مخاوي الجن


كنت لا أدري ما الذي مرت به مجرد أوهام، يتخيل صعوبات صنعها الإرهاق وقلة النوم وتراكم الخوف. لكن مع مرور الوقت تغير قناعتي؛ أصبح حضور “اليمني” حقيقة لا يسمح به، وجودًا يتجسد ويتركني وحده يعترف بين الأعضاء ولا يسمح بصديق القلب.
في الليالي التالية بعد الحادث، لم أهنأ بالنوم. كنت أستلقي وسطي محاولًا إغلاق عيني، ولكن في الظلام أسمع همسات وقفة السرير، كلمات غير مفهومة، لغتها لم تسمعها من قبل. ظهرت مؤخرًا من الضحكات العميقة المكتومة والأنين، ثم ظهرت أوراق جديدة من جلدي مقشعرًا. بعض الليالي كنت أفتح عيني لأرى ظلًا أسود يتنقل بين الجدران بخفة. أمد يدي بحركة عفوية لتحقق وتحديد عدم وجود سوى فراغ، فراغ يبتلع صوت أنفاسي الخائفة.
وبدأت نقرة جديدة من مقابلة نفسها. سمعت مرة صوت الزجاج يُدق بعنف، حيث كان أحدًا يطرق بكلتا لهذا الغرض، لكن عندما اقتربت لم يكن هناك شيء. كنت متأكدًا من أن الأمر قد يكون رياحًا، لكن كيف لريح أن تتحرك وهي محكمة اختيار؟ أحيانًا أحسست أن البيت كله يتنفس، أنفاس حديث التخرج من أبوابه ثم يصبح فجأة إلى برد يتسع لأصدقائه.
في أحد الليالي، كنت كندا ًا في الغرفة، لم يكن هناك شيء أسود يتواجد بالقرب من المتجر بسرعة. ظننته انعكاسًا للضوء، ولكن حين رفعت رأسي رأيت هناك، نفس ريشها الغربي اللتين تسكنهما أول مرة. لم يكتفى بذلك. تلك الابتسامة لم تكن ولا حذفت سوى البسيطة. تجمّدت في مكاني حتى الأصابع أن لساني مسموح عن ذكر شيء، وبدأ أرتعش من غير قدرة على الحركة.
بعد تلك الليلة دخلت كل التفاصيل اليومية. في النهار، سارت رؤية الرجال على متن عابرة في الطرقات وأتساءل: هل هو بينهم؟ هل تنكر الوجه الأخير؟ كل شخص كنت أتعرض له نصف عصر شبه منه. حتى أصوات الناس اختلطت في التغييرات، بعد أن أصبح صوته يندمج في كلامهم ليقولوا معًا مرة واحدة: “لن أتركك.”
في إحدى الليالي قررت أن أقرأ القرآن بصوت عالٍ. أريد أن أواجهه بما أملك من، ويظننت أن نور الذاكرة سيبعده. ملبورن أتلو بنصف ارتفاعها، لكن مع أوليات انطفأت الأنوار فجأة، وانغمس في عطلة نهاية الأسبوع. كان صدى صوتي يتردد في أرجاء الغرف الفارغة، ثم اختفى أنت الصوت ابتلاع. سمعت قهقهة طبية تلتها باختصار بصوت جهوري: “كلما اقتربت اقتربت أكثر.”
ارتجفت يداي و تسقط المصحف من بين الأصابع. لمؤ أجر على اليانسي مطلقه إلا حين أسنان بالدموع تنهمر على وجهي. قلبي كان يطرح سؤاله ويسأل النجاة، وأعلم أن أعيش لحظات فريدة من نوعها لن يصدقها أحد إن حكيتها.
الأمر الذي زاد الطين بلة أن بدأت جزئيا. صار وجهي شاحبًا، عيناي غيرتين، ونومي متقطع. فتساءلت: “ماذا بك؟ صرتَ ردودك تحمل جبلاً على كتفيك.” لم أقصدها بالضبط، خفت أن تظن أنني فقدت العقليات. فقط قلت: “كابوس يتكرر منذ أيام.”
مع ذلك لم يتوقف “اليمني”. في صباح الثالثاء على صوت خطوات واسعة في ممر البيت، خطوات جديدة وواضحة، أحدهم يقصد أن يسمعني لها. وجدته فيما بعد بأرضية الثلج كالثلج تحت قدمي، ومن نهاية الصالة جلست على الكرسي، يدندن بصوت خافت. بينما رآني ابتسم وقال: “أراك ما زلت حيًا، لن يطول بك الأمر.” لم أقترب، جمدني الخوف مكاني، ثم اختفى كما جاء، لم يكن هناك شيء.
بدأت أضعفت ونفسياً. في بعض الأحيان أشعر بالرغبة في رحيل البيت كله، أن أهرب بعيدًا عن المدينة، ولكن إلى أين؟ كنت أعلم أنه سيتبعني. صار وقت النوم مفوفًا بالرهبة؛ أضع المصحف بجانبي، وأغمض عيني وأنا أستمتع بالأذكار حتى يغلبني النوم.
في إحدى المرات حلمت به وهو يقول لي: “لن تظهر الناس… فقط أنت من تراني.” وثلاثة مذعورًا ووجدت أصابعه محفورًا على اليد. كيف تحلم أن تترك أثرًا أيضًا؟ لم أتناول تفسير ذلك لأحد.
مرت الأيام وأنا بين الاستسلام والتمسك بالإيمان. الشيخ الذي قرأ علي نصحني بالصبر، وقال: “كلهم ضعفاء أمام ذكر الله، لكن شرط أن يكون قلبك ثابتًا.” كان كلامه يهدئني مؤقتًا، حدد عندما أكون أعود إلى صرعاتي الداخلية.
وصلت بي الأمر ذات الليلة أن توقفت في وسط الغرفة وأضع يدي على صدري وصرخت: “إن كنت جننيكياً فلست من خالقي!” لم أسمع ردًا. وغرقت الصمت في صمت رهيب بعد الضغط على بداية لي كعمر كامل، ثم ضحكت بعد ذلك تتراجع فجأة.
وفي صباح اليوم التالي تم العثور على قوة أكبر، حيث كانت تلك المواجهة الصغيرة جزءًا صغيرًا من سلطانه عليّ. ظل يتردد من أزياء العارضة والغياب، موديلات بدأت أعانده أكثر. كنت أحرص ثانيًا على الوضوء والصلاة في جماعة، وأقرأ المعوذات قبل النوم، فجأة تفشل فجأة. شيء فشيئًا، ضعف حضوره، ولم يعد يتجسد كما كان من قبل.
استمر الأمر، لكنه لم يعد له نفس الهيمنة السابقة. في النهاية يجب أن لا يعد العد التنازلي إلا لذكرى. في بعض الأحيان تخطر في بالي الأوكراني ربما كنت أعيش متداخلاً بين العالمين، وربما كنت مجرد هدف لتعويذة قديمة ارتبطت باليمني، الرجل الذي عاش غارقًا في سحر طيب حياته.
رحيله لم تنتهي القصة، بل بداية قوية. سرت أُدرك أن هناك عالماً آخر موازياً لعالمنا، نجهل أسراره، ومع ذلك قد يتواصل حياتنا بشكل غير مفهوم. وربما تجربة مثل تجربتي ليست إلا تذكيرًا بأن الإنسان، بلغ غروره وقوته، يبقى ضعيفًا أمام ما لا يستطيع.
أعرف أن الكثيرين لن يصدقوا ما أقول، وربما سيضحكون من قصتي، ويحددون هذه الأحداث بكل تفاصيلها، ورأيت بعيني ما لا ثاني لهم. الكامل الوحيد الذي أنقذني ولم يكن شجاعتي، ولا قوة عقلية، بل كان إيماني الوحيد، إيماني الذي بقي نجاة بينما تتناغم حولي ظلال الجن وأصوات الليل.



