الفتاة التي عادت بعد 15 سنة


بقلم:مجهول
في قرية «النخيل العتيقة» الواقعة على أطراف وادٍ ضيق في جنوب الجزيرة العربية، كان الزمن يمشي بخطى بطيئة كأنما يخشى أن يزعج سكون الرمال والنخيل. كانت القرية صغيرة، لا تتجاوز مائتي منزل من الطين والحجر، وكان أهلها يعيشون على زراعة التمر والرعي، ويحكون في مجالسهم قصص الجن والأرواح التي تسرق الأطفال في الليالي المظلمة.
في صباح يوم خريفي عام 2009، اختفت «لينا» بنت السابعة من عمرها. كانت تلعب قرب بئر قديمة على حافة الوادي، وكان أخوها الأكبر «ياسر» يراقبها من بعيد. في لحظة واحدة، التفت ياسر ليرد على صوت أمه تناديه، وعندما عاد بنظره لم يجد لينا. اختفت كأن الأرض ابتلعتها. لم يُعثر على أثر، لا حذاء، ولا شريط شعر، ولا حتى صرخة. استمر البحث أسابيع، ثم أشهر، ثم سنوات. أصبحت لينا ذكرى مؤلمة تُروى في المناسبات، وصورة باهتة معلقة على جدار المسجد الكبير تحت كلمة «مفقودة».
بعد خمسة عشر عاماً بالتمام والكمال، في صباح يوم خريفي مشابِه تماماً لليوم الذي اختفت فيه، عادت لينا.
كان الوقت قرابة الساعة التاسعة صباحاً عندما رآها أحمد النجار، الرجل الستيني الذي يملك دكاناً صغيراً عند مدخل القرية. كانت فتاة صغيرة في السابعة من عمرها، ترتدي فستاناً أبيض قصيراً ملطخاً بالتراب، شعرها الأسود الطويل منسدل على كتفيها، وعيناها واسعتان بلون العسل الداكن. وقفت أمام دكانه تنظر إليه بهدوء غريب.
سألها أحمد بدهشة: «يا بنت، مين أنتِ؟ وين أهلك؟»
أجابت بصوت رقيق هادئ، صوت طفلة تماماً: «أنا لينا. جئتُ لأرجع إلى البيت.»
تجمد أحمد في مكانه. كان يتذكر لينا جيداً؛ كان ابنه يلعب معها قبل اختفائها. رفع يده إلى صدره كأنما يمسك قلبه الذي بدأ يخفق بعنف. نظر إلى يدها اليمنى، فرأى على ظهرها علامة غريبة: رقم «11» محفوراً في الجلد كأنه وشم قديم أو ندبة عميقة، لكنه واضح تماماً، كأن يداً خفية كتبت الرقم بمكواة نارية.
هرع أحمد ينادي الناس. في غضون دقائق، تجمع حشد من أهل القرية حول الفتاة. كانوا ينظرون إليها مذهولين. لم تكبر يوماً. وجهها نفسه، عيناها نفسهما، حتى الشامة الصغيرة تحت عينها اليسرى كانت في مكانها. لكنها لم تكن طفلة مذعورة، بل كانت هادئة، بل متزنة بطريقة لا تليق بطفلة في السابعة.
جاء والدها «خالد» راكضاً، وقد شاب شعره وانحنى ظهره خلال الخمسة عشر عاماً. عندما رآها، انهار على ركبتيه وبكى بصوت عالٍ. مد يده ليلمس وجهها، فتراجعت لينا خطوة واحدة بهدوء.
قالت بصوتها الرقيق: «لا تخف يا أبي. الوقت لم يمر عليّ كما مر عليكم.»
نُقلت لينا إلى المستشفى المركزي في المدينة القريبة. أجريت لها فحوصات طبية شاملة. النتائج كانت صادمة: كانت في حالة صحية ممتازة، عمرها البيولوجي يتراوح بين ست وثماني سنوات، لا أثر لأي سوء تغذية أو إهمال، ولا حتى ندبات قديمة سوى ذلك الرقم «11» على يدها اليمنى. الطبيب المسؤول، الدكتور فهد العتيبي، كتب في تقريره: «الفتاة تبدو كأنها خرجت من آلة زمنية توقفت عند لحظة اختفائها.»
بدأ التحقيق الرسمي بعد ثلاثة أيام. أُسندت القضية إلى المحقق «راشد بن سليمان»، رجل في الأربعينيات، معروف بصبره الشديد وشكه المزمن في كل شيء. كان راشد قد عمل في قضايا اختفاء الأطفال من قبل، وكان يعرف أن معظمها ينتهي إما بجريمة أو بمأساة. لكنه لم يواجه قط حالة كهذه.
جلس راشد ولينا في غرفة تحقيق بسيطة بجدران بيضاء، وكاميرا تسجل كل شيء. كانت لينا تجلس على كرسي كبير بالنسبة لها، قدماها لا تصلان إلى الأرض. ارتدت ملابس بيضاء نظيفة أعطيتها من المستشفى. يدها اليمنى موضوعة على الطاولة، والرقم 11 يلمع تحت ضوء المصباح الفلورسنتي.
بدأ راشد بهدوء: «مرحبا لينا. أنا المحقق راشد. هل تتذكرينني؟ كنتُ أبحث عنكِ منذ زمن طويل.»
نظرت إليه الفتاة طويلاً قبل أن تجيب: «نعم، أتذكر صوتك. كنتَ تصرخ اسمي في الوادي.»
ابتسم راشد ابتسامة مصطنعة: «حسنًا. أخبريني ماذا حدث يوم اختفائكِ. أين ذهبتِ؟»
أجابت لينا ببساطة: «لم أذهب إلى مكان. المكان جاء إليّ.»
«ماذا تعنين؟»
«كان هناك باب. لم يكن باباً من خشب أو حديد. كان من ضوء. فتح عندما نظرتُ إلى الماء في البئر. دخلتُ، وكان الوقت هناك… مختلف.»
مال راشد إلى الأمام: «مختلف كيف؟»
«لا يوجد هناك أيام ولا ليالٍ. لا يوجد قبل ولا بعد. كل الأشياء تحدث في اللحظة نفسها. أنا كنتُ ألعب، وأنا كنتُ أنام، وأنا كنتُ أتحدث مع أشخاص لا وجوه لهم. كانوا يقولون لي إن الزمن خطأ، وإنني يجب أن أبقى حتى يُصلَح الخطأ.»
شعر راشد بقشعريرة تمر في عموده الفقري. كان الصوت طفولياً، لكن الكلمات ليست كذلك.
«ومن هم هؤلاء الأشخاص؟»
«هم ليسوا أشخاصاً. هم… مراقبون. يراقبون الثقوب التي تظهر في الزمن. قالوا إن البئر كانت ثقباً صغيراً، وإنني سقطتُ فيه بالصدفة.»
«وكيف عدتِ؟»
«قالوا إن الخمسة عشر عاماً انتهت. أعطوني الرقم حتى أتذكر. وقالوا: ارجعي، لكن لا تنسي أن الزمن ليس مستقيماً.»
سجل راشد الإجابات بدقة، لكنه كان يشعر بأن شيئاً ما يزحف تحت جلده. كان وجه لينا هادئاً تماماً، لا خوف، لا حزن، لا فرح. كأنها تروي قصة عن شخص آخر.
في الأيام التالية، استمر التحقيق. جلب راشد خبراء نفسية، علماء نفس أطفال، وحتى متخصصاً في اضطرابات ما بعد الصدمة. كلهم خرجوا مرتبكين. الفتاة لم تظهر أي علامات على الصدمة النفسية المتوقعة. بل كانت تتحدث بثقة غريبة عن «المكان الذي لا وقت فيه».
في إحدى الجلسات، سألها طبيب نفسي يدعى الدكتور سامي: «هل كنتِ تشعرين بالوحدة هناك؟»
أجابت لينا: «الوحدة تحتاج إلى زمن لتشعر بها. هناك لا يوجد زمن، فلا وحدة.»
ثم أضافت بهدوء: «لكنني أشعر بها الآن. أشعر أنني عدتُ إلى مكان خاطئ.»
بدأت الأمور تتدهور تدريجياً في القرية.
أولاً، بدأ أهل القرية ينظرون إلى لينا بنوع من الرهبة المختلطة بالشفقة. كانوا يهمسون أنها «مسكونة» أو «بديلة» أرسلها الجن. ثم بدأت الأحلام.
كان ياسر، أخوها الذي أصبح الآن رجلاً في الثانية والعشرين، يستيقظ كل ليلة يصرخ. يقول إنه يرى لينا في الحلم، لكنها ليست طفلة. كانت امرأة بالغة تقف في منتصف الوادي، وعلى يدها الرقم 11 يشتعل كالنار. تقول له: «الزمن يريد تصحيح نفسه. أنا لستُ الوحيدة التي عادت.»
أما والدتها «فاطمة»، فقد بدأت تفقد القدرة على النوم. كانت تجلس بجانب سرير لينا طوال الليل تراقبها. لاحظت أن الفتاة لا تنام أبداً كالأطفال. كانت تستلقي بلا حراك، عيناها مفتوحتان، تنظر إلى السقف كأنها ترى شيئاً وراءه.
في إحدى الليالي، سألتها فاطمة بصوت مرتجف: «يا لينا، هل أنتِ ابنتي حقاً؟»
نظرت الفتاة إليها طويلاً، ثم قالت: «أنا ما تبقى من ابنتكِ. الجزء الذي لم يتغير. أما الباقي… فقد كبر في مكان آخر.»
ازداد التوتر النفسي لدى راشد نفسه. كان يقضي ساعات طويلة يعيد الاستماع إلى تسجيلات التحقيق. كان صوت لينا يطارد نومه. في إحدى الليالي، استيقظ مذعوراً بعد أن حلم أنه يقف أمام بئر قديمة، ويرى وجهه منعكساً في الماء، لكن الوجه كان وجه طفل في السابعة، وعلى يده الرقم 11.
قرر راشد أن يأخذ لينا إلى البئر نفسها حيث اختفت. كان ذلك في اليوم الثاني والعشرين بعد عودتها. كانت الشمس تغرب، والوادي يغرق في ظلال طويلة. وقفت لينا أمام البئر، يدها اليمنى ممدودة، والرقم 11 يبدو أكثر وضوحاً تحت ضوء الغروب.
سألها راشد: «هل تتذكرين هذا المكان؟»
«نعم. هنا بدأ كل شيء، وهنا سينتهي.»
«ماذا تعنين؟»
التفتت إليه، وعيناها لأول مرة تظهر فيهما لمحة من الحزن العميق: «المراقبون قالوا إن الثقب لا يزال مفتوحاً. وإن الزمن يحاول إغلاقه. كل من يقترب منه كثيراً… سيُسحب إليه.»
ثم مدت يدها اليسرى وأمسكت بيد راشد فجأة. كانت يدها باردة كالثلج.
قالت بصوت هامس: «أنتَ بدأتَ ترى الأشياء، أليس كذلك؟ الأحلام. الشعور بأن الوقت يتباطأ حولك.»
تراجع راشد مذعوراً، لكنه لم يستطع سحب يده. شعر للحظة أن الزمن توقف فعلاً. كأن الريح توقفت، والأوراق الجافة على الأرض توقفت عن الحركة.
في تلك الليلة، سجل راشد في مذكراته الخاصة:
«أنا لا أصدق القصة. لكنني أبدأ في الشك في واقعي. اليوم، عندما نظرتُ إلى ساعتي، كانت الثواني تتحرك إلى الوراء لثوانٍ معدودة. هل أنا أفقد عقلي؟ أم أن الفتاة تحمل معها شيئاً من ذلك المكان؟»
مع مرور الأسابيع، بدأت ظواهر غريبة تحدث في القرية. ساعات المنازل تتوقف فجأة ثم تعود للعمل. أطفال يستيقظون يبكون ويقولون إنهم رأوا فتاة صغيرة بدون وجه تقف عند أسرّتهم. وفي كل مرة، كان الرقم 11 يظهر في أحلامهم محفوراً على شيء ما.
أما لينا، فقد أصبحت أكثر صمتاً. كانت تجلس ساعات طويلة تنظر إلى يدها، تتحسس الرقم 11 بأصابعها كأنها تحاول فك رمزه.
في الجلسة الأخيرة مع راشد، سألها المحقق سؤالاً مباشراً:
«لينا، هل أنتِ بشرية؟»
نظرت إليه طويلاً، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
«كنتُ بشرية. الآن… أنا ما تبقى من الزمن الذي سُرق. أو ربما أنا الزمن نفسه الذي جاء ليأخذ ما تبقى.»
ثم أضافت بهدوء: «الرقم 11 ليس رقماً. إنه الباب. إنه الثقب. كلما نظر إليه أحد طويلاً، يبدأ الزمن في الالتواء حوله.»
في تلك الليلة، اختفت لينا مرة أخرى.
لم يرها أحد يخرج من المنزل. لم تُكسر نافذة، ولم تُفتح باب. فقط، في الصباح، وجد والداها سريرها فارغاً، والرقم 11 محفوراً بعمق على الجدار فوق السرير، كأن يداً نارية كتبته.
لم يُعثر على جثة، ولم يُعثر على أثر.
بعد أشهر، استقال راشد من عمله. كان يعيش الآن في مدينة بعيدة، يرفض الحديث عن القضية. لكنه في إحدى الليالي، كتب رسالة إلى صديق قديم:
«أحياناً أستيقظ وأجد نفسي أنظر إلى يدي اليمنى. أبحث عن الرقم 11. حتى الآن لم يظهر. لكنني أشعر أن الزمن حولي أصبح… أبطأ. كأن هناك شيئاً ينتظرني عندما أقترب من أي بئر قديمة. أو عندما أنظر إلى الماء الراكد طويلاً.
ربما لم تكن لينا هي التي عادت.
ربما نحن الذين بدأنا نذهب إليها.»
إلى اليوم، لا يزال أهل قرية النخيل العتيقة يحكون القصة. وفي بعض الليالي الهادئة، يقسم بعضهم أنهم يرون طفلة صغيرة تقف عند حافة الوادي، تنظر إلى البئر، وعلى يدها رقم يلمع في الظلام.
والسؤال الذي يطارد الجميع: هل عادت لينا فعلاً؟ أم أن الزمن نفسه أرسل نسخة منها ليأخذ شيئاً آخر في المقابل؟
أم أننا جميعاً، كلما اقتربنا من فهم الزمن، نصبح نحن الذين نفقد أنفسنا فيه؟