من قصص الزوار

المكالمة التي لم تحدث

بقلم:مجهول



الساعة الحادية عشرة وسبع وخمسون دقيقة

كان المطر يطرق الزجاجَ بأصابع متعجّلة، كأنه يستأذن الدخول.

جلس كريم منصور على حافة سريره، لا يرتدي سوى قميصه الرمادي المجعَّد، وعيناه تحدّقان في الفراغ الذي يحتلّه الجدار الأبيض أمامه. كان الجدار أبيض حين انتقل إلى الشقة قبل ثلاثة أشهر، لكنه بات الآن يحمل لوناً لا اسم له — بين الكتمة والاصفرار، كما تكتسب الأشياء لوناً جديداً حين تُتركُ لنفسها طويلاً.

على الطاولة الصغيرة بجانب السرير: كوبُ ماء فارغ، ودواءٌ لم يَفتَح علبته منذ أسبوع، وهاتف مضاؤه خافتٌ على وشك النوم.

ينبغي أن تنام. قالت له نفسه.

ينبغي كثيرُ أشياء ولا يحدث منها شيء. ردّ عليه جزءٌ آخر منه.

كان هذا الحوار الداخلي قد أصبح عادةً منذ أن تركته سارة، بل منذ قبل ذلك بكثير — منذ أن بدأ يلاحظ أن صوته حين يفكّر لا يصدر من مكانٍ واحد، بل من أماكن متعددة في رأسه، كغرفةٍ يسكنها أكثر من شخص.

رفع الهاتف ليرى الوقت.

23:57.

أغمض عينيه، ثم فتحهما، ثم أغمضهما مجدداً في محاولة إقناع جسده بأن الليل انتهى وأن ثمة نهاراً ينتظر. لم ينطلِ عليه الأمر. نهض وتوجّه نحو المطبخ بخطى ثقيلة، يجرّ معه صمتاً أثقل.


كانت المطبخ تُعاني من صنبور يقطر. كريم يعرف ذلك منذ أسابيع ويعرف أنه يجب إصلاحه ويعرف أيضاً أنه لن يفعل شيئاً. القطرات تقع على الصاج الفولاذي للحوض في إيقاع منتظم: تِك — تِك — تِك. كالساعة، أو كالقلب، أو كلاهما.

أشعل غاز الموقد، وضع الكتلّة الصغيرة من الحليب على النار، ووقف يحدّق في اللسان الأزرق الصغير.

حينئذٍ اهتزّ الهاتف في يده.

نظر إليه بعينٍ نصف مفتوحة، متوقّعاً إعلاناً، أو ذكرى فيسبوك من سنواتٍ ماضية تذكّره بلحظة سعيدة نسيها كيف أن يشعر بها.

لكنه رأى رقمه هو.

رقمُ هاتفه بالضبط. ذات المساحة بين الأرقام، ذات الصيغة، ذات المقدمة، ذات كل شيء — إلا أن هذا الرقم كان يرنّ من مكانٍ آخر، واصلاً إليه.

خطأ. فكّر كريم. اتصال خاطئ. إعلان احتيالي. شيء تقني لا أفهمه.

لكن الهاتف استمر يرنّ.

مرة.

مرتان.

ثلاث.


في اللحظة التي همّ فيها بالضغط على “رفض”، وجد إبهامه يضغط بدلاً من ذلك على “قبول”.

أحياناً يتصرف الجسد بمعزل عن العقل. أحياناً يعرف الجسد.

رفع الهاتف إلى أذنه ببطء شديد، وكأن كل سنتيمتر كان عليه التفاوض عليه مع نفسه.

صمتٌ في البداية. صمتٌ ثقيلٌ وحيٌّ، كأن طرفاً ما على الخط يتنفّس لكنه يختار عدم الكلام بعد.

ثم:

“لا تخرج.”

صوته. صوته تماماً. تلك النبرة المحكومة التي يستخدمها حين يكون متعباً لكنه يريد أن يبدو هادئاً. تلك الكلمات قيلت بأسلوبه هو، بثقله هو، بالترددّ الطفيف الذي يسبق عادةً الجُمَل التي يخشى أن يتفوّه بها.

“من… من أنت؟” سأل كريم، وصوته خرج أجشّ، كأن حنجرته نسيت كيف تعمل.

لا جواب. ثم تنفّسٌ. عميقٌ ومتعبٌ كالذي يصدر عن إنسان يحمل ثقلاً لا يراه أحد.

“لا تخرج الليلة.” قالها مرة ثانية الصوت — صوته — هذه المرة بحزمٍ أكثر وشيءٍ يشبه الرجاء في آنٍ واحد. “لا تفتح الباب. لا تنظر من النافذة. ابقَ حيث أنت.”

أنا أسمع نفسي. أسمع نفسي تكلّمني. هذا لا يحدث. هذا يعني أنني—

“اسمع.” قاطع الصوتُ أفكاره وكأنه كان يسمعها. “أعرف ما تُفكّر فيه الآن. أعرف أنك تفكّر في أن هذا جنون، وأن غداً ستستيقظ وتضحك على هذا. لكنني كنتُ أنتَ وقلتُ ما قلتَ للتوّ. والفرق الوحيد بيننا هو أنني فتحتُ الباب.”

توقف الحليب عن الغليان. أو ربما لم يكن قد بدأ أصلاً. كريم لم يعد يعلم.

“ماذا رأيت؟” همس كريم.

صمتٌ طويل. طويل جداً لدرجة أن كريم ظنّ أن الخط انقطع. ثم جاء صوتٌ مختلف قليلاً — لا يزال صوته، لكن ثمة شيءٌ ما انكسر فيه، شيءٌ أُجهد حتى تشقّق.

“لا شيء. هذا هو.”

“لا شيء؟”

“لم أرَ شيئاً. لكنني لم أكن وحدي.”


الساعة الثانية عشرة وثلاث دقائق

كان كريم لا يزال واقفاً في المطبخ، والحليب على النار الخامدة، والهاتف على أذنه.

مضت الدقيقة الأولى من المكالمة وبدأت الثانية.

هذا ممكن التفسير. فكّر وهو يحاول أن يتمسّك بشيء صلب. شركات الاتصالات تخطئ أحياناً. التصيّد الصوتي. الذكاء الاصطناعي. كل هذا موجود، كل هذا يمكن تفسيره.

لكن الصوت ردّ قبل أن يكمل:

“أتذكر حين كنت تقنع نفسك بالتفسيرات المنطقية؟ أنا أيضاً فعلتُ ذلك. جلستُ في نفس المطبخ وقلتُ لنفسي: هذا تقني، هذا اتصال مزيّف، هذا لا علاقة له بي.”

توقف عن المشي. لم يكن يعلم أنه بدأ يمشي.

“لكن الصوت—” بدأ كريم.

“الصوت يمكن تقليده. الكلمات يمكن برمجتها. الحجج يمكن توقّعها.” قال الصوت بملل مدروس. “لكن ما لا يُقلَّد هو هذا: أتذكر الليلة التي بكيتَ فيها في الحمام وكان ماء الصنبور يعلو صوتَ بكائك لكنك كنتَ تعرف أن سارة تسمعك؟ أتذكر أنك تركتَ الصنبور مفتوحاً ليس لتخفي الصوت، بل لتعطيها فرصةً أن تطرق الباب؟”

صمتَ كريم. تلك اللحظة لم يعرفها أحد. لم يخبر بها أحداً. لم يحكها لأحد لأنه نفسه أقنع ذاكرته بأنها لم تحدث.

“لم تطرق.” قال الصوت بهدوء.

“لم تطرق.” أكمل كريم الجملة بصوتٍ ميت.

“أعرف.” وفي كلمة “أعرف” تلك كان ثقلُ ألفِ ليلة.


شيءٌ ما تحوّل في غرفة المطبخ. لم تتغير الإضاءة، لم تتحرك الأشياء، لم يحدث شيء ظاهر ومحسوس — لكن الهواء صار مختلفاً. أثقل. كهواء الغرف التي أُغلقت طويلاً وأُعيدَ فتحُها.

بدأت يد كريم ترتجف بصمتٍ ناعم، ارتجافٌ يبدأ من الأصابع ويصعد نحو الكتف ببطء الماء حين يملأ إناءً.

أنت تسمع نفسك. صوتك يتكلّم إليك من هاتفك. هذا يعني أن هذا مسجّل. أو مُولَّد. أو أنني—

لكن الجملة الأخيرة لم يجرؤ على إتمامها حتى في عقله.

أو أنني أسمع ما لا يسمعه الآخرون.


“ثمانٍ وأربعون ثانية مرّت.” قال الصوت.

“ماذا؟”

“منذ بدأتَ المكالمة. ثمانٍ وأربعون ثانية. لا أزال هنا. وأنتَ لا تزال تسمعني. هذا يعني أنك تعرف — في مكانٍ ما تعرف — أن هذا حقيقي.”

“أو أنه هلوسة تكتمل إذا أكملتُ الاستماع إليها.” قال كريم وفي صوته شيءٌ يشبه عودةَ العقل.

“هلوساتك لا تعطيك أرقاماً. لا تعدّ معكَ الثواني. لا تعرف عن سارة وباب الحمام.” ثم توقّف الصوت وأضاف بنبرة أكثر حدة: “واحذر — لا تفكّر في فتح الباب الآن. أعرف ذلك التفكير. بدأتَ تحسب في رأسك.”

كريم وقف. كان يحسب فعلاً. كان يفكّر في أن الخطوات من المطبخ إلى باب الشقة لا تتجاوز اثنتي عشرة خطوة. وأن فتح الباب هو الطريقة الوحيدة لإثبات أن لا شيء هناك وأن هذا الصوت مجرّد رنينٍ في رأسٍ متعب.

“لا تفعل.”

“إذا كنتَ أنا فعلاً” قال كريم ببطء، “فلماذا لا تريدني أن أفتح؟ ماذا رأيتَ حين فتحتَ أنتَ؟”

صمتٌ طويل. أطول من كل الصمتات السابقة.

“قلتُ لكَ.” جاء الصوت أخيراً، وكان فيه شيءٌ اختلف — شيءٌ يشبه التعب الذي تجاوز حدوده وصار شيئاً آخر. “لم أرَ شيئاً. لكنني لم أعد أتذكّر ما جرى بعدها.”

“لا تتذكّر؟”

“أتذكّر أنني فتحتُ الباب. أتذكّر الممر.” توقّف. “لا أتذكّر شيئاً بعد الممر.”


الساعة الثانية عشرة وأربع دقائق

دقيقة وإحدى عشرة ثانية.

ظهرت على شاشة هاتفه الأرقام: 1:11 — وفي تلك اللحظة بالذات، توقّفت المكالمة.

لا بيب انقطاع. لا “انتهت المكالمة”. فقط صمتٌ حلّ محلّ صمتٍ آخر.

وقف كريم في المطبخ. الصنبور يقطر. تِك — تِك — تِك.

نظر إلى شاشة هاتفه: مكالمة فائتة — أنت — 1:11

ضغط عليها ليرى السجل.

لم تكن موجودة.


ربما لم تحدث. هذه الفكرة الأولى التي أتته. ربما نمتُ واقفاً. ربما الإرهاق. ربما—

لكن يده كانت لا تزال تصبب عرقاً.

جلس على الأرضية الباردة، ظهره للثلاجة، وركبتاه مرفوعتان لصدره. هكذا كان يجلس في الطفولة حين كان يخاف. الجسد لا ينسى مواضع الأمان حتى حين يُنكرها العقل.

مرّت دقيقة. مررت عشر.

لم يخرج.

لم يفتح الباب.

بقي جالساً على الأرضية يتنفّس بعمق مُكلِّف، يسمع المطر على الزجاج، والصنبور في الحوض، وقلبه في صدره — ثلاثةُ إيقاعاتٍ لم تتفق على ضربة واحدة.


حين أشرق الفجر — أو ما بدا كالفجر وراء الغيوم — نهض كريم ببطء. مفاصله كانت صلبة من البرودة. مشى نحو الباب.

وقف أمامه.

المقبضُ الأصفر القديم الذي كان ينوي تغييره منذ شهور.

لا شيء هناك. قالت له نفسه. نُمتَ وقفاً أو هذيان الإرهاق. افتح الباب وتأكّد ثم اذهب نم.

مدّ يده نحو المقبض.

توقّف.

في المرآة الصغيرة المعلّقة على الجدار، إلى يمين الباب، رأى انعكاسه: وجهٌ شاحبٌ، عينان محتقنتان بالحمرة، يدٌ ممدودة نحو مقبضٍ أصفر.

لكن في المرآة — في المرآة فقط — كانت اليدُ الأخرى لكريم على الباب من الخارج.

تسمرّ.

أغمض عينيه.

حين فتحهما كانت المرآة تعكس المشهد الصحيح: رجلٌ وحيد في شقةٍ في الفجر، يدُه على مقبضٍ لا يفتحه.

أنزل يده.

ابتعد خطوةً، خطوتين، ثلاثاً، حتى ارتطم ظهره بالجدار المقابل.

ولم يتحرّك من مكانه.


ما بعد الفجر

الأجهزة لا تكذب في العادة. لهذا فتح كريم سجل المكالمات مرةً بعد مرة، وفي كل مرة كانت النتيجة نفسها: لا مكالمات واردة بعد الساعة التاسعة مساءً. رصيد الاتصال سليم. لا خطأ في الشبكة. لا شيء.

لكن ثمة شيئاً واحداً لم يستطع تفسيره:

الحليب على الموقد كان قد غلا وفاض وجفّ. مرّ عليه وقتٌ طويل. وقتٌ أكثر بكثير من دقيقة وإحدى عشرة ثانية.


مرّت ثلاثة أيام لم يخرج فيها كريم من الشقة.

في اليوم الرابع، قرّر أن هذا سخافة. أن الإنسان لا يحبس نفسه. أن الهواء الخارجي ضرورة. أن لا شيء — لا صوتٌ مسموع ولا مرآةٌ كاذبة ولا مكالمةٌ محوها السجلّ — يستحق هذا الخوف.

ارتدى معطفه.

حمل مفاتيحه.

وقف أمام الباب.

أنا سأفتحه الآن. قال لنفسه بحزم. سأفتحه وسأنزل وسأشتري علبة حليب وسأعود. هذا كل ما سيحدث.

مدّ يده للمقبض.

في جيبه اهتزّ هاتفه.

رسالة نصية. من رقمه هو.

“أنا عاجز عن إيقافك هذه المرة.”


فتح الباب.

الممرُّ كان مضاءً بضوئه الفلوري الباهت المعتاد. رائحة الطابق الثالث المعتادة. لا شيء غريب، لا شيء مختلف، لا أحد.

خطا كريم إلى الممر.


بعد أسبوع، طرق جارُه الباب. لم يُجَب. طرق ثانيةً. ثالثة. اتصل بالرقم المكتوب على لوحة البريد.

رنّ الهاتف. رنّ طويلاً.

ثم — من داخل الشقة — سمع الجار صوتاً خافتاً، صوتَ رجلٍ متعبٍ يقول كلمتين:

“لا تخرج.”

ثم لا شيء.

فتحوا الباب بعدها بساعات. كانت الشقة خاليةً. الحليب المجفَّف لا يزال على الموقد. الصنبور يقطر. الهاتف على الطاولة — شاشته مضاءة.

في سجل المكالمات الصادرة: مكالمة واحدة. 1:11. إلى الرقم ذاته.

وفي خانة التاريخ — رقمٌ لم يكن ممكناً.

كان يوم أمس.


هل المكالمة هي التي لم تحدث؟ أم كريمُ نفسُه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!