تراتيل الجدران الصامته


بقلم:رمضان مصطفى محمد
لم يكن الصمت في ذلك المنزل مجرد غياب للصوت؛ كان كائناً حياً، ثقيلاً، يزحف على الجدران المقشرة ويستقر في الزوايا المظلمة مثل حيوان ليلي يتربص بفريسة. وقفتُ أمام البوابة الحديدية التي علاها الصدأ، وكأن الزمن نفسه قد عض عليها بأنيابه ورفض الإفلات. المفتاح في يدي كان بارداً، أثقل مما ينبغي لمفتاح، وكأنه يحمل وزن السنوات الخمسين التي هُجر فيها هذا المكان.
“منزل العائلة القديم”.. هكذا أسموه في الوصية. لكن أهل القرية، بوجوههم التي لوحتها الشمس وعيونهم التي تتهرب من النظر إليّ، أسموه “بيت الست زبيدة”. جدتي التي لم أرها قط، والتي قيل إنها ماتت وهي تحدق في المرآة، تصرخ بصوت لم يخرج من حنجرتها قط.
دفعت البوابة، فأطلقت أنيناً معدنياً طويلاً تردد صداه في الفناء الجاف. الأشجار هنا لم تكن ميتة تماماً، بل كانت ملتوية، جذوعها سوداء كأنما احترقت من الداخل، وأغصانها تتشابك مثل أصابع عجوز متيبسة تشير نحو السماء باتهام صامت. خطوت إلى الداخل، وصوت الحصى يطقطق تحت حذائي كان يبدو كطلقات رصاص في هذا السكون المطبق.
كنتُ أبحث عن الهدوء. ككاتب، ظننت أن العزلة هي ما ينقصني لإنهاء روايتي. يا لسخرية القدر. نحن نبحث عن الوحدة لنفرغ عقولنا، لكننا ننسى أن الوحدة هي الأرض الخصبة التي تزرع فيها المخاوف بذورها.
فتحت الباب الخشبي الضخم. رائحة المكان كانت مزيجاً غريباً؛ عبق الرطوبة القديمة، خشب متحلل، ورائحة أخرى خفيفة، حلوة بشكل مقزز، تشبه رائحة الزهور الذابلة التي تُركت طويلاً في مزهريات القبور.
في الداخل، كان الأثاث مغطى بملاءات بيضاء، بدت في ضوء الغروب المتسلل من النوافذ الموصدة كأشباح راكعة في صلاة أبدية. رفعت الغطاء عن أقرب أريكة، فثار الغبار في الهواء كدخان انفجار صغير، ودخلت في نوبة سعال كسرت هيبة المكان.
“مرحباً؟” قلتها بصوت خافت، ساخراً من نفسي. من أتوقع أن يجيب؟ الأشباح؟ الفئران؟ أم صدى صوتي الذي بدا غريباً، وكأن الجدران تمتص نبرته وتعيدها إليّ مشوهة؟
قررت استكشاف الطابق الأرضي قبل حلول الظلام الدامس. المطبخ كان واسعاً بشكل غير مبرر، تتوسطه طاولة خشبية ضخمة محفورة عليها خطوط غريبة، بدت للوهلة الأولى خدوش سكاكين، لكن عندما مررت أصابعي عليها، شعرت بانتظامها. لم تكن عشوائية. كانت.. حروفاً؟ أم رموزاً؟ شعور بالقشعريرة سرى في ذراعي، ليس من البرد، بل من ذلك الإحساس البدائي الذي يخبرك بأنك لست وحدك، حتى لو كانت عيناك تؤكدان العكس.
صعدت السلم الخشبي الذي كان يئن مع كل خطوة، وكأنه يتألم. الطابق العلوي كان أشد ظلمة. ممر طويل تتفرع منه ثلاث غرف. الغرفة الأولى كانت فارغة إلا من سرير حديدي. الثانية كانت مغلقة. أما الثالثة.. كانت بابها موارباً.
اقتربت من الغرفة الثالثة. تيار هواء بارد لفح وجهي رغم أن النوافذ مغلقة. دفعت الباب ببطء. كانت مكتبة. رفوف عالية تمتد للسقف، مكدسة بكتب مجلدة بجلود داكنة، ألوانها باهتة. رائحة الورق القديم كانت طاغية هنا. لكن ما جذب انتباهي لم يكن الكتب، بل اللوحة المعلقة فوق المكتب الخشبي في صدر الغرفة.
كانت صورة لامرأة.. جدتي زبيدة، بلا شك. الملامح حادة، والعيون.. يا إلهي، العيون. الرسام الذي رسم هذه اللوحة كان عبقرياً أو مجنوناً. العيون كانت سوداء بالكامل، بلا بياض، وكأنها ثقبان يؤديان إلى فراغ لا نهائي. والأكثر رعباً، أنك مهما تحركت في الغرفة، تشعر أن تلك العينين تتبعانك. ليس مجرد انطباع بصري، بل شعور فيزيائي، كأن نظرتها لها وزن يضغط على كتفيك.
جلست على الكرسي الجلدي خلف المكتب، محاولاً تجاهل اللوحة. وضعت حقيبتي ودفتر ملاحظاتي. “بداية جديدة يا يوسف”، همست لنفسي. أخرجت قلمي، وبدأت أكتب.
مرت ساعة، أو ربما دهر. كان الليل قد أسدل ستاره بالكامل. وفجأة، توقفت يدي.
صوت.
لم يكن صريراً، ولم يكن ريحاً.
كان صوتاً إيقاعياً خافتاً قادماً من الطابق العلوي.. لا، انتظر، أنا في الطابق العلوي. الصوت قادم من السقف. من العلية.
طرق.. طرق.. سكون.. طرق.. طرق.
وكأن شخصاً ما يمشي ببطء، بخطوات ثقيلة، أو ربما.. يجر شيئاً ما.
تجمدت في مكاني. العقل البشري بارع في اختلاق التبريرات. “إنه الخشب يتمدد وينكمش،” قلت لنفسي. “إنها فئران كبيرة.” لكن الفئران لا تمشي بإيقاع. الخشب لا يطرق مرتين ثم يصمت.
نظرت إلى اللوحة مرة أخرى. هل تخيلت ذلك؟ أم أن زاوية فم المرأة في اللوحة قد ارتفعت قليلاً؟ ابتسامة؟ لا، ليست ابتسامة. كانت تكشيرة سخرية.
أمسكتُ المصباح اليدوي، وقررت أن أكون عقلانياً. سأصعد للعلية. سأرى أنه لا شيء هناك سوى الغبار والخردة، وسأعود لأضحك على خوفي.
خرجت للممر. في سقفه، كانت هناك فتحة مربعة تؤدي للعلية. سحبت الحبل المتدلي، فنزل السلم المطوي بضجة أيقظت سكون البيت كله. صعدت بحذر، المصباح بين أسناني.
رأسي تجاوز الفتحة. الضوء شق الظلام الكثيف.
صناديق قديمة. كراسي مكسورة. مرآة كبيرة مغطاة بقطعة قماش.. و..
شيء ما يتحرك في الزاوية البعيدة. ظل؟ لا، كان له كتلة. شيء جالس القرفصاء، ظهره لي، طويل، نحيل بشكل غير طبيعي، وجلده.. هل كان ذلك جلداً؟
بدا رماديا
رطباً، ويعكس الضوء بلمعان زيتي مقزز
تجمد الدم في عروقي. أردت أن أصرخ، أن أنزل، أن أهرب. لكن جسدي خانني. وفي تلك اللحظة، توقف الشيء عن الحركة. وببطء، ببطء شديد، بدأ يدير رأسه نحوي. سمعت صوت طقطقة عظام رقبته بوضوح في الصمت القاتل.
وقبل أن أرى وجهه، انطفأ المصباح.
الظلام لم يكن مجرد غياب للضوء؛ كان سائلاً لزجاً يملأ رئتي، يختنق فيه صراخي قبل أن يولد. في تلك اللحظة التي انطفأ فيها المصباح، لم أسمع سوى صوت واحد: صوت أنفاس ليست لي. كانت أنفاساً رطبة، متهدجة، تصدر صفيراً خافتاً وكأنها تمر عبر قصبة هوائية محطمة.
لم أنتظر لأرى الوجه الذي استدار نحوي. غريزة البقاء، ذلك الحيوان الكامن فينا الذي يستيقظ فقط عند حافة الموت، تولت القيادة. رميت جسدي إلى الخلف بشكل عشوائي، متجاهلاً درجات السلم. شعرت بالخشب يخدش ذراعي ووجهي، واصطدم كتفي بحافة الفتحة المربعة بألم حاد، لكنني لم أبالِ. سقطتُ على أرضية الممر بقوة سرقت الهواء من صدري.
تخبطتُ في الظلام، أزحف على الألواح الخشبية الباردة، وأنا أسمع صوتاً فوقي.. صوت زحف. شحط.. شحط.. شيء ما يجر جسده الطويل نحو حافة الفتحة لينظر إليّ.
انتصبتُ واقفاً وساقاي ترتجفان كقصب في مهب الريح، واندفعتُ نحو المكتبة. أغلقت الباب خلفي وأدرت المفتاح الصدئ بأصابع مرتعشة، ثم تراجعتُ بظهري حتى اصطدمت بالمكتب، وصدري يعلو ويهبط بعنف، محاولاً استيعاب ما حدث.
“اهدأ يا يوسف.. اهدأ..” همستُ لنفسي، لكن صوتي خرج مبحوحاً، غريباً عني. “إنه مجرد خيال.. إرهاق السفر.. ظلال قديمة.”
لكن عقلي الكاتب، ذلك الجزء اللعين الذي يحلل التفاصيل، رفض هذا التبرير. الظلال لا تتنفس. الأوهام لا تملك رائحة العفن التي لا تزال عالقة في أنفي.
أشعلتُ شمعة وجدتها على المكتب، فالضوء الأصفر الراقص منح الغرفة ظلالاً طويلة ومتحركة، جعلت الكتب تبدو وكأنها تتنفس على الرفوف. رفعت عيني ببطء نحو لوحة جدتي زبيدة.
شهقتُ رعباً.
اللوحة تغيرت. لم تكن مجرد خدعة بصرية. المرأة في اللوحة لم تعد تنظر إليّ مباشرة. رأسها كان مائلاً قليلاً إلى اليسار، وعيناها.. تلك العيون السوداء الحالك، كانت تنظر الآن نحو باب المكتبة المغلق. وكأنها.. تترقب دخول شيء ما. أو ربما تحذرني منه؟
اقتربتُ من المكتب، أبحث عن أي شيء يربطني بالواقع. بدأت أفتح الأدراج بعصبية. أوراق قديمة، إيصالات بيع أراضٍ، نظارة مكسورة.. وفي الدرج الأخير، المخفي بقاع زائف اكتشفته عندما تحسست الخشب، وجدتُ دفتراً صغيراً.
غلافه كان من جلد غريب الملمس، ناعم ودافئ بشكل مقزز، وكأنه جلد بشري مدبوغ. وعلى الغلاف، حُفرت كلمة واحدة بخط عربي قديم متداخل: “العهد”.
فتحتُ الصفحة الأولى. الخط كان رقيقاً، دقيقاً، كُتب بحبر بني مائل للاحمرار.
“اليوم الثالث عشر من الصفر.. لقد عاد. ظننتُ أنني حبسته في العلية، قيدته بالتعويذة والملح، لكن الجدران بدأت ترشح. إنه يسمعني الآن وأنا أكتب. هو لا يريد الرحيل. هو يريد وعاءً جديداً.”
تجمدتُ. التاريخ المكتوب في الصفحة يعود لعام 1974، العام الذي اختفت فيه زبيدة. قلبتُ الصفحات بسرعة. الرسومات كانت تملأ الهوامش. دوائر متداخلة، نجوم خماسية مشوهة، ورسم متكرر لجمجمة بشرية يخرج من فمها دخان أزرق يتشكل على هيئة وجه.
توقفتُ عند صفحة كُتبت بخط مرتعش، وكأن الكاتب كان يصارع شيئاً يمسك بيده:
“الخطأ لم يكن في التعويذة. الخطأ كان في القربان. لم أكن أعلم أن المنزل جائع. إنه يتغذى على الخوف، على الوحدة، وعلى الدم الذي يربطنا به. حفيدي.. إذا قرأت هذا يوماً.. لا تنظر إلى المرايا بعد منتصف الليل. ولا تفتح الباب إذا سمعت صوت أمك تناديك.”
أغلقت الدفتر، وشعور بالغثيان يجتاحني. “حفيدي”.. كانت تتحدث عني. كانت تعلم أنني سأتي.
فجأة، انقطع حبل أفكاري بصوت قادم من خلف الباب المغلق. لم يكن طرقاً هذه المرة.
كان خدشاً.
أظافر طويلة وقوية تحفر في خشب الباب ببطأ
أنه صوت خرمشات عالي مزعج
ثم، صوت.. صوت بشري تماماً، ناعم وهادئ، تسلل من ثقب المفتاح ليخترق طبلة أذني:
“يوسف… افتح يا بني. الجو بارد هنا.”
كان صوت أمي.
أمي التي ماتت منذ عشر سنوات في حادث سيارة.
تراجعتُ للخلف، وقدماه تتعثران بالسجادة العتيقة. الدموع تجمعت في عيني، ليس حزناً، بل رعباً خالصاً. هذا المخلوق يلعب بعقلي. إنه يقرأ ذكرياتي.
“أنت لست أمي!” صرختُ بصوت مهتز.
توقف الخدش. ساد صمت لثوانٍ بدت كالدهر، ثم انطلق ضحك. لم يكن ضحك أمي. كان ضحكاً أجشاً، ذكورياً ومتعدداً، وكأن حنجرة واحدة تخرج أصوات عشرة رجال يضحكون معاً في قاع بئر.
“ذكاءك لن ينقذك يا يوسف..”، قال الصوت المتغير الآن، أصبح أعمق، أشبه بصوت احتكاك الحصى، “لقد قرأتَ العهد. والآن، أنت جزء من المنزل.”
فجأة، انطفأت الشمعة، ليس بسبب تيار هواء، بل كأن أحداً كبس على فتيلها بأصبعين باردين. عاد الظلام، لكن هذه المرة، لم يكن ظلاماً فارغاً.
في ركن الغرفة، بجانب النافذة، بدأ ضوء أزرق شاحب يتشكل. ضوء غريب، بارد، ينبعث من لا شيء. بدأ يتجمع، يتكثف، ليشكل هيئة رجل طويل، شعره ينسدل على كتفيه كشلال من الظلام، ووجهه.. وجهه كان أبيض كالعظم، وعيناه تشعان بضوء أزرق يخرق الروح.
تذكرتُ الرسم في الدفتر. الجمجمة والدخان الأزرق.
الكيان الأزرق لم يتحرك، بل رفع يده وأشار إليّ. وفي يده، رأيتُ شيئاً يلمع. مفتاح. ليس مفتاح الباب.. بل مفتاح صغير، فضي، يشبه المفتاح الذي كان معلقاً في رقبة جدتي في اللوحة.
نظرتُ للوحة بسرعة في الظلام الذي يقطعه الضوء الأزرق. رقبة جدتي في اللوحة كانت فارغة الآن. المفتاح اختفى من الرسم.
“المهرب ليس بالخروج..” همس الكيان الأزرق بصوت تردد صداه داخل جمجمتي مباشرة، دون أن يحرك شفتيه، “المهرب في الأسفل. في القبو الذي نسيته.”
هل كان هذا الكيان يحاول مساعدتي؟ أم أنه فخ آخر؟
الخمش على الباب عاد بقوة أكبر، وكأن الباب الخشبي المتين بدأ يتشقق تحت وطأة ضربات شيء ضخم في الممر. الخشب يئن، والمفصلات تصرخ.
لم يكن أمامي خيار. النافذة مغلقة بقضبان حديدية. الباب يوشك على الانهيار أمام الوحش القادم من العلية. والكيان الأزرق يشير نحو زاوية الغرفة حيث السجادة.
اندفعتُ نحو الزاوية، رفعت طرف السجادة الثقيلة والغبار يملأ رئتي. تحتها، كان هناك باب مسحور في الأرضية (Shed door)، مقبضه حلقة حديدية غارقة في الخشب.
كرااااك!
صوت انشطار باب المكتبة. الوحش دخل. لم ألتفت لأراه. سحبتُ الحلقة الحديدية بكل ما أوتيت من قوة يائسة. انفتح الباب الأرضي كاشفاً عن سلم حجري حلزوني يغوص في ظلام دامس.
ومن دون تفكير، قفزتُ إلى الهاوية، والضوء الأزرق يتبعني، بينما سمعتُ صوت أقدام ثقيلة تجري نحوي وتتوقف عند حافة الفتحة، وصوت زئير محبط هز أركان البيت، زئير لا ينتمي لأي حيوان خلقه الله.
أغلقتُ الباب الأرضي فوق رأسي، وحبسنا معاً.. أنا، والظلام، والأنفاس المجهولة التي تنتظر في الأسفل.
تحت الأرض، يفقد الزمن معناه. لا شروق ولا غروب، فقط ظلام سرمدي ورائحة عفن عتيقة تشبه رائحة القبور المفتوحة حديثاً. كنتُ أهبط الدرجات الحجرية الزلقة، مستنداً بيدي على الجدار البارد الذي كان يرشح ماءً لزجاً، بينما دقات قلبي تقرع في أذني كطبول حرب بدائية. الصوت في الأعلى، صوت التحطيم والزئير المكتوم، بدأ يبتعد، لكنه لم يختفِ. كان المنزل يصرخ من الألم، وكأنه كائن حي يتم تمزيقه.
الضوء الأزرق الشاحب الذي قادني إلى هنا لم يختفِ. كان يسبح أمامي ببطء، يتخذ شكل رجل طويل القامة، عباءته ممزقة وتتموج كدخان في مهب ريح لا أشعر بها. توقف الكيان عند نهاية الدرج، حيث انفتح الممر الضيق على قاعة واسعة تحت أساسات المنزل تماماً.
شهقتُ بصوت مسموع. المكان لم يكن قبواً عادياً. كان معبداً.
الجدران الصخرية كانت مغطاة بنقوش غائرة، رموز هندسية متداخلة وكلمات بلغة لم أرها من قبل، ربما سريانية أو عبرية قديمة، تتوهج بفسفور خافت. وفي وسط القاعة، تربعت منصة حجرية سوداء، وفوقها.. الجمجمة.
نعم، الجمجمة التي رأيتها في كوابيسي، وفي دفتر جدتي “العهد”. كانت بشرية، لكن حجمها أكبر قليلاً، وعظامها مصقولة كأنها عاج، محاطة بدائرة من الملح الخشن والشموع السوداء المنطفئة.
اقتربتُ منها وكأن قوة مغناطيسية تجذبني. بجانب الجمجمة، كان هناك خنجر عظمي ومخطوطة مفتوحة.
“لقد تأخرتَ يا يوسف..”
الصوت لم يأتِ من الكيان الأزرق هذه المرة. التفتُ حولي بذعر. الصوت كان يأتي من كل مكان، من الجدران، من الأرضية، وحتى من داخل رأسي.
“من أنت؟” صرختُ، وصوتي يرتد في القاعة الفارغة.
تحرك الكيان الأزرق ليقف خلف المنصة الحجرية، ولأول مرة، استطعت تمييز ملامحه بوضوح. لم يكن غريباً. كان يحمل نفس تقاسيم وجهي، نفس العينين، لكنه بدا أكبر سناً، منهكاً، وكأنه يحمل ثقل قرون على كتفيه.
“أنا ما تبقى من حراس العهد..” قال الكيان بصوت متعب، “أنا قرين الدم الذي ربطته جدتك زبيدة لحماية هذا الختم. لكن قوتي تلاشت. والشيء الذي في الأعلى.. الذي يلبس وجه أمك تارة ووجوه الموتى تارة أخرى.. هو الجوع الذي أطلقته هي عن غير قصد.”
بدأت الصورة تتضح، مرعبة وقاسية. جدتي لم تكن ساحرة شريرة، كانت سجّانة. حاولت حبس كيان مظلم، “الجاثوم” الذي يتغذى على أرواح العائلة، لكنها فشلت في إتمام الطقس.
“ماذا تريد مني؟” سألتُ، وأنا أشعر بالبرودة تتسرب إلى عظامي.
أشار الكيان إلى الخنجر والمخطوطة. “الدم يفك الدم. والروح تفدي الروح. لكي تحبس الكيان مرة أخرى، يجب أن تكمل ما بدأته زبيدة. يجب أن تقدم التضحية.”
“تضحية؟” تراجعتُ خطوة للوراء، “أنا لست قاتلاً!”
ابتسم الكيان ابتسامة حزينة. “التضحية ليست حياة شخص آخر يا يوسف. التضحية هي.. أنت.”
قبل أن أستوعب كلماته، اهتزت القاعة بعنف، وتساقط الغبار من السقف الصخري. صوت ارتطام هائل جاء من الممر الذي نزلت منه. الباب الأرضي قد كُسر. الوحش قادم.
سمعتُ صوت زحف سريع، لزج، يقترب بجنون. ورائحة الكبريت واللحم المحترق ملأت القاعة.
“ليس لديك وقت!” صرخ القرين الأزرق، وجسده بدأ يتلاشى، “إنه جائع، وإذا وصل إليك قبل إتمام التعويذة، سيأخذ جسدك ويخرج للعالم. تخيل.. ذلك الشيء يتجول في شوارع القاهرة بجسدك.”
الرعب الذي اجتاحني في تلك اللحظة لم يكن خوفاً من الموت، بل من المسخ. فكرة أن أصبح بدلة يرتديها ذلك الشيطان كانت أسوأ من الجحيم.
اندفعتُ نحو المنصة. أمسكتُ الخنجر العظمي. كان بارداً كالثلج، ثقيلاً في يدي. قرأتُ الكلمات المكتوبة في المخطوطة. كانت عربية، لكنها معكوسة المعنى، كلمات تستحضر القوة من الألم.
“بدمي أختم الباب.. وبروحي أطفئ الجوع.. عد إلى العدم من حيث أتيت.”*
صوت الزحف أصبح خلفي تماماً. شعرتُ بأنفاس ساخنة، رطبة، تلفح رقبتي. التفتُ بسرعة.
ما رأيته جمد الدم في عروقي. لم يكن وحشاً، لم يكن مسخاً. كان.. مرآة مشوهة. كتلة من اللحم تتشكل وتتموج، تظهر وجوهاً أعرفها.. وجه أبي، وجه أمي، وجه طفل صغير يبكي.. وكلهم يصرخون بصوت واحد: “يوسف.. ساعدنا.. أعطنا جسدك.”
لم يكن لدي خيار.
رفعتُ الخنجر. لم يكن المطلوب قتلي، بل جرح يربط دمي بالحجر. جرحتُ كفي بقوة، فسال الدم القاني غزيراً على الجمجمة البيضاء.
في اللحظة التي لامس فيها الدم العظم، انطلق ضوء أزرق ساطع من محاجر الجمجمة، ضوء أعمى بصري وملأ القاعة بضجيج يشبه صوت تكسر الزجاج.
صرخ الكيان المشوه خلفي صرخة مزقت نياط قلبي، صرخة فيها من الألم ما لا تطيقه أذن بشرية. رأيته يتلوى، يذوب، يتحول إلى دخان أسود كثيف ينسحب بقوة وكأنه يُشفط إلى داخل فم الجمجمة المفتوح.
الرياح عصفت بالقاعة، والقرين الأزرق تلاشى تماماً وهو يهمس بكلمة أخيرة: “تحررت”.
سقطتُ على ركبتي، أنفاسي تخرج بصعوبة، والدم لا يزال يقطر من يدي على المنصة. الهدوء عاد فجأة، هدوءاً ثقيلاً، مطبقاً، كما كان أول مرة دخلت فيها المنزل.
مر شهران منذ تلك الليلة.
أنا لا أزال هنا. في منزل العائلة. لم أرحل
لقد حاولت، صدقوني. حاولت الخروج من البوابة في اليوم التالي، لكن عندما وضعت يدي على المقبض، شعرت بذلك الألم.. ذلك الرابط غير المرئي الذي يشدني للداخل.
لقد فهمتُ الآن معنى “التضحية” التي تحدث عنها القرين. لم تكن الموت. كانت البقاء.
أنا الآن الحارس الجديد.
أجلس في المكتبة كل ليلة، أكتب قصصاً لن يقرأها أحد سواي. اللوحة التي كانت لجدتي زبيدة تغيرت. لم تعد هي فيها.
الآن، اللوحة تحمل صورتي أنا. وعيناي فيها تلمعان بضوء أزرق خافت.
أحياناً، في الليالي المقمرة، أسمع طرقات خفيفة تأتي من القبو. محاولات يائسة من الشيء المحبوس في الجمجمة للخروج. فأبتسم، وأشرب قهوتي، وأعود للكتابة.
هو جائع.. وأنا سجّانه الأبدي.
المنزل هادئ الآن. لكنه هدوء خادع.
نصيحتي لك يا من تقرأ كلماتي.. إذا مررت يوماً بمنزل قديم تحيط به الأشجار الميتة، وسمعت همساً يناديك باسمك.. لا تتوقف. واصل السير.
فبعض الأبواب خُلقت لتبقى مغلقة، وبعض القصص لا تنتهي بكلمة “النهاية”، بل تبدأ بها.



