تجارب مرعبة

الليلة الأخيرة

رمضان مصطفى محمد

كنت أظن أن الانتقال إلى هذه الشقة هو أفضل قرار اتخذته منذ سنوات. الطابق الرابع، شارع هادئ، جيران لا يُسمع لهم صوت تقريبًا. بعد ضوضاء المدينة القديمة، بدا المكان كأنه وعدٌ بحياة جديدة. في الليلة الأولى، نمت بعمق لم أعرفه منذ زمن. لا كوابيس، لا أرق، لا ذلك الشعور بأن أحدًا يراقبني من زاوية الغرفة كما كان يحدث في بيتي السابق. كل شيء كان عاديًا… ومطمئنًا أكثر مما ينبغي.

استيقظت في الصباح على صوت المنبه، وبدأ يومي بشكل طبيعي. أعددت القهوة، فتحت النافذة، تنفست هواء باردًا خفيفًا. كان الشارع خاليًا إلا من رجل يمشي ببطء شديد، كأنه يقيس الأرض بخطواته. لم أعره اهتمامًا. في المساء، عدت من العمل مرهقًا، تناولت عشاءً سريعًا، ثم جلست أقرأ. عند الحادية عشرة تمامًا، سمعت أول صوت.

طرقة خفيفة.

ليست على الباب. بل من داخل الشقة.

رفعت رأسي ببطء. أنصتُّ. لا شيء. ربما تمدد في الخشب، ربما أنبوب ماء. أقنعت نفسي بذلك بسهولة. لكن بعد دقائق، تكررت الطرقة. نفس الحدة. نفس الإيقاع. طرقة واحدة فقط. كأن شخصًا يختبر صبرك، لا يريد أن يُزعجك، بل أن يذكّرك بوجوده.

تتبعت الصوت حتى توقفت أمام باب غرفة التخزين الصغيرة قرب المطبخ. كنت قد وضعت فيها بعض الصناديق ولم أدخلها بعد. وضعت يدي على المقبض، ترددت لثوانٍ، ثم فتحته بسرعة. الظلام وحده كان في انتظاري. مددت يدي إلى مفتاح الإضاءة، فاشتعل المصباح الأصفر الكئيب. الصناديق في أماكنها. الجدران عارية. لا شيء.

ضحكت على نفسي، وأغلقت الباب.

في الليلة التالية، حدث الأمر نفسه. الحادية عشرة تمامًا. طرقة واحدة. هذه المرة لم أتحرك من مكاني. جلست على الأريكة أراقب الساعة. عندما وصلت العقارب إلى الحادية عشرة وخمس دقائق، جاءت الطرقة. أقسم أنها كانت أقرب… كأنها صدرت من خلفي مباشرة. التفتُّ بسرعة، فلم أرَ إلا الحائط الأبيض.

بدأت ألاحظ شيئًا آخر. بعد كل طرقة، يسود صمت ثقيل. صمت غير طبيعي. كأن الهواء نفسه يتجمد، كأن الأصوات في الخارج تُسحب من العالم للحظة قصيرة. لا سيارات، لا رياح، لا أصوات بعيدة. فقط فراغ.

في اليوم الثالث، سألت البواب إن كان يعرف شيئًا عن الشقة. هز رأسه مبتسمًا: “شقة هادية، محدش بيقعد فيها كتير.” سألته لماذا، فقال: “الناس بتزهق بسرعة… مش أكتر.” لم تعجبني إجابته، لكنها لم تكن تحمل ما يمكن الإمساك به.

قررت أن أتجاهل الأمر. الإنسان يتوهم أشياء حين يكون وحيدًا. هذا ما كنت أكرره لنفسي. لكن في الليلة الرابعة، لم تأتِ الطرقة في موعدها. جلست أنتظر. الحادية عشرة مرت بسلام. شعرت براحة غريبة، ثم بنوع من الخيبة. كأنني كنت أترقبها.

عند الثانية عشرة إلا دقيقة، سمعت الطرقة.

لم تكن واحدة هذه المرة. بل اثنتين… ببطء. بينهما فاصل زمني طويل. كأن أحدهم يتعلم الإيقاع.

وقفت. قلبي بدأ يخفق بسرعة غير مبررة. توجهت نحو غرفة التخزين. كل خطوة كانت أثقل من سابقتها. عندما اقتربت، شعرت بشيء يشبه البرودة يتسلل من أسفل الباب. وضعت أذني عليه. لا صوت. لكنني كنت متأكدًا أن هناك شيئًا في الداخل. ليس جسدًا… بل حضور.

فتحت الباب فجأة.

الغرفة كما هي. لكن الصناديق لم تكن في أماكنها. أحدها كان مقلوبًا. كنت متأكدًا أنني لم ألمسه منذ أيام. تقدمت ببطء. انحنيت لأعيده، ولاحظت شيئًا محفورًا على الجدار خلفه.

خط رفيع… عمودي.

اقتربت أكثر. لم يكن خطًا واحدًا. بل خمسة خطوط قصيرة، أربعة متجاورة والخامس يقطعها. مثل علامة عدّ الأيام.

تجمدت في مكاني. لم أكن أنا من رسمها.

تراجعت ببطء، أغلقت الباب، وعدت إلى الأريكة. لم أنم تلك الليلة. ظللت أحدق في الجدار المقابل، وأحاول أن أستعيد تفاصيل الأيام الماضية. متى ظهرت العلامات؟ هل كانت موجودة من قبل؟ لماذا لم أنتبه؟

في الصباح، فتحت الباب مرة أخرى. لم تكن هناك أي علامات. الجدار نظيف تمامًا.

بدأ الشك يتسلل إلى داخلي. ربما أنا من رسمها؟ ربما فعلت ذلك دون وعي؟ الفكرة بدت سخيفة… لكن أقل رعبًا من البديل.

تكرر الأمر في الليالي التالية. طرقة واحدة. ثم اثنتان. ثم ثلاث. وفي كل مرة، أجد داخل غرفة التخزين علامات جديدة على الجدار. أحيانًا تختفي في الصباح، وأحيانًا تبقى. بدأت أدوّن عدد الطرقات في دفتر صغير. الليلة السابعة: ثلاث طرقات. الليلة الثامنة: أربع. الليلة التاسعة: أربع… ثم طرقة خامسة متأخرة، بعد دقيقة كاملة.

في العمل، صرت شاردًا. زملائي يلاحظون شرودي. أحدهم سألني إن كنت أنام جيدًا. كدت أضحك. النوم أصبح مساحة خطرة. في إحدى الليالي، غفوت على الأريكة قبل الحادية عشرة بقليل. استيقظت على الطرقة، لكنها لم تكن من الخارج… كانت من داخل رأسي. كأن أحدهم يطرق على جمجمتي من الداخل.

جلست ألهث. نظرت إلى الساعة. الحادية عشرة تمامًا.

بدأت أسمع أشياء أخرى. همسات خافتة، غير مفهومة، تأتي أحيانًا من خلف باب التخزين. لا كلمات واضحة، فقط حروف متكسرة، كأن لسانًا يختبر نطق اسمي. مرة واحدة فقط، سمعت بوضوح: “افتح.”

لم أفتح.

بدلًا من ذلك، وضعت خزانة ثقيلة أمام الباب. شعرت براحة مؤقتة. في تلك الليلة، لم تأتِ الطرقة. ابتسمت لأول مرة منذ أيام. لكن عند الثالثة فجرًا، استيقظت على صوت احتكاك. شيء يُسحب ببطء على الأرض. نهضت، ورأيت الخزانة تتحرك… سنتيمترًا واحدًا في كل مرة. لا يد تدفعها. لا شيء ظاهر. فقط حركة بطيئة، صبورة.

تراجعت إلى الحائط. كنت أتنفس بصعوبة. عندما انفتح الباب أخيرًا، لم يخرج منه شيء. فقط ظلام أعمق من ظلام الشقة. ظلام له كثافة. ظللت أحدق فيه، منتظرًا أن تتشكل هيئة، أن يظهر وجه، أي شيء… لكن لا شيء حدث.

في الصباح، لم تكن الخزانة أمام الباب. كانت في مكانها القديم. وكأن الليلة لم تحدث.

بدأ الإحساس بالواقع يتشقق. أحيانًا أرى أشياء لا أتأكد من وجودها. ظل يقف في الممر، يختفي عندما ألتفت. انعكاسي في المرآة يتأخر نصف ثانية قبل أن يقلد حركتي. ذات مرة، ابتسم انعكاسي بينما وجهي كان جامدًا.

لم أعد أثق بعينيّ.

في الليلة الرابعة عشرة، لم أنتظر الطرقة. جلست أمام باب التخزين قبل الحادية عشرة بدقائق. عندما جاءت الطرقة، كانت من خلف الباب مباشرة. شعرت بالاهتزاز في صدري. وضعت يدي على المقبض، وقلت بصوت مسموع: “ماذا تريد؟”

صمت.

ثم طرقة واحدة… أبطأ من كل ما سبق.

فتحت الباب.

الغرفة لم تعد كما أعرفها. الجدار المقابل كان مغطى بالخطوط. عشرات، ربما مئات. كلها علامات عدّ. بعضها محفور بعمق، كأن أظافر طويلة ضغطت بقوة. اقتربت، ولمست أحدها. كان رطبًا… كأنه حُفر للتو.

على الأرض، بين الصناديق، كان هناك شيء لم أره من قبل. دفتر صغير، يشبه دفتري تمامًا. انحنيت والتقطته. فتحته بيد مرتجفة.

كانت فيه تواريخ. نفس تواريخي. ونفس عدد الطرقات المسجل كل ليلة. لكن في الصفحة الأخيرة، كان هناك سطر لم أكتبه.

“الليلة الأخيرة.”

شعرت بأن الهواء يُسحب من الغرفة. التفتُّ ببطء نحو الباب. كان مغلقًا. لا أتذكر أنني أغلقته. حاولت فتحه، لكنه لم يتحرك. بدأت أطرق عليه بعنف. لا صوت يخرج. كأن الجدران تمتص الصوت.

خلفي، سمعت الطرقة.

لكن هذه المرة، لم تكن من الجدار.

كانت من داخل صدري.

واحدة.

ثم ثانية.

ثم ثالثة… ببطء قاتل.

وضعت يدي على قلبي. كان يخفق بإيقاع غريب، لا يشبه نبضي المعتاد. إيقاع الطرقات نفسها. فهمت فجأة، فهمًا باردًا كالموت، أن الأمر لم يكن يأتي من الغرفة. لم يكن هناك شيء ينتظرني خلف الباب.

كان ينتظر في داخلي.

الخطوط على الجدار لم تكن عدّ الأيام… بل عدّ المحاولات. محاولات للخروج.

شعرت بشيء يتحرك تحت جلدي، ببطء، صعودًا نحو حلقي. حاولت الصراخ، لكن صوتي اختفى. انعكست صورتي على سطح معدني في الصندوق القريب. رأيت وجهي… ووراءه، في عينيّ، ظلًا أعمق من أي ظلام عرفته.

الطرقة الأخيرة جاءت قوية.

ثم توقف كل شيء.

لا أعرف كم مرّ من الوقت. استيقظت على صوت المنبه. الصباح عاد هادئًا كما كان في أول يوم. الشقة مرتبة. باب التخزين مغلق. لا خزانة أمامه. لا خطوط على الجدار.

وقفت أمام المرآة.

ابتسمت.

ابتسم انعكاسي قبلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
ممنوع نسخ النصوص!

أنت تستخدم إضافة Adblock

الرجاء اغلاق حاجب الاعلانات