواقع.

ثم عاد الصوت.

طرق خفيف من الأعلى.

نهض ببطء، وأضاء هاتفه. كانت الساعة الثالثة وسبع دقائق بعد منتصف الليل. وقف عند أسفل الدرج، ورفع رأسه نحو الطابق الثاني.

الصمت كان ثقيلاً.

نادَى بصوت منخفض:

“مين؟”

لم يجب أحد.

صعد درجتين، ثم توقف. شعر فجأة أن الهواء في البيت أصبح أبرد. لم يكن هناك سبب منطقي. النوافذ مغلقة، والليل في الخارج دافئ.

عاد الصوت مرة ثالثة.

طرق… طرق… طرق…

هذه المرة كان واضحاً أنه من آخر الممر، من خلف الباب المقفل.

ضحك سامر بخفوت، كأنه يحاول أن يطمئن نفسه.

“خشب قديم. تمدد وانكماش. طبيعي.”

عاد إلى الأريكة، لكنه لم ينم حتى الصباح.

في اليوم التالي، أحضر عاملاً ليفحص البيت. أصلحا بعض النوافذ، ونظفا الغرفتين المفتوحتين في الطابق العلوي. وعندما وصلا إلى باب الغرفة المقفلة، قال سامر:

“أريد فتح هذه.”

اقترب العامل من الباب، نظر إلى القفل، ثم تغير وجهه.

“هذه الغرفة؟”

“نعم، لماذا؟”

مسح العامل يده في قميصه وقال:

“ما عندي عدة لهذا القفل. قديم جداً.”

رد سامر:

“لكن يمكن كسره.”

لم يجب العامل مباشرة. بقي ينظر إلى الباب كأنه يتوقع أن يتحرك.

ثم قال:

“الأفضل تتركها.”

ابتسم سامر بسخرية:

“أترك غرفة في بيتي مغلقة؟”

قال العامل بصوت أخفض:

“أحياناً بعض الأبواب لا تكون مغلقة لتمنع الناس من الدخول… بل لتمنع شيئاً من الخروج.”

ضحك سامر، لكن العامل لم يبتسم.

غادر قبل المغرب، واعتذر عن إكمال العمل في اليوم التالي.

بقي سامر وحده في البيت.

تلك الليلة، قرر أن لا ينام في غرفة الجلوس. صعد إلى إحدى الغرف المفتوحة في الطابق الثاني ووضع فراشه المؤقت هناك. كان يريد أن يثبت لنفسه أن الأمر كله أوهام.

أطفأ الضوء، واستلقى.

بعد دقائق، بدأ يسمع صوتاً خفيفاً في الممر.

ليس طرقاً هذه المرة.

كان صوت خطوات.

خطوة بطيئة.

ثم أخرى.

فتح عينيه، وبقي ينظر إلى الباب المفتوح. كان الممر مظلماً، لكن ضوء القمر يرسم خطاً باهتاً على الأرض.

الخطوات توقفت أمام غرفته.

حبس أنفاسه.

ثم سمع صوت طفل يهمس:

“لا تفتحها.”

جلس سامر فجأة، وقلبه يخفق بقوة.

“من هناك؟”

لم يكن هناك أحد.

أضاء المصباح، وخرج إلى الممر. كان فارغاً. ذهب إلى الباب المقفل في آخر الممر. وقف أمامه طويلاً. القفل كما هو. لا أثر لأي حركة.

لكنه لاحظ شيئاً لم يره من قبل.

على أسفل الباب، كانت هناك خدوش صغيرة. خطوط رفيعة متداخلة، كأن أحدهم حاول أن يحفر الخشب بأظافره من الداخل.

اقترب أكثر.

وجد بين الخدوش كلمة قصيرة محفورة بصعوبة:

اسمع

تراجع سامر خطوة إلى الوراء.

في الصباح، ذهب إلى أقرب مقهى في الحي وسأل صاحبه عن تاريخ البيت. لم يكن يريد أن يبدو خائفاً، لذلك سأل بطريقة عابرة.

قال صاحب المقهى، وهو رجل كبير في السن:

“أنت اشتريت بيت آل منصور؟”

“نعم.”

صمت الرجل قليلاً، ثم قال:

“الله يعينك.”

سأله سامر:

“ماذا حدث فيه؟”

تنهد الرجل وقال:

“قبل أكثر من عشرين سنة، كانت تسكنه عائلة صغيرة. أب وأم وطفل اسمه ياسين. الطفل كان هادئاً، لا يلعب كثيراً مع أولاد الحي. ثم في يوم من الأيام اختفى.”

“اختفى؟”

“قالوا إنه هرب. لكن الناس لم يصدقوا. بعد اختفائه، بدأت أمه تقول إنها تسمع صوته من الغرفة العلوية. كانت تقول إنه يناديها كل ليلة.”

شعر سامر بجفاف في حلقه.

“وأين الغرفة؟”

نظر الرجل إليه مباشرة.

“آخر غرفة في الطابق الثاني.”

عاد سامر إلى البيت قبل الغروب. هذه المرة، لم يكن يشعر بالسخرية. كان يريد إجابة. أخذ مطرقة ومفكاً، وصعد إلى الطابق الثاني.

وقف أمام الباب.

قال بصوت حازم:

“سأفتحك اليوم.”

رفع المطرقة، وقبل أن يضرب القفل، جاء الطرق من الداخل.

ثلاث طرقات خفيفة.

تجمدت يده في الهواء.

ثم جاء الهمس نفسه، لكن أوضح هذه المرة:

“لا تفتحها… هو يسمع.”

ابتلع سامر ريقه.

“من أنت؟”

صمت.

ثم همس الصوت:

“أنا ياسين.”

شعر سامر أن قدميه لم تعودا تحملانه. اقترب من الباب ببطء، ووضع أذنه عليه.

كان هناك تنفس.

تنفس بطيء، عميق، قريب جداً من الجهة الأخرى.

قال سامر:

“ماذا يوجد في الداخل؟”

جاء صوت الطفل مرتجفاً:

“ليس أنا.”

وفجأة، ضُرب الباب من الداخل ضربة قوية جعلت سامر يسقط للخلف. انطفأت لمبة الممر في اللحظة نفسها، وغرق الطابق كله في الظلام.

زحف سامر مبتعداً عن الباب، بينما بدأ القفل يهتز بعنف.

لم يكن أحد يطرق الآن.

كان شيء ما يحاول الخروج.

نزل سامر الدرج راكضاً، وخرج من البيت دون أن يأخذ هاتفه أو مفاتيحه. قضى الليل في سيارته القديمة أمام الشارع، يراقب النوافذ المظلمة.

عند الفجر، عاد مع رجلين من الحي. لم يخبرهما بكل شيء، فقط قال إن هناك صوتاً غريباً في البيت.

صعد الثلاثة إلى الطابق الثاني.

كان باب الغرفة المقفلة مفتوحاً.

القفل مكسور، لكنه لم يكن مكسوراً من الخارج.

كان مكسوراً من الداخل.

دخلوا بحذر.

كانت الغرفة فارغة تقريباً. جدرانها مغطاة بخدوش قديمة، والأرض مليئة بالغبار. في الزاوية، وجد سامر صندوقاً خشبياً صغيراً. فتحه بيدين مرتجفتين، فوجد داخله دفتر طفل.

على الصفحة الأولى كان مكتوباً:

اسمي ياسين. إذا وجدت هذا الدفتر، لا تصدق الصوت الذي يشبهني.

قلب سامر الصفحات بسرعة. كانت الجمل قصيرة ومضطربة:

“أمي تسمعه أيضاً.”

“يقلد صوتي عندما أنام.”

“أبي أغلق الباب.”

“قالوا إنني خرجت من البيت، لكنني لم أخرج.”

وفي آخر صفحة، كانت هناك جملة واحدة فقط:

إذا فُتح الباب، سيعرف أسماءكم.

نظر سامر إلى الرجلين خلفه. كانا شاحبين.

وقبل أن يتكلم أحد، سمعوا صوتاً من الطابق السفلي.

صوتاً ناعماً، يشبه صوت امرأة كبيرة في السن.

“سامر…”

تجمد مكانه.

الرجلان نظرا إليه بخوف.

الصوت يعرف اسمه.

تراجعوا جميعاً نحو الممر، لكن الصوت جاء مرة أخرى، هذه المرة من داخل الغرفة نفسها.

“سامر…”

التفت ببطء.

في الزاوية المظلمة من الغرفة، لم يكن هناك شيء واضح. فقط ظل ثقيل لا يتحرك مع الضوء. ظل له شكل إنسان، لكنه أطول مما يجب.

ثم قال بصوت طفل:

“قلت لك لا تفتحها.”

ركض سامر خارج البيت ولم يعد إليه أبداً.

بعد أسبوع، عُرض المنزل للبيع مرة أخرى. لم يذكر الإعلان شيئاً عن الغرفة، ولا عن القفل المكسور، ولا عن الدفتر الذي اختفى في تلك الليلة.

لكن الجيران قالوا إن الطرقات عادت.

ثلاث طرقات.

كل ليلة.

ومن يقترب من الباب الخشبي في آخر الممر، يسمع صوتاً يعرف اسمه تماماً، ويطلب منه بلطف:

“افتح… أنا وحدي هنا.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!