من قصص الزوار

قهوة ووداع في مقهى “الحدود الضائعة”

بقلم :لوريكا

في مقهى “الحدود الضائعة” الواقع في المنطقة الرمادية بين شمال البلاد وجنوبها، كان آرام يجلس كل ظهر جمعة. صحفي وكاتب مصري، يكتب المقالات التي تحمل أسئلة أكثر مما تحمل إجابات، ويعشق الألغاز والسفر إلى حيث تنتهي الطرق المعبدة. كان يجمع حكايات الناس البسطاء كمن يجمع قطع أحجية كونية لم يكتمل شكلها بعد.

وفي آخر طاولة في المقهى، كانت تقبع زيلان. جندية في وحدة النخبة، سياسية ناشئة، وابنة أحد أبرز القادة العسكريين الكورد. كانت تأتي إلى المقهى متنكرة، هاربة من صخب القاعدة العسكرية وصراعات السياسة.

كان أول لقاء بينهما لغزاً بحد ذاته. يوم ممطر من أيام نوفمبر، كان المقهى شبه فارغ. جلست زيلان.. على طاولة مجاورة لآرام، طالبة شايا بالنعناع. لاحظ آرام كيف تفحصت المكان بعين المدربة، وكيف جلستها الواثقة التي تخفي وراءها تعباً لا مرئياً. كانت تحمل كتاباً نادراً عن التكتيكات العسكرية في القرن التاسع عشر.

“الكتاب يقول إن أعظم المعارك هي تلك التي لا تُخاض”، قال آرام دون أن يقصد أن تسمعه، مشيراً إلى كتابها.

التفتت زيلان نحوه، عيناها البنيتان تشعان بذكاء حاد. “والكاتب المصري يعرف أن بعض المعارك يجب أن تخاض حتى وإن كانت خاسرة مسبقاً”.

“كيف عرفتِ أني مصري؟”

“لهجتك. وطريقة جلوسك. وأنت تكتب بيدك اليسرى، وهذا نادر في هذه المنطقة”.

ابتسم آرام، ممتعضاً بأنه كان كتابة مفتوحاً أمامه. “أعترف أنكِ فككتِ شفرتي بسرعة”.

“هذا جزء من تدريبي. قراءة الناس كقراءة الخرائط”.

“وأنا أقرأ الناس كقراءة الألغاز. وأنتِ لغز أشوق لحله”.

بدأ الحديث بينهما كشلال يحل أحجية معقدة. هي تحدثت عن سنوات التدريب القاسية، عن السياسة كمعترك آخر لا يقل شراسة عن ساحات القتال، وعن فن التفاوض الذي وصفته بأنه “حرب باردة على طاولة مستديرة”. وهو حدثها عن رحلاته لجمع الحكايات في قرى نائية، عن الألغاز التاريخية التي يحاول فكها، عن الناس الذين يحملون جراح الوطن في صمت وكيف أن كل قصة منهم هي قطعة في أحجية الوطن الكبيرة.

“والدك قائد كبير، أليس كذلك؟” سأل آرام في لقائهما الثالث، بينما كان يحاول حل لغز ميكانيكي معقد بين يديه.

“نعم. وهو يعتقد أن القلم لا يبني أوطاناً، فقط السلاح يفعل ذلك”.

“وأنا ابن معلم تاريخ مصري بسيط كان يقول: ‘الأوطان تُبنى بالأسئلة الصحيحة قبل الأجوبة الصحيحة'”.

ضحكت زيلان. “يبدو أننا التقينا عند علامة الاستفهام”.

أصبح المقهى ملاذهما السري وميدان ألغازهما المشتركة. في كل جمعة، كانت تخلع زيها العسكري وترتدي ملابس مدنية، ويجلسان ساعات يتحدثان ويتبادلان الألغاز. كانت تحضر له ألغازاً عسكرية تاريخية كوردية، وهو يحضر لها ألغازاً مصرية أثرية. كانت تحكي له عن مفاوضات سياسية خطيرة كشفرات معقدة، وهو يحكي لها عن عجوز كردية رفضت ترك بيتها رغم القصف، وكيف أن إصرارها كان أحجية إنسانية أعقد من أي لغز رياضي.

ذات مساء، بينما كانت تصف له خريطة معركة سياسية في العاصمة، كتب آرام على ظهر منديل ورقي بلغة إنجليزية قديمة: “الحرب الوحيدة التي أخاف خوضها هي حرب فراقك”.

قرأت زيلان الكلمات وفكت الشفرة في ثوانٍ، ثم طوت المنديل بحرص ووضعته في جيبها. “أنت كاتب، تعرف أن بعض المشاعر يجب أن تبقى شفرات غير محلولة”.

“وماذا عن المشاعر التي تتحول إلى دم في العروق؟ هل يمكن تشفيرها؟”

صمتت طويلاً. “أنا جندية، وآرام. الجندية لا تملك عروقاً، فقط أوامر تتبعها، وخطوط طول وعرض على خرائط”.

اللقاءات السرية لم تدم طويلاً. ذات جمعة، دخل إلى المقهى رجلان يرتديان بدلات رسمية. اتجها مباشرة إلى طاولة سارة.

“النقيب زيلان، عليكِ العودة فوراً. والدك يعلم بمواعيدك هنا”.

نظرت زيلان إلى آرام نظرة طويلة، ثم نهضت. “أعطيني دقيقة”.

جلس الرجلان عند الباب ينتظران. اقتربت زيلان من آرام، صوتها منخفض كهمسة. “لقد علموا بنا. والدي يرفض تماماً. يقول إنك… إنك غريب. وصحفي. وهذا مزيج خطر”.

“غريب؟” اهتز صوت آرام. “أنا إنسان، زيلان، والبشر كلهم غرباء في هذا العالم. هذه أحجية الكون الكبرى”.

“في السياسة والحرب، الغرباء أعداء حتى يثبتوا العكس. وأنا… أنا قطعة في أحجية أكبر مني”.

أخرج آرام دفتر ملاحظاته الصغير، ومزق صفحة وكتب عليها بلغة الأرقام والإحداثيات الجغرافية التي ابتكرها بنفسه. ثم سلمها لها.

“ما هذا؟”

“إحداثيات قلب في القاهرة. وعنوان بيت في حي السيدة زينب. ورقم هاتف. ولغز، إذا حللتهِ، ستعرفين مكان لقائنا القادم لو شاء القدر”.

أخذت الصفحة، وكانت يدها ترتعش لأول مرة منذ عرفها. “سأحاول حله. كذكرى”.

“ليست ذكرى، زيلان. هي وعد مشفر”.

“لا أستطيع أن أعدك بشيء. أنا جندية قبل كل شيء”.

“وأنا رحال يحل الألغاز قبل كل شيء. وهذا يكفي”.

قبلت أن تلتقيه مرة أخيرة، بعد أسبوع. في نفس المقهى، نفس الطاولة.

يوم الفراق كان صافياً بشكل قاس. الشمس تدخل من نافذة المقهى كسكين ذهبي يحل أحجية الضوء والظل.

جلست زيلان،بملابسها العسكرية الكاملة. النجوم على كتفيها تلمع كدموع متجمدة على ميدالية الشجاعة.

“تم نقلي إلى قاعدة في الجنوب. وتخطيطي للزواج من ابن أحد القادة السياسيين. تحالف يخدم مصلحة البلاد، كما يقولون”.

شرب آرام قهوته المرة. “والسعادة الشخصية؟ أين مكانها في هذه المعادلة؟”

“السعادة رفاهية لا تتحمله الحروب، يا آرام. أنت تعرف ذلك أكثر من أي أحد، أنت الذي تجولت في مناطق الصراع وحللت ألغازها”.

“بالضبط. رأيت ما تفعله الحروب بالناس. رأيت كيف تحول القلوب إلى أنقاض. وهربت من ذلك لأجدكِ، لتخبريني أن قلبكِ أيضاً سينضم إلى تلك الأنقاض؟”

لمست زيلان، يديه بينما كانت عيناها تفيضان. “قلبي؟ قلبي سيبقى هنا، في هذا المقهى، على هذه الطاولة. سأتركه معك. خذه. احتفظ به. اكتب عنه. اجعله حياً في ألغازك وقصصك، لأنني لن أستطيع أن أجعلَه حياً في حياتي”.

كتب آرام على ورقة بلغة إنجليزية قديمة مختلطة برموز جغرافية: “مقهى الحدود الضائعة. لقاء بين كاتب يحل الألغاز وجندية هي لغز أعظم. والنهاية كانت من البداية”.

سلمها الورقة. “إليكِ. لغز أخير”.

أخذت الورقة ووضعتها في جيب بذلتها العسكرية، بجانب القلب الذي وعدت بتركه له.

“سأقرأ كل ما تكتبه”، قالت وهي تنهض. “سأبحث عني بين سطورك. وعن الألغاز التي تركناها دون حل”.

“ولن تجدينا”، قال وهو يغالب دمعة. “لأن بعض الألغاز لا تُحل. تبقى معلقة في الهواء، كسؤال بلا جواب”.

وقفت زيلان عند الباب، التفتت نحوه للمرة الأخيرة. “وداعاً، يا حلال ألغازي”.

“وداعاً، يا أعقد ألغاز حياتي”.

مرت سنوات. أصبح آرام كاتباً وصحفياً مصرياً مشهوراً، وصفت مقالاته بأنها “تحمل ألغاز الأرض وأسرارها”. أصبح يكتب عموداً أسبوعياً في جريدة كبرى بعنوان “ألغاز من على الطريق”، يسافر بين البلدان ويحل ألغازاً تاريخية وإنسانية. وفي كل كتاب ينشره، يهديه “إلى الجندية التي علمتني أن أعقد الألغاز هي تلك التي تتعلق بالقلب، وأصعبها هو لغز الحب في زمن الحرب”.

أما زيلان، فأصبت سياسية بارزة، تزوجت كما خططوا لها، وقادت مفاوضات سلام تاريخية. وفي خطابها الأهم، قالت: “تعلمت أن أقوى الأسلحة هو السؤال الصحيح، وأصعب المعارك هي معركة البقاء وفياً للذات في عالم يحاول تشفيرك وفق شفراته”.

ذات يوم، بينما كان آرام يوقع كتبه في معرض أدبي بالقاهرة، تقدمت منه سيدة تلبس قبعة. أخذت كتابه الجديد “ألغاج الحدود الضائعة” وفتحته على صفحة الإهداء.

“هل وجدتِ نفسكِ بين السطور؟” سألها وهو يرفع عينيه، ممتعضاً بأن هناك شيئاً مألوفاً في طريقة وقفتها.

رفعت القبعة قليلاً. كانت عيناها البنيتان تشعان كما كانتا دائماً.

“وجدت الألغاز التي تركتناها دون حل. وهذا يكفي”.

سلمته الكتاب لتوقيعه. كتب: “إلى القارئة المجهولة التي تعرف أن بعض الألغاز تبقى دون حل كي تبقى حية”.

أخذت الكتاب وابتعدت دون أن تلتفت. وفي السيارة التي تنتظرها، كان زوجها السياسي ينتظر.

“هل اشتريتِ الكتاب؟” سأل.

“نعم”، قالت وهي تضغط على الكتاب إلى صدرها. “اشتريت لغزاً كنتُ أعرف حله مرة، وفضلت أن أتركه دون حل”.

أما آرام، فعاد إلى مقهى “الحدود الضائعة” في رحلته التالية إلى تلك المنطقة. وجلس على الطاولة نفسها، وكتب الفصل الأخير من قصة لم يجرؤ على نشرها أبداً:

“بعض اللقاءات تحدث كي تثبت أن القلب لا يعرف حدوداً، وأن الحب الحقيقي هو لغز لا نريد حله، لأنه لو حللناه، سينتهي سحر البحث. وهكذا تبقى الجندية وحدها في ثكناتها، والكاتب وحيداً في ترحاله، وكلاهما يحمل قطعة من أحجية لم تكتمل، لأن اكتمالها كان سيكون نهاية لغز كان أجمل ما في الرحلة. وهكذا يظل الحب أشبه بلغز مصري قديم، كتب على جدران معبد، يترجمه كل عاشق حسب دموعه، ويفسره كل كاتب حسب وحشته، وتبقى الإجابة الحقيقية ضائعة بين الحدود، كقهوة باردة في مقهى مهجور، تذكرنا أننا كنا هنا، مرة، إنساناً يحب الألغاز وإنسانة كانت أعقد ألغازه، قبل أن نتحول إلى فصول في كتب، وإلى أسئلة في أعمدة صحفية، وإلى ذكرى مشفورة في دفتر كاتب مصري عرف للحظة قصيرة معنى أن يعيش لغزاً اسمه الحب، قبل أن يعود إلى حل ألغاز الآخرين، تاركاً لغزه الخاص دون حل، بين سطرين منسيين في قصة كتبت بلغة السر والهمس.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!